"رحلة الحدث من النبأ إلى الخبر".. قراءة معاصرة في الدين واللغة!

في زمن تتدفق فيه المعلومات بسرعة كبيرة أصبح التفريق بين "النبأ" و"الخبر" ضرورة إعلامية حيث يتعامل الكثيرون مع المصطلحين باعتبارهما مترادفين، غير أن كلا منهما يحمل دلالة مختلفة تعكس مرحلة من مراحل تشكيل الوعي الإنساني.

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق



ويمكن القول إن كل خبر كان في بدايته نبأ، لكن ليس كل نبأ ينجح في أن يتحول إلى خبر موثوق به.

والنبأ في اللغة العربية يرتبط بالفعل "يتنبأ"، وهو تعبير يحمل في داخله معنى التوقع أو الإخبار بأمر ما لم تتأكد حقيقته بالكامل بعد!

أو حدث ما يزال في طور التشكل ولذلك ارتبطت كلمة "النبأ" في التراث الديني واللغوي بالأحداث الكبرى أو الرسائل العظيمة التي قد تبدو غريبة أو غير قابلة للتصديق عند البعض في بدايتها!

ومن هذا الجذر اللغوي جاءت كلمة "نبي" بفتح النون أي الشخص الذي يحمل رسالة أو يخبر الناس بأمور تتجاوز المألوف أو تكشف مستقبلاً أو حقيقة غائبة!

وفي الديانات السماوية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام نجد أن الأنبياء ارتبطوا دائماً بفكرة الإخبار عن الغيب أو التحذير أو التبشير!

وكانت الرسالة في بدايتها بالنسبة للكثيرين مجرد "نبأ"، إلى أن تتحول عند المؤمنين إلى حقيقة يقينية قائمة على الإيمان والتصديق.

ولهذا فإن مفهوم النبأ في التراث الديني لا ينفصل عن فكرة الاختبار العقلي والروحي للإنسان هل يصدق أم يكذب؟ هل يتحقق أم يرفض؟

أما "الخبر"، فهو مرحلة أكثر نضجاً وثباتاً وهو ليس مجرد معلومة متداولة أو رواية تنتقل بين الناس بل هو نبأ خضع لعملية تحقق وتدقيق جعلته قابلاً للتصديق العام.

ولهذا ارتبط مفهوم الخبر تاريخياً بالثقة والمصداقية، سواء عند المؤرخين والرواة قديماً أو في المؤسسات الصحفية والإعلامية الحديثة.

وفي الإعلام المعاصر، يمكن اعتبار الفرق بين النبأ والخبر هو نفسه الفرق بين الشائعة والحقيقة.

حيث أن النبأ قد يكون مجرد معلومة أولية أو تسريب أو ادعاء، بينما الخبر هو النتيجة النهائية لعملية مهنية معقدة تبدأ بجمع المعلومات ولا تنتهي إلا بعد التأكد من المصادر والأدلة والسياقات.

ومن هنا جاءت أهمية القواعد المهنية في العمل الصحفي، مثل التحقق من المصدر، والاستماع إلى جميع الأطراف، والتأكد من صحة الصور والمقاطع والمعلومات قبل النشر او البث.

لكن المشكلة الكبرى في عصر الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي أن المسافة الزمنية بين النبأ والخبر أصبحت شبه معدومة مجرد وقوع حدث ما، تنتشر آلاف الروايات والتفسيرات خلال دقائق ويتعامل معها كثيرون باعتبارها حقائق نهائية رغم غياب التحقق المهني ومن وجهة نظري هذا أمر كارثي حيث تتحول مواقع التواصل أحياناً إلى مصانع ضخمة لإنتاج "الأنباء" التي قد لا يصبح إلا القليل منها أخباراً حقيقية.

وقد أدى هذا الواقع إلى أزمة ثقة عالمية في الإعلام والمعلومات وأصبح الجمهور يعيش حالة من التشبع بالأخبار المتضاربة، بينما بات من الصعب التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الخبر والشائعة، وبين المعلومة والرأي.

ودعونا نقول إن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس نقص المعلومات بل وفرتها وبشكل غير منضبط أو مدقق!

إن رحلة الحدث من النبأ إلى الخبر تشبه إلى حد بعيد رحلة الإنسان من الشك الى اليقين النبأ يمثل الاحتمال، والخبر يمثل الحقيقة التي اجتازت اختبار العقل والتحقق وبين الاثنين تقف مسؤولية الإعلام، ووعي الجمهور، وأخلاقيات المعرفة الإنسانية!

ومن هنا يمكن القول إن المجتمعات المتقدمة ليست فقط تلك التي تمتلك وسائل إعلام قوية، بل التي تمتلك أيضاً ثقافة نقدية قادرة على التمييز بين الغس والسمين وبين ما يُشاع وما يُوثق!

إن الحقيقة لا تولد كاملة منذ اللحظة الأولى، بل تمر دائماً برحلة طويلة من الفحص والتدقيق حتى تصبح "خبراً" يستحق أن يصدقه الناس!

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ابراهيم الصياد
الصياد
الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد

المزيد من مقالات

في فسيولوجيا التوتر المزمن… وكيف يستعيد الجسد سكينته

في داخل كل منا جرس إنذار قديم قدم الإنسان. صمم ليرن لحظة الخطر ثم يصمت، فيمنح الجسد قوة خارقة لثواني...

التعاون يصنع السلام... والمرأة تكتب فصله الأول

السلام لا تبدأ صناعته على موائد المفاوضات، بل في المجتمعات التي تؤمن بالتعاون والعدالة والثقة. فقبل أن تُوقَّع الاتفاقيات، تُبنى...

إنليل… الإله الذي كانت الممالك تخشاه

حين كانت الرياح تحمل صوت الآلهة.. في ليالي بلاد الرافدين القديمة، وحين كانت العواصف تضرب المدن الطينية، والرياح تعصف فوق...

فازت مصر .. في خسارة صفق لها العالم

المونديال ليس مجرد بطولة تتقاذف فيها الأقدام كرة تسحر القلوب, فتصنع ذاكرة الشعوب، بل هو عيد كوني ينتظره العالم؛ ليحتفي...