تجلس صديقة أمامك وتحكى عن موقف يزعجها منذ أسابيع. تسمع التفاصيل، ثم تجد الحل واضحًا أمامك: لماذا لا تقول له ما يضايقها ببساطة؟ لماذا تستمر فى القلق؟ لماذا لا ترفض ما لا يناسبها؟ وربما تقول لها بثقة: "لو كنت مكانك، كنت سأفعل كذا." ثم تمر الأيام، وتجد نفسك فى موقف يشبهه، وهذه المرة لا يبدو الحل بالوضوح نفسه. تبدأ فى التفكير فى رد فعل الطرف الآخر، وما الذى قد يحدث إذا تحدثت، وهل الوقت مناسب، وهل فهمت الموقف أصلًا بطريقة صحيحة. وفجأة تصبح النصيحة التى بدت سهلة جدًا عندما قدمتها لشخص آخر أكثر تعقيدًا عندما أصبحت أنت صاحب الحكاية.
منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
لا يعنى ذلك أننا نجيد حل مشكلات الآخرين ونفشل فى حل مشكلاتنا، ولا أننا نقول كلامًا لا نستطيع تطبيقه. المسألة ببساطة أن رؤية الموقف من الخارج تختلف كثيرًا عن عيشه من الداخل. فما الذى يتغير عندما تصبح المشاعر جزءًا من القرار؟
النصيحة لا تحمل ثقل التجربة
حين نستمع إلى مشكلة شخص آخر، نمتلك مسافة لا يمتلكها هو. نحن نرى الأحداث، لكنه يعيشها. نستطيع أن نفكر فى البدائل بهدوء لأننا لن نتحمل النتائج مباشرة، ولا نحمل التاريخ نفسه مع الأشخاص الموجودين فى الموقف، ولا نشعر بالخوف أو التعلق أو الغضب بالدرجة نفسها. ولهذا تبدو بعض القرارات سهلة جدًا عندما تكون على الورق: اترك الوظيفة التى لا تناسبك، ضع حدودًا فى العلاقة، قل "لا"، تحدث بصراحة، لا تهتم بما يقوله الآخرون. كلها نصائح قد تكون منطقية، لكنها تصبح أكثر تعقيدًا حين نضيف إليها تفاصيل الحياة الحقيقية: التزامات مالية، وأطفال، وعلاقات طويلة، وخوفًا من الخسارة، وتجارب سابقة، وأشخاصًا نحبهم ولا نريد أن نؤذيهم.
أحيانًا لا يكون الإنسان عاجزًا عن رؤية الحل، بل يرى الحل ويرى معه ثمنه أيضًا.
فى العلاقات... نعرف جيدًا ماذا يجب أن يفعل الآخر
ربما لا يظهر هذا التناقض فى مكان بوضوح العلاقات. نستطيع أن نرى أن صديقتنا تحتاج إلى التعبير عن احتياجاتها بدلًا من انتظار أن يفهمها الطرف الآخر وحده، لكننا قد نفعل الشىء نفسه فى علاقتنا. ننصح شخصًا بألا يفسر كل كلمة باعتبارها هجومًا، ثم نجد أنفسنا فى خلاف مع شريك الحياة فنسمع جملة عادية من خلال تاريخ طويل من المواقف السابقة. وقد نقول لصديق: "اهدأ قبل أن ترد"، ثم تأتينا رسالة تلمس نقطة حساسة لدينا، فنكتب الرد قبل أن نمنح أنفسنا دقائق قليلة للتفكير.
ليس لأننا نسينا النصيحة، بل لأن الغضب الذى نتحدث عنه نظريًا ليس هو الغضب الذى نشعر به فعلًا عندما يحدث لنا الموقف. ومن هنا ربما نحتاج إلى قدر أكبر من الرحمة ونحن ننصح الآخرين؛ فسهولة رؤية الطريق من بعيد لا تعنى أن السير فيه سهل.
حين تتغير حالتنا... تتغير رؤيتنا
فى علم النفس توجد فكرة تساعدنا على فهم جانب من هذا الاختلاف، تعرف باسم Hot–Cold Empathy Gap أو فجوة التعاطف بين الحالات الانفعالية. وتشير إلى صعوبة تقدير الطريقة التى سنفكر أو نشعر أو نتصرف بها عندما نكون فى حالة نفسية أو انفعالية مختلفة عن حالتنا الحالية. حين نكون هادئين، قد نتخيل أننا سنتصرف بعقلانية كاملة فى لحظة الغضب، وحين نشعر بالأمان، قد نستغرب خوف شخص أمام قرار نراه بسيطًا، وحين نكون خارج علاقة معينة، قد نرى خيارات تبدو واضحة جدًا، لأننا لا نشعر بالتعلق أو القلق أو الأمل الذى يشعر به الشخص الموجود داخلها.
والأمر يعمل فى الاتجاه الآخر أيضًا. عندما نكون غاضبين، قد يصعب علينا تخيل أننا سنرى الموقف بصورة مختلفة بعد أن نهدأ، وعندما نشعر بالخوف، يبدو الخطر أكبر وأكثر حضورًا، وقد يصعب علينا استحضار الطريقة التى كنا نفكر بها قبل أن يدخل الخوف إلى المشهد.
"لو كنت مكانك"... لكنك لست مكانه تمامًا
نستخدم هذه الجملة كثيرًا بنية المساعدة: "لو كنت مكانك..."، لكنها تحمل افتراضًا يستحق التوقف عنده. فنحن نستطيع أن نتخيل الموقف، لكن من الصعب أن نحمل فى اللحظة نفسها تاريخ الشخص كله، وطريقة ارتباطه بالآخرين، وتجربته السابقة، ومخاوفه، ومسؤولياته، والأشياء التى قد يخسرها. ولهذا قد تكون النصيحة صحيحة، لكنها لا تصلح بالضرورة بالطريقة نفسها لكل شخص. فقول "ضع حدودًا" قد يكون بداية مهمة، لكن الإنسان يحتاج أيضًا أن يعرف كيف يضعها، وما الذى يخشاه عندما يفعل، وما الذى سيحتاج إليه ليستمر فيها. وقول "لا تفكر كثيرًا" قد يبدو مريحًا لمن يقوله، لكنه لا يخبر الشخص الذى يفكر بالفعل كيف يخرج من الدائرة.
ربما تكون المساعدة الحقيقية أحيانًا أقل ارتباطًا بأن نعطى الحل، وأكثر ارتباطًا بأن نساعد الإنسان على أن يرى خياراته بوضوح.
وحين نكون نحن داخل الحكاية
المفارقة أننا قد نحتاج إلى المسافة نفسها مع أنفسنا. فحين نكون داخل موقف مربك، نميل إلى الدوران حول التفاصيل نفسها، وكلما فكرنا أكثر شعرنا أننا أصبحنا أقل قدرة على الرؤية. هنا قد يساعد سؤال بسيط: لو كان شخص أحبه يعيش الموقف نفسه، ماذا كنت سأقول له؟ السؤال لا يحل المشكلة، لكنه يمنحنا خطوة صغيرة إلى الخلف. فجأة نرى أنفسنا بالطريقة التى نرى بها الآخرين: إنسانًا يحاول أن يتخذ أفضل قرار بما يملكه من معلومات، وليس شخصًا يجب أن يعرف الإجابة الصحيحة فورًا.
وقد نكتشف أننا أكثر قسوة مع أنفسنا مما نكون مع الآخرين. نسمح لصديق بأن يتردد، لكننا نصف ترددنا بالضعف، ونفهم أن شخصًا آخر يحتاج إلى وقت، بينما نطالب أنفسنا بحسم فورى، ونرى أخطاء الآخرين جزءًا من التجربة، بينما نحول أخطاءنا إلى أحكام على شخصياتنا.
ليس كل قرار يحتاج إلى مشاعر أقل
قد يبدو الحل إذن أن نفصل مشاعرنا عن قراراتنا، لكن الأمر ليس بهذه البساطة. فالمشاعر ليست ضوضاء يجب التخلص منها دائمًا؛ إنها تحمل معلومات أيضًا. الخوف قد يخبرنا أن شيئًا مهمًا بالنسبة إلينا مهدد، والغضب قد يكشف أن حدًا من حدودنا تم تجاوزه، والحزن قد يقول إننا فقدنا شيئًا كان له معنى. المشكلة ليست فى وجود المشاعر، بل فى أن تصبح الصوت الوحيد فى الغرفة.
ولهذا ربما يكون القرار الأكثر اتزانًا هو الذى يمنح المشاعر مكانًا دون أن يسلمها المقود بالكامل. أن نسمع ما تقوله، ثم نمنح أنفسنا وقتًا كافيًا لنرى بقية الصورة. أحيانًا يكون تأجيل الرد ساعات أكثر حكمة من محاولة إقناع أنفسنا بأننا لا نشعر بالغضب، وطلب رأى شخص نثق به قد يمنحنا المسافة التى فقدناها ونحن داخل الموقف.
بين النصيحة والفهم
ربما لهذا السبب لا يحتاج الناس دائمًا إلى المزيد من النصائح. أحيانًا يعرف الإنسان بالفعل ما يمكن أن يفعله، لكنه يحتاج إلى مساحة آمنة يفكر فيها بصوت مسموع، أو إلى شخص يساعده على ترتيب ما يشعر به، أو حتى إلى سؤال جيد يفتح أمامه زاوية لم يرها من قبل. وفى علاقاتنا، يمكن لهذا الفهم أن يغير الكثير. بدلًا من أن نقول: "الموضوع بسيط"، يمكن أن نسأل: "ما الذى يجعل القرار صعبًا بالنسبة لك؟" وبدلًا من أن نتعجب من تصرف شخص، قد نحاول فهم الحالة التى كان يعيشها عندما اتخذه.
الفهم لا يعنى الموافقة على كل اختيار، ولا يعنى إعفاء الإنسان من مسؤولية قراراته. لكنه يذكرنا بأن البشر لا يتخذون قراراتهم من خارج حياتهم؛ يتخذونها وهم داخلها، بكل ما تحمله من مشاعر وتجارب ومخاوف وآمال.
حين نمنح أنفسنا المسافة نفسها
قد يكون من المفيد أحيانًا أن نخرج من قصتنا لدقائق، لا هربًا منها، بل حتى نستطيع رؤيتها. أن نكتب ما حدث، أو ننتظر حتى تهدأ مشاعرنا قليلًا، أو نتخيل أننا ننصح شخصًا نحبه، أو نسأل أنفسنا: هل سأرى الأمر بالطريقة نفسها بعد أسبوع؟ المسافة لا تجعل القرار سهلًا بالضرورة، لكنها قد تجعله أوضح.
وربما يكون النضج ليس فى أن نعرف دائمًا ماذا نفعل، وإنما فى أن ندرك أن رؤيتنا تتغير بحسب المكان الذى نقف فيه. ما يبدو واضحًا من الخارج قد يكون شديد التعقيد من الداخل، وما يبدو مستحيلًا ونحن فى قلب اللحظة قد يصبح أقل صعوبة عندما نبتعد عنها قليلًا. لذلك، فى المرة القادمة التى تجد فيها نفسك تقول لشخص: "لو كنت مكانك..."، ربما يستحق الأمر أن تترك للجملة مساحة صغيرة: لو كنت مكانك... وشعرت بما تشعر به أنت، ربما لم يكن القرار سهلًا علىّ أيضًا.
نافذة للتأمل
تذكر موقفًا نصحت فيه شخصًا بشىء بدا لك واضحًا جدًا، ثم وجدت نفسك لاحقًا فى موقف مشابه. هل كان تطبيق النصيحة بسهولة قولها؟ ثم فكر فى قرار يشغلك الآن، واسأل نفسك: لو كان شخص أحبه مكانى... ماذا كنت سأقول له؟ ربما لا تجد الإجابة فورًا، لكنك قد ترى نفسك بقدر أكبر من الوضوح... والرحمة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
قد تحمل طفلة حقيبة مدرسية صغيرة، وفي رأسها أحلام أكبر من عمرها؛ تريد أن تصبح طبيبة أو معلمة أو مهندسة،...
التوتر في الحمل لم يعد حالة نفسية عابرة، بل أصبح يصنف علمياً كمؤثر مباشر على نمو الجنين، مثل التدخين تماماً....
هناك أشياء حدثت لنا منذ سنوات، وما زلنا نتذكر تفاصيلها جيدًا. نعرف أين كنا، ومن كان معنا، وربما نتذكر الكلمات...
على الساحل السوري، وفي موقع يعرف اليوم باسم رأس شمرا، كانت تقوم قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام مدينة لم...