توابع التوتر الشديد خلال الحمل

التوتر في الحمل لم يعد حالة نفسية عابرة، بل أصبح يصنف علمياً كمؤثر مباشر على نمو الجنين، مثل التدخين تماماً. فعندما تتوتر الأم، ينشط محور التوتر في المخ، فيفرز هرمون الكورتيزول الذي يعبر المشيمة ليصل للجنين مباشرة.

د. مجدي بدران
عضو الجمعية المصرية للحساسية والمناعة

 

التوتر الشديد أثناء الحمل ظاهرة متعددة العوامل، تنتج عن تداخل العوامل النفسية والبيولوجية والاجتماعية والاقتصادية. الصحة النفسية السابقة والدعم الاجتماعي والعلاقات الشخصية من أهم العوامل المرتبطة بتوتر الأم وقلقها.

أهم أسباب توتر الأم الحامل الشديد:

1. التغيرات الهرمونية والجسدية: التغيرات المصاحبة للحمل، والغثيان والقيء والإرهاق واضطرابات النوم، قد تزيد العبء النفسي.


2. الخوف على صحة الجنين: القلق بشأن نمو الجنين، أو التشوهات الخلقية، أو حدوث مضاعفات أثناء الحمل والولادة.
3. تجارب الحمل السابقة: الإجهاض السابق، أو فقدان الحمل، أو الولادة المبكرة، أو التعرض لمضاعفات حمل سابقة.

4. التاريخ النفسي: الإصابة السابقة بالقلق أو الاكتئاب أو غيرهما من الاضطرابات النفسية، أو وجود تاريخ عائلي للمشكلات النفسية.

5. ضعف الدعم الأسري: الشعور بالوحدة، أو غياب دعم الزوج والأسرة، أو وجود خلافات زوجية مستمرة.

6. العنف وسوء المعاملة: التعرض للعنف المنزلي أو الإساءة النفسية أو الجسدية، وهي عوامل مهمة لزيادة القلق والتوتر.

7. المشكلات الاقتصادية: الخوف من تكاليف الحمل والولادة، أو فقدان العمل، أو عدم الاستقرار المالي والسكني.

8. الحمل غير المخطط له: صعوبة التكيف مع الحمل، أو الشعور بعدم الاستعداد النفسي أو المادي لاستقبال الطفل.

9. ضغوط الحياة اليومية: المشكلات العائلية، والضغوط المهنية، والانتقال إلى مسكن جديد، أو فقدان شخص عزيز.

10. المعلومات المضللة والتوقعات غير الواقعية: الخوف الناتج عن المعلومات الطبية غير الدقيقة، أو قصص الولادة المخيفة، أو الضغط لتحقيق صورة مثالية للأمومة.

11. المشكلات الصحية المصاحبة: الأمراض المزمنة، والمضاعفات الطبية أثناء الحمل، والقيء الحملي الشديد أو اضطرابات النوم.

12. الضغوط المجتمعية والثقافية: الخوف من أحكام الآخرين، والضغط لإنجاب طفل من جنس معين، أو عدم تقبل الحمل داخل الأسرة.

الأم المدخنة أكثر توتراً

النيكوتين يرفع الكورتيزول والأدرينالين خلال 20 دقيقة من التدخين. مع تكرار التدخين يصبح النيكوتين نفسه مصدرًا مباشرًا للتوتر.

التدخين يقلل من كفاءة المشيمة، مما يضاعف من قدرة الكورتيزول على عبور المشيمة للجنين.

مع جنين الأم غير المدخنة، يقلل لمس وجهه مع تقدم الحمل (علامة نضج).

مع جنين الأم المدخنة يظل يلمس وجهه وفمه كثيراً حتى الأسبوع 36، ويتأخر في النضج العصبي. ويعتبر هذا مؤشراً على تأخر نمو الجهاز العصبي المركزي.

التدخين يزيد مخاطر التوتر نفسه، يزيد تسمم الحمل 3 مرات، يزيد الولادة المبكرة، يزيد اختناق الجنين، يزيد اكتئاب ما بعد الولادة لأن النيكوتين يخفض السيروتونين هرمون السعادة.

الجنين يتأثر مرتين: مرة كيميائياً من أول أكسيد الكربون والنيكوتين، ومرة هرمونياً من الكورتيزول العالي.

أجنة المدخنات المتوترات لديهم تأخر نمو داخل الرحم خصوصاً في الذكور.

التدخين ليس مهدئاً للتوتر كما تظن الأم، بل هو مولد للتوتر ومضاعف لأثره. هو يعطل الحارس المشيمي، ويرفع كورتيزول الأم، ويؤخر نضج مخ الجنين.

المخاطر على الأم

التوتر لا يؤذي الجنين فقط. الدراسات الحديثة على آلاف الولادات وجدت أن الأمهات المتوترة لديهن زيادة في الولادة المبكرة، زيادة في تسمم الحمل، زيادة في الحاجة لتحفيز الولادة، طول مدة الولادة، وزيادة اختناق الجنين أثناء الولادة.

كما أن وجود إجهاض سابق أو ولادة جنين ميت يزيد احتمالية التوتر في الحمل التالي.

المخاطر على الجنين

يحدث تأخر في النمو، خصوصاً في الأجنة الذكور. كما أن توتر بداية الحمل يغير شهية الأم نحو الأكل الدهني السكري، فيزيد وزن المولود بشكل غير صحي.

يرتبط التوتر الشديد أو المزمن أثناء الحمل بزيادة احتمالات بعض المضاعفات، لكن هذه العلاقات لا تعني أن التوتر وحده يسببها حتمًا، ولا أن كل أم تعاني من القلق ستتعرض لها.

الولادة المبكرة: قد يرتبط التوتر المزمن بزيادة احتمالات الولادة قبل الأسبوع السابع والثلاثين من الحمل.

انخفاض وزن المولود: قد يرتبط الضغط النفسي المستمر بزيادة احتمالات ولادة طفل منخفض الوزن، نتيجة عوامل بيولوجية واجتماعية وصحية متداخلة.

تقييد نمو الجنين: تشير بعض الدراسات إلى ارتباط الضغوط النفسية الشديدة بزيادة مخاطر ضعف نمو الجنين داخل الرحم.

تغيرات في محور التوتر الهرموني: قد تؤثر الضغوط النفسية في تنظيم الكورتيزول والمسارات الهرمونية المرتبطة باستجابة الجسم للتوتر، دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث ضرر للجنين.

تغيرات في نمو الجهاز العصبي: ارتبط التعرض للضغط النفسي الشديد أثناء الحمل في بعض الدراسات بتغيرات في نمو الدماغ ووظائفه، لكن لا يمكن التنبؤ بتأثير محدد على طفل بعينه.

زيادة احتمالات بعض المشكلات السلوكية والانفعالية مستقبلًا: وجدت دراسات رصدية ارتباطات بين الضغوط النفسية أثناء الحمل وبعض أعراض القلق أو صعوبات الانتباه والسلوك لدى الأطفال، مع صعوبة فصل تأثير الحمل عن العوامل الوراثية والبيئية اللاحقة.

تأثيرات غير مباشرة على صحة الجنين: قد يؤدي التوتر الشديد إلى اضطراب نوم الأم أو تغذيتها، أو زيادة التدخين، أو إهمال المتابعة الطبية، وهي عوامل قد تؤثر في الحمل.

زيادة احتمالات بعض المضاعفات المرتبطة بصحة الأم: قد يتداخل التوتر المزمن مع حالات صحية وسلوكيات تؤثر بصورة غير مباشرة في بيئة نمو الجنين.

مخاطر بعد الولادة - تمتد 18 سنة

التأثير لا ينتهي بالولادة، وهذا يسمى برمجة الجنين.

على المستوى العقلي: متابعة أطفال أمهات تعرضن لتوتر شديد وجد أن شدة توتر الأم قد تؤثر على ذكاء الطفل وقدرته اللغوية في عمر سنتين. وكلما زاد توتر الأم، قلت قدرة الطفل اللغوية.

توتر الحمل الشديد يرتبط بمشاكل نفسية وسلوكية للطفل طوال الطفولة والمراهقة. قد يحدث تأخر في نمو الطفل، صغر محيط الرأس، وزيادة القابلية للأمراض المزمنة لاحقاً بسبب تغيرات تظل في الحمض النووي للطفل وقد تنتقل للأحفاد.

الوقاية

التوتر قابل للعلاج، والعلاج يحمي جيلين.

1. العلاج المعرفي السلوكي: يصحح أفكار القلق ويقلل التوتر بدرجة كبيرة.

2. اليقظة الذهنية: هي ممارسة تهدف إلى توجيه الانتباه إلى اللحظة الحالية بوعي وهدوء، مع ملاحظة الأفكار والمشاعر والأحاسيس الجسدية دون إصدار أحكام عليها، ويمكن أن تساعد الحامل على التعامل بصورة أفضل مع القلق المرتبط بالتغيرات الهرمونية والجسدية، الخوف من الولادة، والمسؤولية الجديدة، وعدم اليقين بشأن صحة الجنين.

3. التدخلات متعددة المكونات: الجمع بين التثقيف، الدعم، الرياضة، التغذية هي الأقوى على الإطلاق للحد من التوتر.

4. الدعم النفسي.

5. الرياضة منخفضة الشدة، المشي 30 دقيقة يومياً، تمارين التنفس 10 دقائق.

6. النظام الغذائي المتوسطي: زيت زيتون، مكسرات، خضراوات طازجة، فاكهة، سمك.

7. الدعم الاجتماعي وتقليل الأخبار السلبية.

 

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

د. مجدي بدران
د. مجدي بدران
د. مجدي بدران
مجدي بدران
د. مجدي بدران
د. مجدي بدران
د. مجدي بدران

المزيد من مقالات

توابع التوتر الشديد خلال الحمل

التوتر في الحمل لم يعد حالة نفسية عابرة، بل أصبح يصنف علمياً كمؤثر مباشر على نمو الجنين، مثل التدخين تماماً....

لماذا تخف قسوة بعض الذكريات مع الوقت؟

هناك أشياء حدثت لنا منذ سنوات، وما زلنا نتذكر تفاصيلها جيدًا. نعرف أين كنا، ومن كان معنا، وربما نتذكر الكلمات...

حين تكلمت أوجاريت بألف حرف...

على الساحل السوري، وفي موقع يعرف اليوم باسم رأس شمرا، كانت تقوم قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام مدينة لم...

ترامب وبوتين وورقة الديزل

لم يكن الديزل هو ما يشغل العالم في حرب أوكرانيا، لكنه أصبح فجأة جزءًا من حسابات إنهائها أو استمرارها. ففي...


مقالات