بين كبسة زر وأخرى، ونقرة على شاشة اللمس وفيديو يليه آخر دون توقف، نتوهم جميعاً أننا نصنع خياراتنا بكامل إرادتنا الحرة. ولكن، هل نفعل ذلك حقاً؟ أم أن هناك عقولاً من السيليكون والأكواد البرمجية باتت ترسم لنا ما نراه، ما نفكر فيه، وما نبتغيه؟ في هذا الحوار الخاص لـ "أخبار مصر"، نفتح الملف الأهم في عصر الذكاء الاصطناعي: السيطرة، الوعي، وتراجع التفكير المستقل أمام سطوة شاشاتنا الذكية. نبدأ رحلتنا من هذا الموقف اللافت..
دكتور عمرو الغفاريدكتور الحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي
في أحد الأيام سألني شاب: -دكتور، هل الخوارزمية تفكر؟
ابتسمت وقلت له: - قبل أن تسألني هل الخوارزمية تفكر، اسألني سؤالًا أصعب... هل نحن ما زلنا نفكر كما كنا من قبل؟
نظر إليّ باستغراب.
قلت له:-أنت تفتح هاتفك لتشاهد فيديو واحدًا فقط.- نعم.-وبعد ساعة؟ضحك وقال: -أجد نفسي شاهدت عشرات الفيديوهات.
قلت له: -ومن اختارها لك؟
قال: -أنا.فقلت: -هل أنت متأكد؟
هنا بدأ الحوار الحقيقي.
من أين جاءت الخوارزمية؟كلمة "خوارزمية" نفسها ليست اختراعًا حديثًا. وهي مرتبطة تاريخيًا باسم العالم المسلم محمد بن موسى الخوارزمي الذي كان من أبرز علماء الرياضيات في العصر العباسي.
الفكرة ببساطة شديدة هي أن الخوارزمية عبارة عن خطوات منظمة نستخدمها للوصول إلى نتيجة.عندما تريد إعداد كوب من الشاي فأنت في الحقيقة تتبع خوارزمية بسيطة:ماء → تسخين → شاي → سكر → تقليب → كوب.
لكن الإنسان يستطيع أن يتوقف في منتصف الطريق ويغير قراره.أما الآلة فتحتاج إلى تعليمات وقواعد محددة.
وهنا بدأت قصة طويلة جدًا بين الإنسان والخوارزمية.
من آلة تحسب إلى آلة تتعلم
في القرن التاسع عشر كان العالم الإنجليزي تشارلز باباج يعمل على فكرة الآلة التحليلية Analytical Engine.
لم تكن الآلة مجرد آلة حاسبة بالمعنى التقليدي. كان تصور باباج يتجه نحو آلة يمكن أن تنفذ سلسلة من التعليمات.
ثم جاءت آدا لوفلايس لتضيف رؤية أكثر عمقًا.
في عام 1843 كتبت لوفلايس وصفًا متسلسلًا لعمليات حساب أعداد برنولي على آلة باباج. ولهذا تُذكر كثيرًا باعتبارها من أوائل من كتبوا برنامجًا للحاسوب. والأهم من ذلك أنها أدركت مبكرًا أن الآلة يمكن أن تتعامل مع الرموز وليس الأرقام فقط .
وهنا تظهر مفارقة جميلة.
الإنسان هو الذي اخترع الخوارزمية ، ثم اخترع آلة تنفذ الخوارزمية ، ثم بدأ يعلم الآلة كيف تتعلم من البيانات.
ثم وصلنا اليوم إلى مرحلة أصبحت فيها بعض الخوارزميات قادرة على اكتشاف أنماط يصعب على الإنسان رؤيتها.
السؤال إذن لم يعد: هل تستطيع الآلة أن تنفذ أوامرنا؟
بل أصبح: إلى أي درجة يمكننا أن نترك لها مهمة اتخاذ القرار؟
الخوارزمية لا تجلس أمامك
ربما تتخيل الخوارزمية على أنها شيء موجود داخل جهاز الكمبيوتر فقط.. لكن الحقيقة أنك تتعامل معها طوال اليوم.عندما تبحث عن منتج على الإنترنت، عندما تشاهد فيديو؛ عندما تفتح تطبيقًا فيقترح عليك محتوى معينًا، عندما يظهر لك إعلان لشيء كنت تبحث عنه بالأمس، عندما يقترح عليك نظام ما أغنية أو فيلمًا.
هناك خوارزميات تعمل في الخلفية.
هي لا تقول لك: "أنا الآن أؤثر في اختيارك." بل تقوم بعمل أكثر هدوءًا. تختار لك ما يظهر أمام عينيك. وهذا فرق مهم جدًا. لأن الإنسان لا يستطيع اختيار شيء لم يره أصلًا.
وهنا تبدأ المشكلة
تخيل أنني دخلت معك إلى مكتبة ضخمة تحتوي على مليون كتاب.قلت لك:— اختر كتابًا.ستقول:— من أين أبدأ؟لكن إذا أخذت عشرة كتب فقط ووضعتها أمامك وقلت: — هذه الكتب التي أعتقد أنك ستحبها.
فإن دائرة اختياراتك تغيرت. أنت ما زلت صاحب القرار. لكن البيئة التي تتخذ داخلها القرار لم تعد محايدة تمامًا. وهذا تقريبًا ما يحدث في عالم التوصيات الرقمية. الخوارزمية لا تحتاج دائمًا إلى أن تقول لك: "افعل هذا."
يكفي أحيانًا أن تقول لك: "انظر إلى هذا." لكن هل الخوارزمية هي التي تقود الإنسان؟
الإجابة العلمية ليست بهذه البساطة. فالأبحاث الحديثة تشير إلى أن العلاقة ليست طريقًا واحدًا من الخوارزمية إلى الإنسان. بل هناك دائرة متبادلة. الإنسان يشاهد. الخوارزمية تتعلم من سلوكه. ثم تقدم له محتوى جديدًا. فيتفاعل الإنسان معه. ثم تتعلم الخوارزمية مرة أخرى.
وهكذا.
دراسة حديثة منشورة في Nature Computational Science عام 2026 تؤكد أهمية النظر إلى العلاقة باعتبارها تفاعلًا بين الاختيارات البشرية والتنسيق الخوارزمي للمحتوى وليس باعتبار أن الخوارزمية وحدها تفسر كل ما يراه الناس على الإنترنت. كما تشير الدراسة إلى أن الأدلة المتعلقة بكون الخوارزميات وحدها سببًا مباشرًا للنتائج السلبية ما زالت غير حاسمة في بعض المجالات .
وهذا مهم جدًا. لأننا أحيانًا نرتكب خطأ بسيطًا. نضع كل المسؤولية على الخوارزمية. بينما الخوارزمية في النهاية تتعلم من البشر أيضًا.
حوار آخر
قلت لصديقي: — لماذا تعتقد أن التطبيق يعرض لك هذه الفيديوهات؟
قال: — لأنه يعرف ما أحب.
قلت: — وكيف عرف ما أحب؟
فكر قليلًا وقال: — من الفيديوهات التي شاهدتها.
قلت: — صحيح.ثم قلت:— ولكن ماذا يحدث إذا ظل يعرض لك الشيء نفسه؟
قال: — سأستمر في مشاهدته.
قلت: — وماذا يحدث عندما يعرف أنك تستمر في مشاهدته؟
قال: — سيعرض لي منه المزيد.
ابتسمت وقلت: — الآن بدأت تفهم العلاقة. أنت تعلم الخوارزمية ما تحب، والخوارزمية تساعد في تحديد ما ستراه بعد ذلك.
إنها حلقة تغذية راجعة Feedback Loop.
وقد وجدت دراسة منشورة في Nature Communications أن سلوك المستخدمين على وسائل التواصل يمكن وصفه بصورة كمية وفق مبادئ التعلم بالمكافأة، وأن التفاعل مع المكافآت الاجتماعية مثل الإعجابات يمكن أن يؤثر في توقيت وسلوك النشر .
الأخطر ليس أن تثق بالخوارزمية الأخطر أن تتوقف عن مراجعتها.
هناك تجربة علمية منشورة في Scientific Reports عام 2021 درست اعتماد الإنسان على النصائح الخوارزمية.
وجد الباحثون في ثلاث تجارب مسجلة مسبقًا أن الناس يميلون إلى الاعتماد على النصيحة الخوارزمية بدرجة أكبر عندما تصبح المهمة أكثر صعوبة. وهذا منطقي جدًا.
عندما نعرف الإجابة نقول: "لا أحتاج إلى مساعدة."
لكن عندما يصبح السؤال صعبًا نقول: "دعني أسأل النظام."
وهنا تظهر مشكلة نفسية وفكرية دقيقة. قد يبدأ الإنسان باستخدام الخوارزمية كمساعد. ثم يتحول المساعد تدريجيًا إلى مرجع. ثم يصبح المرجع مصدرًا للقرار. والفارق بين المراحل الثلاث قد يكون صغيرًا جدًا. هل هذا يعني أن الخوارزميات خطر؟
ليس بالضرورة. فالخوارزمية يمكن أن تكون واحدة من أعظم الأدوات التي صنعها الإنسان. هي تساعد الطبيب في تحليل الصور الطبية. وتساعد المهندس في التصميم. وتساعد الباحث في تحليل ملايين البيانات. وتساعد الطالب في التعلم. وتساعد المؤسسات في اكتشاف الأنماط التي يستحيل على الإنسان تحليلها يدويًا.
بل إن استخدام أنظمة اتخاذ القرار الآلية يمكن أن يحسن أداء البشر عندما تكون تلك الأنظمة دقيقة. إذن القضية ليست إنسان جيد ضد خوارزمية سيئة القضية أكثر تعقيدًا. إنها:كيف يستخدم الإنسان الخوارزمية دون أن يفقد قدرته على التفكير؟
الخوارزمية لا تملك ضميرًاوهذه نقطة يجب ألا ننساها. الخوارزمية يمكن أن تكون دقيقة جدًا.لكن الدقة ليست هي الحكمة. يمكن للخوارزمية أن تقول: هذا هو الاحتمال الأكبر ،لكنها لا تستطيع وحدها أن تجيب دائمًا عن السؤال: "هل هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي أن نفعله؟"
هناك فرق بين: What is likely?
وبين: What is right؟
الأولى مسألة تنبؤ. أما الثانية فهي مسألة قيم ومسؤولية. وهنا يبقى للإنسان دور لا ينبغي أن يتنازل عنه بسهولة. الإنسان أمام المرآة ربما تكون أجمل طريقة لفهم الخوارزميات أنها ليست مجرد آلات تتحكم فينا. إنها أيضًا مرآة لنا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
بين كبسة زر وأخرى، ونقرة على شاشة اللمس وفيديو يليه آخر دون توقف، نتوهم جميعاً أننا نصنع خياراتنا بكامل إرادتنا...
تنتهي من اجتماع مهم، وربما كان كل شيء يسير بصورة جيدة، لكنك أخطأت في نطق كلمة، أو نسيت نقطة كنت...
ما هو ثاني أكسيد الكربون؟.. ثاني أكسيد الكربون غاز عديم اللون والرائحة يوجد طبيعيًا في الغلاف الجوي. ينتج عن تنفس...
إن العام الدراسي فرصة لبناء الوعي بكثرة الاطلاع والقراءة؛ فالقراءة سبيل من سبل الوصول إلى المعرفة والعلم، وبها تكون صناعة...