كيف استطاع الإنسان أن يحتفظ بكمية من المعلومات أكبر مما تستطيع ذاكرته أن تستوعب؟ كيف تذكر التاجر ديونه؟ وكيف عرف القصر كمية الحبوب الموجودة في مخازنه؟ وكيف استطاع المعبد أن يتابع أراضيه وموظفيه؟ وكيف بقيت أسماء ملوك عاشوا قبل أربعة آلاف عام حتى يومنا هذا؟
د. دينا إبراهيم سليمانأستاذ اثار مصر والشرق الأدنى القديمكلية الآثار والإرشاد السياحيجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا
الإجابة كانت في مادة تبدو شديدة البساطة: الطين.
من طين دجلة والفرات صنع العراقي القديم ألواحا صغيرة، وبقصبة مدببة ترك عليها علامات أصبحت فيما بعد واحدة من أعظم اختراعات الإنسان: الكتابة المسمارية، لكن الحكاية لم تبدأ بالأدب والأساطير، لقد بدأت بالحساب.
عندما كانت العلامة تعني كيسا من الحبوب
في المراحل الأولى من نشأة الكتابة، لم يكن الإنسان بحاجة إلى كتابة جملة طويلة، كان يحتاج إلى أن يقول: هناك عدد معين من الأغنام - وهناك كمية من الشعير - وهذا الشخص حصل على حصة من الطعام- وهذا المخزن يحتوي على كمية محددة من السلع، ولهذا ارتبطت أقدم مراحل الكتابة في جنوب بلاد الرافدين، ولا سيما في أوروك، بالإدارة الاقتصادية وتسجيل السلع والأشخاص والكميات، وكانت العلامات في بدايتها أقرب إلى صور ورموز، ثم تطورت تدريجيا وأصبحت أكثر تجريدا، وهنا حدث تحول هائل: لم تعد العلامة تمثل الشيء فقط، وإنما بدأت تمثل صوتا أو كلمة، ومن هذه العملية الطويلة ولدت الكتابة المسمارية بصورتها المعروفة.
لماذا سميت "مسمارية"؟
اسمها الحديث مشتق من شكل العلامات، فالأداة التي كان الكاتب يستخدمها غالبا كانت مصنوعة من القصب، وكان يضغط طرفها في الطين الطري، فتترك أثرا يشبه الوتد أو المسمار، ومن هنا جاءت تسمية الكتابة المسمارية، لكن من المهم أن نعرف أن "المسمارية" ليست لغة، وهذه نقطة يقع فيها كثير من الناس، فالكتابة المسمارية هي نظام كتابة، أما اللغات التي كتبت بها فتعددت عبر تاريخ العراق القديم، ومن أبرزها: السومرية، والأكدية بلهجتيها البابلية والآشورية، إلى جانب لغات أخرى في مناطق مختلفة من الشرق الأدنى القديم، أي أن العلامة المسمارية نفسها يمكن أن تستخدم لكتابة لغات مختلفة.
الكاتب... الرجل الذي امتلك مفتاح المعرفة
في مجتمع كانت فيه القدرة على القراءة والكتابة محدودة، أصبح الكاتب صاحب مكانة مهمة، وكان يُعرف في السومرية باسم dub-sar، أي "كاتب اللوح"، ولم يكن عمله مجرد كتابة الرسائل، فالكاتب كان يسجل: العقود – والضرائب – والقوائم - والأوامر الملكية - والنصوص الدينية – والأساطير - والرسائل الدبلوماسية - والوثائق القضائية - والنصوص الطبية - والنصوص الفلكية - والقوائم المعجمية، وهكذا أصبح الكاتب حارسا لذاكرة المجتمع.
كيف كان الطفل يصبح كاتبا؟
هنا تبدأ واحدة من أجمل حكايات التعليم في العراق القديم، فقد ظهرت مؤسسات تعليمية ارتبطت بتدريب الكتبة، ويُشار إلى المدرسة السومرية بمصطلح é-dub-ba-a، الذي يعني حرفيا تقريبا "بيت الألواح".
وكان الطالب يتعلم أولا العلامات الأساسية، ثم ينتقل إلى نسخ الكلمات والقوائم، وبعدها إلى نصوص أكثر تعقيدا، ولم يكن الأمر سهلا، فالكتابة المسمارية تضم عددا كبيرا من العلامات واستخداماتها، وكان على المتعلم أن يتقن نظاما معقدا من العلامات والكلمات والقيم الصوتية.، لذلك احتاج تعلم الكتابة إلى سنوات من التدريب.
لوح صغير.. ومدرسة كاملة
كان الطالب يتعلم على ألواح طينية، يكتب المعلم العلامة أو الكلمة، ثم يحاول الطالب تقليدها، وفي كثير من الأحيان كانت الألواح صغيرة بما يكفي ليحملها الطالب بيده، ومن خلال الألواح التي عُثر عليها في المواقع الأثرية، نستطيع اليوم أن نرى أخطاء الطلاب وتصحيحات المعلمين وتمارين النسخ.
وهنا تظهر مفارقة جميلة: الأخطاء التي كان المعلم يريد من الطالب أن يتخلص منها أصبحت اليوم كنزا أثريا.
فكل خطأ تركه طالب صغير على الطين منذ آلاف السنين يساعدنا اليوم على إعادة بناء تاريخ التعليم.
هل كان الطلاب يحبون المدرسة؟
ربما لا تختلف هذه المسألة كثيرا عن زماننا! فبعض النصوص السومرية الأدبية تصور الحياة المدرسية بصورة طريفة، وتقدم لنا حوارات بين المعلم والتلميذ، وتلمح إلى العقوبات التي كان يمكن أن يتعرض لها الطالب إذا أهمل دروسه أو لم يحفظ ما طُلب منه، وفي بعض النصوص، يبدو الطالب منشغلا بالطعام والراحة، بينما يريد المعلم منه أن يدرس.
ورغم أن هذه النصوص أدبية وليست بالضرورة تسجيلا حرفيا ليوم دراسي، فإنها تكشف لنا شيئا مهما: التعليم في العراق القديم كان تجربة إنسانية لها مشكلاتها، ولم يكن عالما مثاليا، فالطالب يتعب، والمعلم يغضب، والدرس يحتاج إلى حفظ، والكاتب يحتاج إلى الصبر.
ماذا كان الطالب يتعلم؟
لم يكن التدريب مقتصرا على حفظ العلامات، كانت هناك قوائم معجمية، وهي من أهم الأدوات التعليمية والفكرية في بلاد الرافدين، وكان الطالب يتدرب على قوائم بأسماء الأشياء والحيوانات والنباتات والمهن والمدن وغيرها، وقد تبدو هذه القوائم مملة بالنسبة لنا، لكنها في الحقيقة كانت تمثل طريقة منظمة في تصنيف العالم.
فالإنسان الذي يكتب قائمة بالحيوانات أو النباتات لا يقوم بالحفظ فقط؛ وإنما يحاول أن يرتب المعرفة ويمنحها نظاما، وهذه القوائم أصبحت لاحقا مصدرا بالغ الأهمية لدراسة اللغة والثقافة والبيئة والاقتصاد في العراق القديم.
من الحساب إلى الأدب
حدث التحول الأجمل، فالإنسان الذي تعلم أن يكتب: "كمية من الشعير"، اكتشف أنه يستطيع أن يكتب: حكاية، والكاتب الذي كان يسجل أسماء العمال أصبح قادرا على تسجيل أسماء الآلهة والملوك.
واللوح الذي كان يحفظ الحساب أصبح يحمل:أسطورة جلجامش، وهكذا أصبحت الكتابة أداة لحفظ الذاكرة الثقافية، لا مجرد وسيلة للإدارة.
جلجامش.. عندما أصبح الطين أدبا
ربما لا توجد قصة أكثر شهرة في أدب العراق القديم من قصة جلجامش، والأهم أن النص الذي وصلنا لم يكن مكتوبا على لوح واحد في لحظة واحدة، وإنما ارتبط بتقاليد أدبية طويلة، وظهرت له نسخ متعددة عبر فترات تاريخية مختلفة، وفي الملحمة نجد أسئلة لا تزال قريبة جدا من الإنسان الحديث: ما معنى أن يكون الإنسان قويا؟ لماذا نموت؟ هل يستطيع الإنسان أن يهزم الموت؟ ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟
وهنا نكتشف أن الكتابة لم تحفظ المعلومات فقط، لقد حفظت أسئلة الإنسان.
والكاتب لم يكن مجرد موظف
ربما يكون من الخطأ أن نتخيل الكاتب شخصا يجلس في زاوية مظلمة ويكتب ما يمليه عليه الآخرون فقط.
فالكاتب كان يستطيع أن يصبح موظفا إداريا، أو كاتبا في القصر، أو في المعبد، أو عالما متخصصا في الفلك والطب والتنبؤ، أو ناسخا للنصوص الأدبية، وفي بعض البيئات، كان إتقان الكتابة يفتح الطريق إلى مواقع مهمة داخل مؤسسات الدولة، ولهذا ارتبطت الكتابة بالسلطة، من يملك القدرة على تسجيل المعلومات، يملك جزءا من القدرة على إدارة المجتمع.
لماذا كانت الألواح الطينية تبقى آلاف السنين؟
هنا لعبت الطبيعة دورا لم يقصده الإنسان القديم، فالطين عندما يكون رطبا يسهل الكتابة عليه، لكنه قابل للتلف، أما إذا تعرض للنار، فإنه يتحول إلى مادة صلبة، ولهذا نجد أن بعض الحرائق التي دمرت القصور والمكتبات قد ساعدت، paradoxically، في حفظ الألواح، أي أن الكارثة التي كانت بالنسبة لأهل المدينة مأساة، أصبحت بعد آلاف السنين سببا في بقاء جزء من ذاكرتهم. النار التي دمرت المدينة أحيانا أنقذت كتبها، وهذه واحدة من أغرب المفارقات في علم الآثار.
مكتبة آشور بانيبال.. عندما أراد الملك أن يجمع ذاكرة العالم
في القرن السابع قبل الميلاد، شهدت نينوى مشروعا ضخما لجمع النصوص في عهد الملك آشور بانيبال، وكانت الألواح التي جُمعت تشمل نصوصا دينية وأدبية ومعجمية وطبية وفلكية وتنبؤية وغيرها، ومن بينها نسخ من نصوص أسطورية مهمة، ومنها أجزاء من ملحمة جلجامش، ولولا هذه الألواح لما عرفنا كثيرا من الأدب والمعرفة التي أنتجها العراق القديم، وهنا يبدو الملك وكأنه لا يريد امتلاك الأرض فقط، بل يريد أيضا امتلاك المعرفة.
والكتابة لم تكن حكرا على لغة واحدة
من أجمل ما تكشفه الألواح المسمارية أن تاريخ الكتابة في العراق القديم لم يكن ثابتا، السومرية كانت لغة أساسية في مراحل مبكرة واستمرت كلغة ثقافية ودينية حتى بعد أن أصبحت الأكدية أكثر انتشارا كلغة محكية.
ثم تطورت التقاليد البابلية والآشورية، وكان الكتبة قادرين أحيانا على التعامل مع أكثر من لغة، كما تظهر القوائم المعجمية ثنائية اللغة التي تقابل الكلمات السومرية بالأكدية، وهذا يجعل الكاتب الرافدي قريبا، بصورة ما، من المترجم والمعجمي والباحث اللغوي في عالمنا الحديث.
وماذا عن مصر؟
عندما نقارن العراق القديم بمصر، نجد تشابها مهما جدا: في الحضارتين احتلت الكتابة والكاتب مكانة مرموقة، وارتبطت الكتابة بالإدارة والسلطة والمؤسسات الدينية والاقتصادية.
وفي مصر، عرفنا طبقة الكتبة التي كان لها دور أساسي في إدارة الدولة، ووصلتنا نصوص تعليمية وأدبية تعكس قيمة الكتابة والتعليم، لكن النظام الكتابي اختلف، فمصر استخدمت الكتابة الهيروغليفية ثم الهيراطيقية والديموطيقية في مراحل لاحقة، بينما استخدم العراق القديم النظام المسماري. والاختلاف هنا لا يقل أهمية عن التشابه؛ لأن كل حضارة طورت أدواتها الخاصة لتسجيل اللغة والمعرفة.
عندما أصبحت المعرفة ملكا للأجيال القادمة
ربما لا ندرك قيمة الكتابة إلا عندما نفكر في العالم من دونها، لو لم يكتب السومريون، لما عرفنا أسماء كثير من آلهتهم، ولو لم يكتب البابليون، لفقدنا جزءا كبيرا من قوانينهم وحساباتهم وأساطيرهم، ولو لم ينسخ الآشوريون النصوص القديمة، لضاعت أجزاء ضخمة من التراث الأدبي الرافدي، ولهذا فإن كل لوح مسماري وصل إلينا ليس مجرد قطعة طين، إنه شاهد على أن إنسانا عاش منذ آلاف السنين أراد ألا تضيع معلومة يعرفها.
خاتمة: حين انتصر الإنسان على النسيان
بدأت الكتابة من حاجة بسيطة: أن يتذكر الإنسان - كمية من الحبوب - عددا من الأغنام - دينا - اسما – صفقة ،لكنها سرعان ما تجاوزت هذه الحاجة.
أصبحت وسيلة لكتابة القانون، وحفظ الأسطورة، وتسجيل الصلاة، ووصف المرض، ومراقبة النجوم، وتدوين التاريخ، ثم أصبحت شيئا أعظم: وسيلة لكي يتحدث الإنسان مع من سيأتي بعده بآلاف السنين، ولهذا، عندما نقرأ اليوم لوحا مسماريا، فإننا لا نقرأ كلمات ميتة، نحن نسمع صوت كاتب جلس ذات يوم أمام قطعة من الطين، وأمسك قصبته، وبدأ يضغط العلامات واحدة تلو الأخرى، لم يكن يعرف أننا سنأتي بعد آلاف السنين لنقرأ ما كتب، لكنه، بطريقة ما، كان يترك لنا رسالة: كنت هنا... وهذه هي الأشياء التي عرفتُها.
وفي المقال القادم، سنترك عالم الكاتب والمدرسة قليلا، وندخل إلى المكان الذي تبدأ فيه الحكايات الإنسانية الأكثر قربا منا جميعا: البيت.
سنرى كيف كانت الأسرة في العراق القديم، وكيف كان الزواج، وما مكانة المرأة، وكيف كان الأطفال يعيشون، وكيف كشفت العقود والرسائل والألواح القانونية تفاصيل الحياة اليومية التي لا تخبرنا بها قصور الملوك.
فالحضارة لا تُقاس فقط بما بناه الملوك... وإنما أيضا بما عاشه الناس داخل بيوتهم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
كيف استطاع الإنسان أن يحتفظ بكمية من المعلومات أكبر مما تستطيع ذاكرته أن تستوعب؟ كيف تذكر التاجر ديونه؟ وكيف عرف...
تبدأ الحكاية من تفاصيل الحياة اليومية؛ أمّ تدير أسرتها وتساند أبناءها، وعاملة تساهم في الإنتاج، ومزارعة تحافظ على دورة الغذاء،...
قد يقول لك أحدهم فى لحظة عابرة: "أنت لا تعرف كيف تتعامل مع الناس"، فتمر الجملة وتنتهى المحادثة، لكنها لا...
بدأ اليوم العالمي لسلامة المرضى (World Patient Safety Day) رسميًا عام 2019. ويتم الاحتفال به سنويًا في 17 سبتمبر، وجاء...