تنتهي من اجتماع مهم، وربما كان كل شيء يسير بصورة جيدة، لكنك أخطأت في نطق كلمة، أو نسيت نقطة كنت تريد قولها، أو أجبت عن سؤال بطريقة تمنيت بعدها لو أنك صغتها بشكل أفضل. ينتهي الاجتماع ويغادر الجميع، لكن الموقف لا يغادر معك. تعيده في ذهنك مرة بعد أخرى: هل لاحظوا ارتباكي؟ ماذا ظنوا عني؟ هل بدا أنني غير مستعد؟
منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
وقد يحدث الشيء نفسه في مناسبة اجتماعية عندما تقول جملة تشعر بعدها أنها لم تكن مناسبة، أو ترتدي شيئا ثم تبدأ في الشك في اختيارك بمجرد أن تصل، أو تتعثر وأنت تدخل مكانا مزدحما فتشعر للحظة وكأن كل العيون اتجهت إليك. بالنسبة إلينا تبدو هذه اللحظات كبيرة وواضحة، لكن السؤال هو: هل كانت بالحجم نفسه في عيون الآخرين؟
نحن في مركز صورتنا... لا صور الآخرين
هناك سبب بسيط يجعل أخطاءنا تبدو لنا شديدة الوضوح: نحن موجودون داخل التجربة طوال الوقت. نعرف ما كنا نريد قوله وما قلناه بالفعل، نشعر بارتباكنا حتى لو لم يظهر منه إلا القليل، ونسمع الحوار الداخلي الذي يبدأ فور وقوع الخطأ. أما الآخرون فلا يملكون كل هذه التفاصيل؛ يرون لحظة واحدة ضمن يوم كامل مليء بأحداث أخرى.
الشخص الذي جلس أمامك في الاجتماع ربما كان يفكر في عرضه الذي سيقدمه بعدك، ومن قابلته في المناسبة ربما كان منشغلا بالطريقة التي يبدو بها هو، وحتى من لاحظ ارتباكك قد لا يمنحه أكثر من ثوانٍ قبل أن ينتقل انتباهه إلى شيء آخر. ومع ذلك، نعود نحن إلى البيت حاملين الموقف وكأنه أصبح جزءا من ذاكرة الجميع.
حين يصبح الآخرون جمهورا في رؤوسنا
ربما لا يتعلق الأمر بالأخطاء وحدها. أحيانا نؤجل تجربة شيء جديد لأننا نفكر فيما سيقوله الناس إذا لم ننجح، أو نتردد في طرح سؤال في اجتماع خوفا من أن يراه الآخرون بسيطا، أو نمتنع عن المشاركة في نشاط لأننا لسنا واثقين من أننا سنؤديه جيدا.
وقد يقف شخص أمام المرآة قبل مناسبة ويظل منشغلا بتفصيلة صغيرة في مظهره، ثم يدخل المكان وهو يتخيل أن الآخرين يرونها بالوضوح نفسه الذي يراها به.
شيئا فشيئا قد نتحول من عيش التجربة إلى مراقبة أنفسنا ونحن نعيشها: كيف أبدو؟ ماذا يظنون؟ هل لاحظوا؟ وهل كان ينبغي أن أتصرف بطريقة أخرى؟ وهنا لا يعود الجمهور موجودا فقط حولنا، بل يصبح له مقعد دائم داخل رؤوسنا.
تحت بقعة الضوء
يطلق علماء النفس على ميل قريب من ذلك اسم Spotlight Effect أو تأثير بقعة الضوء؛ وهو ميل الإنسان إلى المبالغة في تقدير مقدار انتباه الآخرين إلى مظهره وتصرفاته وأخطائه. وكأننا نقف تحت بقعة ضوء مسرحية تجعل كل ما نفعله واضحا للجمهور، بينما لا تكون هذه الإضاءة بالقوة نفسها خارج رؤوسنا.
نحن نعرف أنفسنا من الداخل، ونراقب تفاصيلنا بصورة لا يفعلها الآخرون، ولذلك قد يصعب علينا تقدير مقدار الاهتمام الذي يمنحونه فعلا لما نفعله. ولا يعني ذلك أن الناس لا يلاحظوننا مطلقا، أو أن سلوكنا لا يترك انطباعا، وإنما أن المساحة التي نشغلها في انتباههم غالبا أقل من المساحة التي نتخيلها.
الجمهور لا يعرف النص
أردد لنفسي كثيرا جملة: «الجمهور لا يعرف النص». أقولها خصوصا عندما أنتهي من محاضرة أو لقاء وأتذكر نقطة كنت أريد أن أقولها ولم أقلها، أو مثالا كان يمكن أن أشرحه بصورة أفضل، أو جملة خرجت بطريقة مختلفة عما أعددته. في تلك اللحظة قد أشعر أن هناك شيئا ناقصا، لأنني وحدي أعرف الصورة التي كانت في ذهني قبل أن أبدأ.
لكن الجمهور لم يرَ هذه الصورة، ولم يقرأ النص الذي أعددته، ولم يعرف أن هناك مثالا آخر كان من المفترض أن يأتي هنا أو جملة كنت أريد صياغتها بطريقة مختلفة. هو استقبل ما قُدِّم أمامه، بينما أنا أقارن ما حدث بما كنت أخطط لأن يحدث.
وهذه المقارنة لا تحدث فقط على المسرح أو في المحاضرات. نحن نفعلها كثيرا في حياتنا؛ نقارن الحديث الذي دار بالحديث المثالي الذي تخيلناه قبل اللقاء، والإجابة التي قلناها بالإجابة الأذكى التي خطرت لنا بعد انتهاء الحوار، والطريقة التي تصرفناا بها بالصورة التي تمنينا لو ظهرنا بها.
الآخرون يرون ما حدث، أما نحن فنرى ما حدث وما كان من المفترض أن يحدث في الوقت نفسه. وربما لهذا تبدو لنا بعض أخطائنا أكبر؛ فنحن لا نحاكم اللحظة وحدها، بل نحاكم المسافة بينها وبين النص الموجود في رؤوسنا.
في زمن أصبحت فيه العيون أكثر حضورا
أضافت وسائل التواصل الاجتماعي طبقة جديدة إلى هذا الشعور. أصبح بإمكاننا أن نرى عدد من شاهدوا ما نشرناه، ومن تفاعل ومن لم يتفاعل، وأن نعيد النظر في صورة أو تعليق بعد نشره ونتساءل كيف استقبله الآخرون.
وقد نحذف شيئا لأن التفاعل لم يكن كما توقعنا، أو نقارن استجابة الناس لما نشرناه باستجابتهم لشخص آخر. لكن الأرقام قد تعطينا أحيانا انطباعا مضللا بأن الآخرين يفكرون فيما نقدمه بالقدر نفسه الذي نفكر نحن فيه. شخص قد يرى منشورا لثوانٍ ثم يكمل يومه، بينما يقضي صاحبه وقتا طويلا في تفسير غياب تعليق أو تأخر تفاعل. وجود الجمهور أمامنا طوال الوقت لا يعني بالضرورة أن الجمهور منشغل بنا طوال الوقت.
المراهقون... حين تصبح العيون أكثر أهمية
قد يظهر هذا الإحساس بصورة قوية في مرحلة المراهقة، حين تصبح نظرة الأقران والمكانة داخل المجموعة أكثر حضورا. تفصيلة في الملابس، أو تعليق في الفصل، أو موقف محرج قد يبدو للمراهق حدثا ضخما يصعب تجاوزه. وربما يرد البالغ بسهولة: «لا أحد يهتم»، لكنه بذلك قد يفوّت فرصة لفهم ما يشعر به.
فالموقف قد يكون صغيرا بالنسبة إلينا، لكنه حقيقي جدا بالنسبة إليه. والأكثر فائدة ربما ألا نقلل من إحساسه، بل نساعده على الفصل بين أمرين: أن يشعر بأنه محط الأنظار، وأن يكون الجميع بالفعل منشغلين به. هذا الفرق لا يلغي مشاعره، لكنه قد يمنحه مساحة أوسع لرؤية الموقف.
الخوف من الخطأ قد يحرمنا من التجربة
المشكلة ليست في لحظة الإحراج نفسها، وإنما فيما قد نمتنع عنه حتى نتجنبها. قد لا يتحدث شخص أمام مجموعة لأنه يخشى أن يتلعثم، ولا يبدأ آخر مشروعا لأنه يتخيل نظرات الناس إذا فشل، وتتردد امرأة في تجربة نشاط جديد لأنها ستكون مبتدئة وسط أشخاص أكثر خبرة.
وإذا انتظرنا أن نضمن أننا لن نبدو مرتبكين أو غير كاملين أمام الآخرين، فقد ننتظر طويلا. معظم الأشياء التي نتعلمها تتطلب مرحلة نبدو فيها أقل براعة مما نريد، وكل شخص يجيد شيئا اليوم مر في وقت لم يكن يجيده فيه. وربما تكون الحرية في أن نسمح لأنفسنا بأن نكون مبتدئين، وأن نرتكب خطأ أمام الناس، وأن نكتشف أن العالم استمر في الدوران بعده بصورة طبيعية.
هل سأتذكر هذا بعد أسبوع؟
عندما يحدث موقف محرج، قد يكون من الصعب إقناع أنفسنا في اللحظة نفسها بأنه بسيط. لكن يمكننا أن نمنحه حجما أكثر واقعية بسؤال مختلف: هل سأظل أفكر في هذا الموقف بعد أسبوع؟ وبعد شهر؟ ثم يمكن أن نسأل سؤالا آخر: كم موقفا محرجا ارتكبه الأشخاص الذين قابلتهم هذا الأسبوع وما زلت تتذكره الآن؟
غالبا سنجد أننا لا نتذكر الكثير. ليس لأن أحدا لم يخطئ أمامنا، بل لأننا كنا منشغلين بحياتنا كما كان الآخرون منشغلين بحياتهم. وما نمنحه نحن ساعات من التفكير قد لا يحصل في ذاكرة شخص آخر إلا على ثوانٍ قليلة.
لسنا بحاجة إلى أن نصبح غير مرئيين
الهدف ليس أن نقنع أنفسنا بأن آراء الآخرين لا تهم إطلاقا، فصورتنا الاجتماعية جزء طبيعي من حياتنا، وهناك مواقف يكون فيها الانطباع الذي نتركه مهما بالفعل. كما أن ملاحظة أخطائنا تساعدنا على التعلم.
لكن هناك فرقا بين أن أراجع ما حدث لأتعلم منه، وبين أن أظل أعاقب نفسي عليه لأنني أتخيل أن الجميع ما زالوا يراجعونه معي. يمكننا أن نقول: «لم يكن أفضل موقف لي، وسأتصرف بصورة مختلفة في المرة القادمة»، ثم نتركه ينتهي. فالخطأ لا يحتاج دائما إلى محكمة، والإحراج لا يحتاج إلى أن يتحول إلى تعريف جديد لأنفسنا.
حين نخرج قليلا من دائرة الضوء
ربما تكون إحدى أكثر الأفكار راحة أن ندرك أننا لسنا تحت المراقبة طوال الوقت. الناس يروننا، نعم، وقد يلاحظون أخطاءنا، لكنهم أيضا مشغولون بأخطائهم ومواعيدهم وعلاقاتهم والطريقة التي يبدون بها أمام الآخرين. كل واحد منا يقف في مركز عالمه الخاص، ولهذا ربما نتقاسم جميعا المفارقة نفسها: نقضي وقتا في القلق مما يفكر فيه الآخرون عنا، بينما قد يكون الآخرون في اللحظة ذاتها مشغولين بالقلق مما نفكر نحن فيه عنهم. وحين نفهم ذلك، لا نصبح أقل اهتماما بالآخرين، بل ربما نصبح أكثر حرية في أن نجرب، ونتحدث، ونتعلم، ونخطئ أحيانا دون أن نشعر أن الضوء مسلط علينا إلى الأبد.
نافذة للتأمل
تذكر موقفا صغيرا شعرت فيه بالإحراج وظللت تفكر فيه بعد انتهائه. ما الذي كنت تتخيل أن الآخرين لاحظوه أو قالوه عنك؟ وهل لديك دليل على أنهم منحوا الموقف الاهتمام نفسه الذي منحته أنت له؟ ثم اسأل نفسك: كم خطأ صغيرا رأيته من الآخرين خلال الأيام الماضية وما زلت تفكر فيه الآن؟ وربما في المرة القادمة التي تخرج فيها من لقاء وأنت تراجع ما كان ينبغي أن تقوله، تذكر: الجمهور لا يعرف النص.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تنتهي من اجتماع مهم، وربما كان كل شيء يسير بصورة جيدة، لكنك أخطأت في نطق كلمة، أو نسيت نقطة كنت...
ما هو ثاني أكسيد الكربون؟.. ثاني أكسيد الكربون غاز عديم اللون والرائحة يوجد طبيعيًا في الغلاف الجوي. ينتج عن تنفس...
إن العام الدراسي فرصة لبناء الوعي بكثرة الاطلاع والقراءة؛ فالقراءة سبيل من سبل الوصول إلى المعرفة والعلم، وبها تكون صناعة...
يفضل المتخصصون في الآثار وأنا منهم بالطبع إطلاق مصطلح قدماء المصريين ويفضل الإعلاميون في الداخل والخارج مصطلح الفراعنة فأيهما أصح؟