كشفت بعثة المجلس الأعلى للآثار بمنطقة آثار شمال سيناء للآثار الإسلامية والقبطية عن بقايا مبنى أثري بمدينة "عسيلة" المندثرة، يرجح أنه كان أحد خانات الطريق التي خدمت القوافل التجارية وقوافل الحجاج المصريين والمسافرين على الدرب السلطاني، المعروف باسم "درب الحاج المصري"، والذي كان يربط مصر بشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام.
بقلم د. عبد الرحيم ريحان رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصريةدكتوراه في الآثار الإسلامية والقبطية
وترجع أهمية هذا الطريق الذي يبلغ طوله 1500كم ويستغرف السفر فيه أكثر من شهر إلى أنه طريق للحجاج المصريين إلى مكة المكرمة عبر سيناء وكذلك حجاج بلاد الأندلس وبلاد المغرب وشمال أفريقيا وبلاد التكرور غرب القارة الإفريقية علاوة على بلاد السودان؛ وكان يحج عن طريقه أيضًا مسلمي روسيا وأوروبا قادمين من البحر الأسود إلى البحر المتوسط عن طريق الإسكندرية إلى القاهرة.
يعد هذا الطريق رسالة حضارية وتفاني لخدمة حجاج بيت الله الحرام؛ بدأت حين استعاد السلطان الظاهر بيبرس الذي حارب الصليبيين لمدة عشر سنوات مدينة عقبة أيلة (بالأردن حاليًا) من السيطرة الصليبية عام (665هـ / 1267م) فأحيا درب الحاج المصري عبر وسط سيناء وأعاده إلى سابق عهده طريقًا للحج وقام الظاهر بيبرس بعمل كسوة للكعبة وعمل لها مفتاحًا ثم أخرج قافلة الحاج في البر على درب الحاج المصري وانتهى بذلك طريق الحجاج عبر صحراء مصر الجنوبية الشرقية عن طريق قوص- عيذاب؛ وفي عام (667هـ / 1268م) زار الظاهر بيبرس مكة عن طريق أيلة. محطات الطريق
تبدأ محطات الطريق من صحراء الريدانية (العباسية) كأرض مكشوفة غير عامرة ثم إلى بركة الحاج "معروفة باسمها حتى الآن بالقاهرة الكبرى" ومنها إلى عجرود قاطعين 130كم.
وبلغ حجم القافلة 80 ألف راحلة دون الدواب الأخرى، وكانت بركة الحاج تضم آبارًا طيبة وتقوم بها سوق عظيمة يقضي فيها الحجاج يومين أو ثلاثة قبل بدء الرحلة ويتزود منها الحجاج بكل احتياجاتهم وأن المرحلة بين القاهرة وعجرود تستغرق ثلاثة أيام؛ وكان الحجاج يعبرون خمس محطات من بركة الحاج إلى عجرود: تبدأ من بركة الحاج ومنها إلى البويب، الطليحات، المنفرج، مراكع موسى ومنها إلى عجرود وبها بئر مصنع.
ويستكمل الحجاج طريقهم عبر سيناء إلى وادي مبعوق وبه مصادر مياه، وقد تميزت المحطات بوجود مصادر مياه لإمداد الحجاج عبر رحلتهم الطويلة، ومن مبعوق إلى نخل بوسط سيناء يستغرق ثلاثة أيام وفي نخل أنشأ السلطان الغوري خان قام بتنفيذ ذلك خاير بك المعمار أحد المقدمين في عام (915هـ / 1509م) وكان الخان ضيقًا فتمت توسعته في عام (959هـ / 1551م) وبنخل ثلاث فساقي " أحواض مياه مستديرة أو مربّعة تتوسطها نافورة تضخ الماء" وبئران إحداهما بساقية والأخرى بسلم .
نخل قلب سيناء النابض
يستمر موكب الحجيج إلى نخل قلب سيناء النابض وكانت تمثل سوقًا عربية مشتركة في زمن الحج حيث ينصب بها سوق كبير وأفران لعمل الخبز وترد لهذا السوق الجماعات البدوية من سيناء وبذلك يتوفر للحجاج جملة خدمات بنخل من حيث الإقامة في خان في ظل حماية الحراس وتوفير الماء العذب الكافي من الآبار والفساقي. وقد وصف الرحّالة ومنهم الزياني نخل في رحلته الحجازية وتعجب من كثرة الفواكه الشامية بها من سفرجل ورمان وعنب والخيرات الكثيرة وما يحتاج إليه الحجاج من المؤن والقرب المملوءة بالماء البارد وبهذا يعطي صورة عن الحركة التجارية في نخل زمن الحج وما كان يصلها من قوافل تجارية تجلب سلع الشام التي تلزم الحجاج.
ومن نخل إلى حسد الحي، بئر بيدرا، ثمد الحصا، ظهر العقبة، سطح العقبة وهو عرقوب البغلة كما وصف هذه المحطات المؤرخون ومنهم الجزيرى ذاكرًا المحطات من نخل إلى وادى الفيحاء ويسمى وادى القريص، عراقيب البغلة، ثمد الحصى، سطح العقبة إلى عقبة أيلة، كما ذكر أن مدة الإقامة بعقبة أيلة ثلاثة أيام وينصب فيها سوق كبير فيه من البضائع والفواكه من غزة والقدس والكرك وبها الأغنام والجمال والبغال والماشية والسمن والعسل والزيت وسائر الحبوب والأقمشة ،ويأتى إليها الحجاج والتجار مما يعد موسمًا في كل عام.
شاهد على الطريق
هناك محطة هامة من محطات الحجاج ما بين نخل والنقب يطلق عليها "دبة البغلة" أو "مقعد الباشا" قامت منطقة جنوب سيناء للآثار الإسلامية والقبطية بترميمها منذ سنين وأحاطتها بسور بشكل إسلامي لدرجة أن الحجاج والمعتمرين المارين بهذا الطريق في الطريق البري الحديث إلى ميناء نويبع ومنها إلى العقبة، وهو نفس الطريق البري القديم يعتقدون أنه لولي من أولياء الله الصالحين وينزلون إليها ليقرأوا اللوحة الخاصة بالآثار ويعرفون حقيقة هذه العلامة الهامة في طريق الحج القديم المستخدم حتى الآن. وتعد "دبة البغلة" من المناطق التي تتسم بالصعوبة عند اجتياز الحجاج لها وقد قام السلطان قانصوه الغوري بتمهيدها ووضع علامة هامة تحدد معالم الطريق يطلق عليها صخرة الغوري وعليها نقوش صخرية تتضمن الآيات {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا}
والنص الخاص بتمهيد الطريق (رسم بقطع هذا الجبل المسمى عراقيب البغلة ومهد طريق المسلمين الحجاج لبيت الله تعالى وعمار مكة المكرمة والمدينة الشريفة والمناهل عجرود ونخل وقطع الجبل عقبة ايلا وعمار القلعة والآبار وقلعة الأزلم والموشحة ومغارب ونبط الفساقي وطرق الحاج الشريفة مولانا المقام الشريف والإمام الأعظم سلطان الإسلام والمسلمين الملك الأشرف أبو النصر قنصوه الغوري نصره الله تعالى نصرًا عزيزًا)، وعلى الصخرة رنك للسلطان الغوري نصه (لمولانا السلطان الملك الأشرف أبي النصر قانصوه الغوري عز نصره ). ومن عقبة أيلة تسير قافلة الحجاج بمحاذاة البحر الأحمر إلى الجنوب إلى حقل، مدين، ينبع، بدر، رابغ، بطن مر، مكة المكرمة، وظل درب الحاج المصري مستخدمًا حتى أبطل سيره وتحول إلى الطريق البحري عام (1303هـ / 1885م ).
مواد البناء والبيئة السيناوية
وكان الدرب السلطاني عبر شمال سيناء طريقًا للحجاج والتجار والجيوش والبريد، وبنيت المنشئات الخاصة بمحطات الطريق من مواد متوافرة بالبيئة السيناوية من الطوب اللبن الذي يصنع من الغرين الذي تحمله السيول من أعلى الجبال والأودية بعد الأمطار الغزيرة والطوب الأحمر ناتج حرق الطوب اللبن، وانفرد بميزة خاصة في المواقع الساحلية وهي الأحجار الكلسية أو الحجر الجيري وهي صخور رسوبية تتكون أساسًا من كربونات الكالسيوم وغالبًا ما تنشأ من تراكم بقايا الأحياء المائية وقواقع المرجان وتتميز بلونها الفاتح وهذا ما تلاحظ في المبنى المكتشف بعسيلة من البناء بالطوب الأحمر والطوب اللبن والأحجار الكلسية.
خان الخوينات
خان الخوينات هو إحدى المحطات التجارية المهمة بشمال سيناء وبالمقارنة بالمبنى المكتشف في عسيلة يدعم فرضية استخدامه كمحطة لاستراحة الحجاج والتجار على الدرب السلطاني.
وتقع بقايا مبنى خان الخوينات شمال قرية مزار بحوالي 25كم بشمال سيناء بمساحة 3000متر مربع، وكان مبنى تجاري في العصر المملوكي مدخله الرئيسي في منتصف الضلع الشمالي وعلى يسار الداخل حجرة حراسة. اللقى الأثرية
تميزت اللقى الأثرية بارتباطها بوظيفة المبنى حيث الأواني الفخارية لتخزين المياه والمؤن لإمداد الحجاج لمواصلة المسير وتأريخها بالعصر المملوكي هو العصر الذي ازدهر فيه درب الحاج المصري بسيناء وبنيت فيه العديد من المنشئات لخدمة الحجاج أشهرها خان نخل، والخان المكتشف بمدينة عسيلة. ويمثل الكشف إحياء لمدينة مندثرة كان لها دور كبير في خدمة حجاج بيت الله الحرام ويضيف معلومات جديدة عن أهمية الطريق الذي يعد قيمة عالمية استثنائية والموضوع على القائمة التمهيدية لليونسكو وينتظر إعداد ملف لتسجيله تراث عالمي ثقافي منذ سنوات.
ومن الجدير بالذكر أن آخر موقع تم تسجيله تراث عالمي ثقافي باليونسكو هى مدينة سانت كاترين عام 2002 ومنذ ذلك الوقت لم يتم إضافة أى موقع جديد تراث ثقافي مادي، وما يتم تسجيله هو تراث ثقافي لامادي آخره الكشري.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
كشفت بعثة المجلس الأعلى للآثار بمنطقة آثار شمال سيناء للآثار الإسلامية والقبطية عن بقايا مبنى أثري بمدينة "عسيلة" المندثرة، يرجح...
يُحتفل باليوم العالمي للشباب في 12 أغسطس من كل عام، تأكيدًا على الدور المحوري للشباب في بناء مستقبل أكثر ازدهارًا...
لم تعد حركة الذهب في الأسواق العالمية مجرد انعكاس مباشر لتغيرات أسعار الفائدة الأمريكية أو تقلبات الدولار، كما جرت العادة...
منذ أن تعلم الإنسان أن يرسم حدود الممالك، لم يعرف التاريخ للفتح معنى إلا أن ترتفع راية مكان أخرى. فكانت...