هناك أشياء لا تحتاج إلى ترجمة. نغمة موسيقية قد تصل إلى قلب امرأة في بلد بعيد، ولوحة قد تجعل غريبًا يتوقف أمام تفاصيل لا يعرفها، ومشهد مسرحي قد يفتح في ذاكرة المشاهد بابًا على حياة لم يعشها من قبل. وفي هذه المساحة، تظهر المرأة بفنها وإبداعها؛ لا تحمل رسالة مكتوبة إلى العالم، وإنما تصنعها بصوتها وخيالها وتجربتها.
شيرين الشافعيرئيس تحرير بقناة النيل للأخبارماجستير إدارة أعمال
فالمرأة عندما تصعد إلى المسرح لا تصعد وحدها؛ تحمل معها شيئًا من المكان الذي جاءت منه، وشيئًا من ذاكرتها، وتفاصيل مجتمعها، وأحلام جيلها. وعندما تغني أو تعزف أو ترسم أو تروي حكاية، فإنها تمنح الآخرين فرصة لأن يروا عالمها من الداخل، بعيدًا عن الصور الجاهزة.
ومن القاهرة، تفتح فعاليات مهرجان «هي الفنون – She Arts»، برعاية وزارة الثقافة، مساحة رحبة لتجارب نسائية وفنية متعددة، تحت شعار «أصوات السلام.. سيمفونية عالمية»، في لقاء يجمع الموسيقى والفنون البصرية والسينما وورش العمل والتبادل الثقافي.
لكن الحكاية هنا أكبر من مهرجان وعروض فنية؛ فالمشهد يطرح سؤالًا يستحق التوقف أمامه: ماذا يحدث عندما تتحول موهبة المرأة من مساحة شخصية إلى وسيلة تصل بها ثقافة وطن إلى العالم؟
ربما تكون الإجابة أن الفن يمنح المرأة فرصة نادرة؛ أن تتحدث عن نفسها دون أن تشرح نفسها، وأن تحمل ثقافتها دون أن ترفع شعارًا، وأن تصل إلى الآخر دون أن تطلب منه أن يشبهها.
وهنا يصبح حضور المرأة في المشهد الفني أكثر من حضور إبداعي؛ إنه مساحة تلتقي فيها الثقافات، وتتقارب فيها التجارب، وتتحول الاختلافات إلى حكايات يمكن للناس أن يتشاركوها.
المرأة تصنع المشهد الفني
ارتبط حضور المرأة في الفن طويلًا بالصورة التي تظهر بها أمام الجمهور، بينما أصبحت مشاركتها اليوم تمتد إلى مختلف مراحل العملية الإبداعية؛ من الفكرة والكتابة والإخراج والإنتاج، إلى الأداء والتصوير والفنون البصرية وإدارة الفعاليات وصناعة المحتوى الثقافي.
وهذا الاتساع مهم؛ لأن وجود المرأة خلف العمل لا يقل أهمية عن ظهورها أمام الكاميرا أو على خشبة المسرح. فالمرأة التي تكتب حكاية، أو تدير مشروعًا فنيًا، أو تنتج فيلمًا، أو تصنع لوحة، لا تقدم موهبتها فقط، وإنما تشارك في تشكيل الصورة التي تصل بها الحكاية إلى الجمهور.
وفي مصر، تمتلك المرأة حضورًا ممتدًا في مختلف مجالات الإبداع، من السينما والمسرح والموسيقى إلى الفنون التشكيلية والأدب. وعلى امتداد عقود، تركت مبدعات مصريات بصمات واضحة في الحياة الثقافية، وأصبحن جزءًا أصيلًا من مسيرة الفن المصري وتطوره.
واليوم، تتسع المساحة أمام جيل جديد من الفنانات، يبحثن عن لغتهن الخاصة، ويقدمن موضوعات ترتبط بالمرأة والأسرة والمجتمع والهوية والطموح والعمل، إلى جانب القضايا الإنسانية التي تتجاوز حدود المكان.
وعندما تلتقي فنانات من خلفيات وثقافات مختلفة، فإن كل واحدة منهن لا تأتي فقط لتعرض ما صنعته، وإنما تدخل في حوار إبداعي مع تجارب أخرى. قد تختلف اللغة، وقد تتباين البيئات والتفاصيل، لكن المشاعر الإنسانية تستطيع أن تجد نقطة التقاء.
ومن هنا تتحول الموهبة إلى قوة ناعمة؛ قوة تصل إلى الآخرين من خلال الإبداع نفسه، وتفتح بابًا للتعارف والتقارب دون حاجة إلى كثير من الكلمات.
الفن يجمع الثقافات ويبني السلام
الفن لا يلغي الاختلاف بين البشر، لكنه يمنحهم مساحة لفهمه. فهو يساعد الإنسان على رؤية الآخر بعيدًا عن الصور النمطية، واكتشاف أن وراء اختلاف اللغة أو الملامح أو العادات تجارب إنسانية يمكن أن تتقاطع بصورة مدهشة.
وعندما تحمل المرأة تجربتها إلى المسرح أو الموسيقى أو السينما أو اللوحة، فإنها تفتح نافذة على ثقافتها وحياتها وأفكارها. ومن خلالها، يستطيع الآخر أن يرى تفاصيل الحياة اليومية، والأحلام، والتحديات، والنجاحات، وهي أمور قد تختلف في شكلها، لكنها تظل قريبة في جوهرها.
ولهذا يحمل شعار «أصوات السلام.. سيمفونية عالمية» معنى يتجاوز غياب الصراع؛ فالسلام يحتاج أيضًا إلى الحوار، وإلى القدرة على الاستماع، وإلى معرفة الآخر باعتباره إنسانًا قبل أن يكون مختلفًا في الجنسية أو الثقافة أو اللغة.
وفي هذا المشهد، تمتلك المرأة مساحة مؤثرة؛ فموضوعات الأسرة، والأمومة، والعمل، والطموح، والأمل، والبحث عن الفرصة، والرغبة في بناء مستقبل أفضل، يمكن أن تتحول إلى أعمال فنية تصل إلى جمهور لا يعرف شيئًا عن صاحبتها.
وهنا تكمن إحدى أهم قدرات الفن؛ فهو لا يبدأ من محاولة إقناع الآخر، وإنما من مشاركته تجربة إنسانية.
ومن ثم، يصبح دعم الفنون النسائية جزءًا من دعم الحوار الثقافي نفسه. فكل فرصة تحصل عليها فنانة للتدريب والتعلم والعرض والتعاون، وكل منصة تجمعها بمبدعات من دول أخرى، يمكن أن تفتح طريقًا جديدًا للتبادل الثقافي.
ولا ينبغي النظر إلى الثقافة باعتبارها رفاهية تأتي بعد الاقتصاد والتعليم والتنمية؛ فالثقافة جزء من بناء الإنسان، والفنون إحدى الأدوات التي تساعد المجتمعات على التعبير عن ذاتها وفهم الآخرين.
كما يرتبط المجال الفني بصورة متزايدة بالاقتصاد الإبداعي؛ فالموهبة تحتاج إلى تدريب، والإبداع يحتاج إلى إنتاج، والعمل الفني يحتاج إلى جمهور وسوق وتسويق وحماية للملكية الفكرية. ومن ثم، فإن تمكين المرأة في المجال الإبداعي يتجاوز منحها مساحة للظهور، ويمتد إلى مساعدتها على تحويل موهبتها إلى مشروع قادر على الاستمرار.
مصر تحتضن إبداع المرأة
من القاهرة، تبدو الحكاية أكثر اتساعًا؛ فمصر تمتلك تاريخًا ثقافيًا يجعلها نقطة التقاء للمبدعين من مختلف أنحاء المنطقة والعالم.
والمرأة المصرية تستطيع أن تضيف إلى هذا الرصيد صوتًا معاصرًا؛ تحمل تراثها، لكنها لا تتوقف عنده، وتستفيد من تاريخها، لكنها تبحث عن لغة جديدة تخاطب بها أجيالًا مختلفة.
وهنا تبرز أهمية المهرجانات والملتقيات الفنية التي تمنح المرأة فرصة للقاء والتجربة والتعلم والتعاون. فالفنانة التي تأتي إلى القاهرة من دولة أخرى قد تغادرها محملة بمعرفة جديدة أو شراكة فنية أو فكرة لمشروع مشترك، بينما تكتشف الفنانة المصرية بدورها أن العالم أوسع من حدود تجربتها المحلية.
وتلك هي قيمة التبادل الثقافي؛ أن يأخذ كل طرف شيئًا ويمنح شيئًا، وأن تتحول الفنون إلى مساحة مشتركة لا يحتاج فيها أحد إلى التخلي عن هويته كي يتواصل مع الآخر.
كما أن حضور المرأة المصرية في الفعاليات الدولية لا يرتبط بالفن وحده؛ فالمبدعة، إلى جانب الباحثة والطبيبة ورائدة الأعمال والكاتبة والرياضية، تستطيع أن تسهم في تقديم صورة معاصرة عن المرأة المصرية وقدرتها على المشاركة والإنجاز.
والأهم أن هذه الصورة لا تُصنع بالكلمات، وإنما بالممارسة. فعندما تقدم فنانة مصرية عملًا متميزًا، أو تشارك في مشروع دولي، أو تتعاون مع فنانات من دول مختلفة، فإنها تضيف حلقة جديدة إلى شبكة العلاقات الثقافية التي تتجاوز المكان.
لكن الطريق أمام المواهب النسائية يحتاج إلى ما هو أبعد من الاحتفاء؛ فالموهبة وحدها لا تكفي دائمًا. هناك حاجة إلى التدريب المستمر، وإتاحة المنصات، ودعم الإنتاج، وفتح مساحات أكبر للتسويق والوصول إلى الجمهور، وحماية الحقوق الفكرية، وربط الفنانات بشبكات مهنية قادرة على تحويل الإبداع إلى فرص حقيقية.
وهنا يمكن أن تتحول الفعاليات الفنية من مناسبات مؤقتة إلى بدايات لمشروعات أطول عمرًا، تفتح أمام المرأة أبوابًا للتعاون والإنتاج والحضور الدولي.
الإبداع يصنع أثرًا
في النهاية، لا تحتاج المرأة إلى الفن كي يمنحها صوتًا؛ فهي تمتلك صوتها بالفعل. لكن الفن يمنح هذا الصوت مساحة أوسع، ويجعله قادرًا على الوصول إلى من لا يعرفها، وإلى أماكن لم تطأها قدمها.
ولهذا يستطيع صوت المرأة أن يصل إلى العالم عبر جسر من الإبداع والفهم والحوار.
فالأغنية قد تحمل ذاكرة وطن، واللوحة قد تختصر قصة مدينة، والمسرح قد يضع تجربة إنسانية أمام جمهور لم يعشها، لكنها تلامسه.
وعندما يحدث ذلك من القاهرة، فإن الحكاية لا تتوقف عند حدود العرض الفني؛ بل تمتد إلى صورة مصر التي تفتح أبوابها للإبداع، وإلى امرأة تحمل موهبتها إلى العالم، ثم تعود محملة بتجارب جديدة.
هكذا يصبح الفن مساحة تلتقي فيها المرأة بذاتها، وتلتقي فيها الثقافات ببعضها، وتتحول فيها الاختلافات إلى جسور بدلًا من أن تكون جدرانًا.
صوتها يعبر الحدود، ويحمل معه الفن والحكاية، ويترك للعالم فرصة أن يرى مصر والمرأة المصرية من زاوية أخرى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
هناك أشياء لا تحتاج إلى ترجمة. نغمة موسيقية قد تصل إلى قلب امرأة في بلد بعيد، ولوحة قد تجعل غريبًا...
بين كبسة زر وأخرى، ونقرة على شاشة اللمس وفيديو يليه آخر دون توقف، نتوهم جميعاً أننا نصنع خياراتنا بكامل إرادتنا...
تنتهي من اجتماع مهم، وربما كان كل شيء يسير بصورة جيدة، لكنك أخطأت في نطق كلمة، أو نسيت نقطة كنت...
ما هو ثاني أكسيد الكربون؟.. ثاني أكسيد الكربون غاز عديم اللون والرائحة يوجد طبيعيًا في الغلاف الجوي. ينتج عن تنفس...