على الساحل السوري، وفي موقع يعرف اليوم باسم رأس شمرا، كانت تقوم قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام مدينة لم تكن مجرد محطة تجارية على البحر المتوسط، وإنما واحدة من أكثر مدن الشرق الأدنى القديم إثارة للاهتمام؛ مدينة جمعت بين التجارة والدبلوماسية والكتابة والدين، وتركت وراءها أرشيفًا مكّن الباحثين من الاقتراب بصورة غير مسبوقة من عالم بلاد الشام في أواخر العصر البرونزي.
د. دينا إبراهيم سليمانأستاذ اثار مصر والشرق الأدنى القديمكلية الآثار والإرشاد السياحيجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا
إنها أوغاريت، عاصمة مملكة حملت اسمها، وازدهرت بصورة خاصة بين القرن الرابع عشر وبدايات القرن الثاني عشر قبل الميلاد.
وقد بدأ الكشف الأثري المنظم عن الموقع بعد العثور عام 1928 على مقبرة في ميناء مينة البيضا القريب، ثم انطلقت أعمال التنقيب في رأس شمرا منذ عام 1929 بقيادة كلود شيفر، لتتحول المنطقة إلى واحد من أهم مواقع دراسة حضارات بلاد الشام القديمة.
مدينة بين البحر والداخل
لم تكن أهمية أوغاريت نابعة من موقعها الساحلي وحده، وإنما من موقعها عند نقطة التقاء طرق برية وبحرية تصل شمال بلاد الشام بالأناضول والداخل السوري وبالساحل المتوسطي، وهو ما منحها دورًا تجاريًا ودبلوماسيًا يتجاوز حجم مملكتها.
وتكشف آثار المدينة عن مجتمع شديد التنوع؛ فقد عُثر فيها على أحياء سكنية، وقصور، ومعابد، ومقابر، ومخازن، فضلًا عن أرشيفات مكتوبة.
وكان القصر الملكي نفسه مركزًا للحكم والإدارة والتخزين، وتضم بقاياه عشرات الحجرات، إلى جانب منشآت مرتبطة بالبروتوكول الملكي والعبادة والإدارة. وتقدر مساحة القصر بنحو سبعة آلاف متر مربع، وهو ما يعطي فكرة عن طبيعة الجهاز الملكي الذي كان يدير شؤون المملكة.
لكن أعظم ما حفظته أوغاريت لم يكن حجارتها وحدها، وإنما كلماتها.
عندما تحولت الكتابة المسمارية إلى أبجدية
كان الشرق الأدنى القديم يعرف الكتابة المسمارية منذ قرون طويلة، وكانت الأكادية قد أصبحت لغة مهمة للمراسلات الدولية والإدارة والدبلوماسية. غير أن كتبة أوغاريت قدموا تجربة مختلفة لافتة: استخدموا نظامًا مسماريًا أبجديًا لكتابة اللغة الأوغاريتية، وهي لغة سامية شمالية غربية.
وتتكون الأبجدية الأوغاريتية في صورتها المعروفة من نحو ثلاثين علامة مسمارية، تمثل في معظمها أصواتًا صامتة، مع نظام خاص لتمثيل بعض أصوات الهمزة والحركات المصاحبة لها.
وهنا تكمن المفارقة التي جعلت أوغاريت مهمة في تاريخ الكتابة: فقد احتفظت الكتابة بالشكل المسماري المرتبط بتراث بلاد الرافدين، لكنها استخدمته بطريقة أبجدية محلية تتناسب مع لغة أهل المدينة.
ولذلك لا ينبغي النظر إلى الأبجدية الأوغاريتية باعتبارها ببساطة «أول أبجدية في التاريخ»؛ فهذا تبسيط لا يتفق مع تاريخ الكتابة الأبجدية الأوسع. فقد ظهرت تقاليد أبجدية أقدم في مناطق أخرى من بلاد الشام وسيناء ومصر، بينما تمثل أوغاريت مرحلة مهمة جدًا في تطور الكتابة الأبجدية المسمارية في أواخر العصر البرونزي.
وهذه الدقة مهمة؛ لأن قيمة أوغاريت ليست في البحث عن لقب «الأولى» فقط، وإنما في أنها تركت لنا كمية كبيرة من النصوص التي توضح كيف استخدم مجتمع متقدم الكتابة في الإدارة والقانون والمراسلات والأدب والطقوس.
أرشيف يتحدث بأكثر من لغة
لو كانت أوغاريت قد تركت لنا نصوصًا دينية فقط، لظلت مهمة، لكن ما يجعلها أكثر ثراءً أن ألواحها تقدم صورة واسعة عن المجتمع، فقد عُثر على نصوص إدارية واقتصادية وقانونية ورسائل ونصوص مدرسية وأدبية وطقسية.
وتؤكد الدراسات الحديثة أن غالبية النصوص المسمارية الأبجدية الأوغاريتية ذات طبيعة إدارية واقتصادية، وهو أمر مهم لأنه ينقلنا من عالم الأساطير إلى الحياة اليومية للدولة والمجتمع. كما تكشف الرسائل عن كتبة تلقوا تدريبًا متعدد اللغات واستفادوا من تقاليد المراسلات المسمارية التي تطورت في بلاد الرافدين.
وهنا تظهر أوغاريت كمدينة متعددة اللغات والثقافات، لا كمدينة منعزلة على طرف البحر. فقد استُخدمت فيها الأوغاريتية، إلى جانب الأكادية ولغات وأنظمة كتابة أخرى، وهو ما يعكس طبيعة البيئة السياسية والتجارية التي كانت تتعامل معها المملكة.
ومن اللافت أن بعض الألواح المحفوظة في متاحف العالم تحمل نصوصًا إدارية وقوائم مرتبطة بالمؤسسات والجماعات، بما يؤكد أن الكتابة لم تكن حكرًا على تسجيل الأساطير، وإنما كانت أداة مباشرة لإدارة الدولة والمجتمع.
بعل وإيل وعنات.. عندما تحدثت الآلهة
لكن شهرة أوغاريت في الدراسات الحديثة ارتبطت بصورة خاصة بالنصوص الدينية والأدبية، وعلى رأسها ما يعرف باسم دورة بعل. وتتكون هذه الملحمة من ستة ألواح رئيسية، وتدور حول بعل وصراعه مع قوى أخرى، ولا سيما يم، ثم موته وصراعه مع موت، في إطار أدبي وديني يعكس تصورًا للعالم الإلهي وعلاقة الآلهة بالقوى الطبيعية والسياسية.
وتضم النصوص كذلك شخصيات إلهية بارزة مثل إيل وعنات وكوثر وحسيس، إلى جانب آلهة أخرى. ويظهر بعل في النصوص الأوغاريتية إلهًا للعاصفة، يرتبط بالمطر والخصوبة والقوة، وهي وظيفة ذات أهمية خاصة في مجتمع زراعي يعتمد بصورة كبيرة على انتظام الأمطار.
وتكشف الأساطير عن صراع بعل مع يم، ثم عن بناء قصره على جبل صافون، في صورة أدبية ترتبط بالمكان والسلطة والخصوبة.
أما إيل فيظهر بوصفه كبير الآلهة وأبا للآلهة والبشر في عدد من النصوص، بينما تحتل عنات موقعًا بارزًا بوصفها شخصية إلهية قوية مرتبطة بالحرب والعنف والحماية.
غير أن الباحث ينبغي أن يتعامل مع هذه الصورة بوصفها نتاجًا لنصوص أوغاريتية محددة، لا باعتبارها وصفًا موحدًا لدين جميع سكان بلاد الشام؛ فالمشهد الديني في بلاد الشام كان أكثر تنوعًا وتعقيدًا من أن تختصره مدينة واحدة.
وهنا تقدم أوغاريت للباحث شيئًا بالغ الأهمية: ليست مجرد مدينة لها آلهة، وإنما أرشيف يسمح بدراسة كيفية تصور المجتمع للآلهة والطقوس والعلاقات بينها.
من الأسطورة إلى السياسة
ولا يمكن فهم أوغاريت من خلال الدين وحده؛ فالمدينة كانت جزءًا من نظام سياسي بالغ التعقيد، تحركت داخله قوى كبرى مثل مصر وميتاني والحيثيين.
وفي القرن الرابع عشر قبل الميلاد دخلت أوغاريت بصورة متزايدة في دائرة النفوذ الحيثي، وأصبحت العلاقات بينها وبين الدولة الحيثية جزءًا من شبكة سياسية واسعة في شمال سورية.
وفي الوقت نفسه ظلت علاقاتها بمصر قائمة، وهو ما يكشف أن الممالك الصغيرة في بلاد الشام لم تكن مجرد كيانات سلبية بين إمبراطوريتين، بل كانت تتفاوض وتعيد ترتيب مصالحها وفقًا للظروف السياسية.
وتشير دراسات حديثة إلى أن الوضع السياسي لأوغاريت في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد كان معقدًا؛ فقد كانت مرتبطة بالحيثيين، بينما استمرت صلاتها بمصر، وتظهر الوثائق أن العلاقات بين البلاط الأوغاريتي والمصري كانت جزءًا من شبكة دبلوماسية أوسع.
ومن هنا تصبح أوغاريت شاهدًا على عالم شرق أدنى لم يكن يعرف الحدود السياسية بمعناها الحديث؛ عالم تتحرك فيه السفن والبضائع والرسل والكتبة والآلهة والأفكار عبر البحار والطرق البرية، بينما تحاول الممالك الصغيرة الحفاظ على وجودها وسط صراع القوى الكبرى.
مدينة اختفت... وتركت عالمًا كاملًا وراءها
في نهاية القرن الثالث عشر أو بداية القرن الثاني عشر قبل الميلاد، انتهى ازدهار أوغاريت بصورة عنيفة، وتشير الأدلة الأثرية إلى تدمير المدينة وهجرها في حدود 1190–1185 قبل الميلاد تقريبًا.
لكن السؤال: من دمّر أوغاريت؟ ليس له جواب بسيط.
فقد ارتبط سقوطها طويلًا بفكرة «شعوب البحر»، إلا أن الأدلة الأحدث على انهيار العصر البرونزي تشير إلى مشهد أكثر تعقيدًا، شمل اضطرابات سياسية وحروبًا ومشكلات اقتصادية ومجاعات وتغيرات مناخية وتحركات سكانية، مع اختلاف وزن كل عامل من منطقة إلى أخرى.
وقد أظهرت النصوص الأخيرة التي سبقت تدمير أوغاريت إشارات إلى المجاعة والتهديدات العسكرية، ولذلك فإن اختزال سقوط المدينة في غزو واحد أو شعب واحد لا يعكس الصورة الكاملة التي تسمح بها الأدلة.
والأكثر إثارة أن المدينة التي اختفت في لحظة تاريخية مضطربة تركت وراءها مادة علمية ضخمة؛ عشرات الآلاف من وثائق بعثة التنقيب نفسها، إلى جانب الألواح واللقى التي أصبحت أساسًا لدراسة اللغة والدين والمجتمع والسياسة في بلاد الشام خلال أواخر العصر البرونزي.
أوغاريت... صوت من عالم لم يعد موجودًا
ربما تكمن قيمة أوغاريت الحقيقية في أنها جعلت سكان بلاد الشام في أواخر العصر البرونزي أكثر قربًا منا؛ نرى في ألواحها موظفًا يسجل حسابًا، وكاتبًا يتعلم، وملكًا يفاوض، وتاجرًا يتحرك بين الموانئ، وكاهنًا يؤدي طقسًا، وشاعرًا يصوغ حكاية عن الآلهة.
ولهذا فإن أوغاريت لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها «مدينة الأساطير» فقط، وإنما باعتبارها مدينة الإنسان أيضًا؛ مدينة تكشف أن العالم القديم كان أكثر اتصالًا وتنوعًا مما قد توحي به صورته التقليدية، وأن البحر المتوسط لم يكن حدًا يفصل الحضارات، بل كان في كثير من الأحيان طريقًا يصل بينها.
ومن هنا تفتح أوغاريت الباب أمام مرحلة جديدة في تاريخ الساحل الشامي؛ فبعد أن رأينا عالم المدن الكنعانية من الداخل، نصل إلى مدن الساحل التي ستبرز بقوة في الألف الأول قبل الميلاد، وإلى جماعات سيصبح لها حضور واسع في تاريخ البحر المتوسط، وعلى رأسها الفينيقيون.
وفي المقالة القادمة: الفينيقيون... هل كانوا شعبًا جديدًا، أم امتدادًا متطورًا لعالم المدن الكنعانية الساحلية؟
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
على الساحل السوري، وفي موقع يعرف اليوم باسم رأس شمرا، كانت تقوم قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام مدينة لم...
لم يكن الديزل هو ما يشغل العالم في حرب أوكرانيا، لكنه أصبح فجأة جزءًا من حسابات إنهائها أو استمرارها. ففي...
دراسة في التراث المصري القديم للباحثة زينب محمد عبد الرحيم باحثة في الفولكلور والثقافة الشعبية تقدم قراءة في كتاب "الرقص...
قبل سنوات قليلة لم نتصور أن يتحول الهاتف المحمول من وسيلة للاتصال إلى وسيلة إعلام متكاملة يحملها الإنسان في يده،...