منذ أن تعلم الإنسان أن يرسم حدود الممالك، لم يعرف التاريخ للفتح معنى إلا أن ترتفع راية مكان أخرى. فكانت المدن تقاس بما تملكه من حصون، والإمبراطوريات بما تبلغه خيولها، والمجد يكتب بعضه بحبرٍ تغذيه الانتصارات.
محمود علامرئيس الإدارة المركزية للأنباء والتحليل السياسيبالهيئة الوطنية للإعلام
دخل العثمانيون مصر سنة 1517، فبدأت صفحة أخرى من تاريخها تحت راية الدولة العثمانية. وبعد نحو أربعة قرون، دخل البريطانيون القاهرة عقب معركة التل الكبير سنة 1882، لتفتح صفحة أخرى من تاريخها، امتدت طويلا تحت وطأة الاحتلال العسكري.
غير أن التاريخ، شأنه شأن اللغة، لا يبقى أسير معانيه الأولى؛ فالكلمات الكبرى ترتقي مع ارتقاء الإنسان، وتتبدل دلالاتها كلما اتسعت خبرته بالحياة. ولعل كلمة "الفتح" من أكثر الكلمات التي أنصفها الزمن؛ فالفتح الحقيقي ليس أن تغير لون علمٍ فوق قلعة، بل أن تغير شعورا في قلب إنسان. وليس أن تدخل مدينة بالقوة، بل بالمحبة. وليس أن يخشاك الناس .. بل أن ينتظروك.
ثم جاء زمن اكتشف فيه الإنسان أن أعظم الفاتحين ليسوا دائما أصحاب السيوف.
وهنا تبدأ حكاية ابن نجريج، الذي اختار للفتح طريقا آخر. خرج محمد صلاح من إنجلترا بعدما بلغ فيها من المجد ما لا يبلغه إلا قليل من لاعبي الكرة. لم يكن رحيله عن ملاعبها نهاية عقدٍ احترافي، وإنما بدا كأنه يغادر فصلا اكتمل حتى آخر سطوره. فمنذ أن وطئت قدماه الملاعب الإنجليزية، أخذ يكتب اسمه في كتابٍ لا تفتح صفحاته إلا لقلةٍ من أصحاب الموهبة والإرادة؛ لقب يتلوه لقب، ورقم يعقبه رقم، حتى بدا أن الملاعب هناك لم تعد تملك له وعدا جديدا، ولا السجلات بقي فيها سطر ينتظر أن يكتب.
غادر إنجلترا .. ولم يغادرها. ترك ملاعبها، وبقي اسمه محفورا في جدرانها. هناك، ما كان صلاح يطارد المجد، بل كان المجد هو الذي يلاحقه. دخل الملاعب الإنجليزية شابّا يرعى حلمه, وخرج منها أسطورة تملك ما هو أبقى من البطولات؛ احترام المنافس قبل محبة المشجع، وتقدير الخصوم قبل هتاف الجماهير. حتى تجاوز مرحلة الإحصاء إلى مرحلة الأثر، وحدود الإنجاز إلى حدود الرمز.
من نجريج بدأت الحكاية، ومن ملعبٍ صغير في القاهرة امتد الطريق إلى ملاعب العالم. ولد محمد صلاح في القرية التابعة لمركز بسيون بمحافظة الغربية، وبدأ رحلته مع المقاولون العرب، قبل أن تشده خطوات الاحتراف إلى بازل السويسري، ثم محطة أولى إلى إنجلترا عبر تشيلسي، ومنها إلى إيطاليا مع فيورنتينا وروما، قبل أن يعود إلى إنجلترا من بوابة ليفربول؛ المدينة التي تنتمي إلى المملكة التي أذاقت مصر يوما مرارة الاحتلال، فإذا بابن نجريج يدخلها مجددا، ليستقر في قلوب أهلها، ويملأها عشقا.
ثم مضى إلى تركيا، حيث وصل إلى مطار إسطنبول؛ المدينة التي كانت يوما عاصمة الدولة العثمانية التي حكمت مصر قرونا. وكأن التاريخ، بعد أن غير خرائط الأرض مرارا، أراد أن يشهد فتحا من نوعٍ آخر؛ فتحا لا يغير حدود الأوطان، وإنما يوسع حدود المحبة في قلوب البشر.
شهدت تركيا يوم وصول محمد صلاح مشهدا لم يكن استقبالا للاعب كرة قدم بقدر ما كان احتفاء بقيمةٍ إنسانيةٍ صنعتها سنوات طويلة من الانضباط والتواضع والعمل الصامت، قبل أن تصقلها الموهبة. ففي إسطنبول، احتشد ممثلو وسائل الإعلام ومئات المشجعين لاستقباله في المطار، واصطفوا على جانبي الطريق المؤدي إلى فندق إقامته, ثم امتدت الحفاوة في اليوم التالي, حين وصل طرابزون، تلك المدينة الساحلية المطلة على البحر الأسود, حيث امتلأ ملعب "بابارا بارك" بقرابة خمسةٍ وأربعين ألف مشجع, إلى جانب آخرين لم يتسع لهم الملعب, فاستعاضوا عن الحضور داخله بمتابعة الشاشات العملاقة في الخارج, ليشهدوا لحظة تقديمه لاعبا لنادي طرابزون سبور. لم يكونوا ينتظرون مجرد توقيعٍ على قميص أو صورةٍ عابرة، وإنما كانوا يبحثون عن لحظةٍ يروونها لأبنائهم بعد سنوات: "لقد كنا هناك .. يوم وصل محمد صلاح".
تسعة مواسم كاملة قضاها صلاح بين صفوف ليفربول, لم يكن خلالها يسابق المدافعين وحدهم، بل كان يسابق التاريخ نفسه. وعندما أسدل الستار على رحلته الإنجليزية، كان قد خاض (442) مباراة بقميص النادي، أحرز خلالها (257) هدفا، وصنع (120) تمريرة حاسمة، واعتلى منصات التتويج بالدوري الإنجليزي الممتاز مرتين، بعد أن أعاد اللقب إلى "أنفيلد" إثر غيابٍ دام ثلاثين عاما, كما توج بدوري أبطال أوروبا، وكأس الاتحاد الإنجليزي، وكأس الرابطة مرتين، وكأس العالم للأندية، وكأس السوبر الأوروبي، فضلا عن فوزه بالحذاء الذهبي للدوري الإنجليزي أربع مرات. وفي النهاية، استقر ثالثا في قائمة الهدافين التاريخيين للنادي العريق, خلف إيان راش وروجر هانت.
غير أن هذه، في حقيقتها، ليست حكاية أرقام؛ فالأرقام تنتهي عند خانةٍ في السجلات، أما الأثر فلا يعرف نهاية ولا تحده أرقام. لقد تجاوز صلاح حدود الإحصاء إلى مساحةٍ أرحب في الذاكرة، وغدا ركنا من هوية ليفربول الحديثة، وصورة مشرقة للاعب المصري في الوعي الكروي العالمي؛ حتى بات اسمه يستحضر لا بوصفه هدافا فحسب, وإنما بوصفه نموذجا لإنسانٍ صنع من نجاحه أثرا يتجاوز الملاعب.
ولهذا، حين غادر إنجلترا، لم يكن يغادر وفي جعبته أحلام مؤجلة، ولا أرقام لم يحطمها، ولا منصات لم تطأها قدماه. كان قد بلغ تلك المرحلة النادرة التي لا يعود فيها الإنسان مطالبا بإثبات شيء لأحد، بعدما أثبت الكثير لنفسه وللعالم. لذلك، بدا انتقاله إلى تركيا قرارا لا تفسره لغة المنافسة وحدها، ولا تقيسه حسابات الكرة المجردة؛ فليس كل انتقالٍ بحثا عن بطولة، ولا كل خطوةٍ هروبا من تحدٍّ، وإنما قد يكون عبورا إلى أفقٍ جديد، وتجربةٍ مختلفة، ومتعةٍ خالصةٍ للعبةٍ أحبها عمرا, بعدما هدأت ضوضاء السباقات، وخفت صخب المقارنات اليومية.
لهذا، لم يكن السؤال الحقيقي: لماذا غادر إنجلترا؟ بل كان: ماذا بقي له فيها ليحققه؟ فقد أثبت أن القمم ليست مكانا للإقامة الدائمة، وإنما شرفات يقف عندها العظماء ليتطلعوا إلى أفقٍ آخر؛ لا لأن القمة ضاقت بهم، بل لأن أرواحهم لا تعرف السكون. وهكذا, بدا انتقاله أقرب إلى بداية روايةٍ جديدة منه إلى نهاية فصلٍ مجيد.
غير أن تركيا، هي الأخرى، لم تنظر إلى الصفقة بوصفها تعاقدا رياضيا؛ فهي تدرك أنها لم تستقبل هدافا بارعا فحسب، وإنما استقبلت اسما عالميا غدا واحدا من أكثر الرموز الرياضية حضورا وتأثيرا في العالم, وقادرا على تحويل الحضور الجماهيري إلى قيمةٍ اقتصادية، والاهتمام الإعلامي إلى عائدٍ ملموس. ولذلك، لم يكن مستغربا أن تتردد أنباء عن مساهمة مؤسساتٍ وشركاتٍ كبرى في إنجاز الصفقة. ولم تمض ثلاثة أيام على الإعلان عن إتمام التعاقد حتى تحدثت تقارير إعلامية تركية وغيرها, من بينها شبكة "HT SPOR", عن إيرادات بلغت نحو (12) مليون يورو لنادي طرابزون سبور، جاءت أساسا من مبيعات قمصان صلاح وحجوزات تذاكر مباريات الفريق للموسم كاملا؛ كما انعكس الإعلان عن الصفقة على سهم النادي في بورصة إسطنبول، في مؤشرٍ آخر على القيمة الاقتصادية التي حملها وصول النجم المصري. رقم يكشف أن بعض النجوم لا يبدأ أثرهم من الملعب، بل من اللحظة التي يطأون فيها أرض النادي.
وامتد هذا الاحتفاء إلى حياته خارج الملعب أيضا؛ فبعد أيامه الأولى في جناح فندقي فاخر، استقر اختياره على قصرٍ في منطقة يالينجاك الراقية بطرابزون، المطلة على البحر الأسود، وأفادت تقارير بأن قيمته تتجاوز المائة وعشرين مليون ليرة تركية، ليكون مقر إقامته مع عائلته طوال تجربته الجديدة. وكأن المدينة كانت تهيئ له مقاما يليق باسمٍ سبق وصوله إلى القلوب والأسواق معا.
وهكذا، بدا واضحا أن الاستثمار في صلاح لم يعد استثمارا في لاعب، بل في اسمٍ يفتح الأبواب، ويجذب الكاميرات، ويحرك الأسواق، ويمنح النادي، والدوري، بل والبلاد نفسها، حضورا عالميا يتجاوز حدود المستطيل الأخضر. فالنجوم الكبار لا يغيرون نتائج المباريات وحدها, بل يغيّرون خرائط الاهتمام، ويصنعون من الرياضة قوة ناعمة قد يبلغ أثرها ما لا تبلغه أحيانا أدوات السياسة والاقتصاد.
ويظل أجمل ما في الحكاية أن التاريخ سيذكر أن هذا الفاتح لم يدخل مدينة إلا وترك فيها قلبا يخفق باسمه؛ لم ينتصر على أحد, بل انتصر للإنسان؛ ولم يرفع فوق مدينةٍ راية غلبة، بل رفع في القلوب راية الاجتهاد, ولم يورث أطفال الشعوب وشبابها إلا حلما. طفل في قريةٍ مصرية، وآخر في أحد أحياء إسطنبول، وثالث في مدينةٍ إنجليزية، ينظرون إلى الرجل نفسه، فيدركون أن الطريق إلى المجد لا يبدأ من ساحة معركة، وإنما من ملعبٍ صغير، ومن ساعاتٍ لا يراها أحد، ومن عرقٍ يتساقط كل يوم، حتى يصنع من صاحبه حكاية تستحق أن تروى.
ولقد برهن التاريخ أن معاني القوة تتغير كلما تغير الإنسان؛ فلم تعد القوة تقاس بما يستطيع المرء أن ينتزعه من الآخرين، بل بما يستطيع أن يمنحه لهم؛ ولم يعد الفتح أن يعبر الفاتحون أسوار البلاد، وإنما أن تعبر المحبة جدار القلوب. فالقوة الحقيقية ليست في رايةٍ ترفع فوق قلعة، ولا في أرضٍ تضم إلى أرض، وإنما في أثرٍ يبقى بعد أن تنحني الرايات، وتخفت الهتافات، ويغادر المنتصرون ميادينهم؛ أثرٍ تفتح له النوافذ، وتمتد إليه الأيدي، وتهتف الحناجر باسم إنسانٍ جعل من اجتهاده طريقا إلى الرفعة.
وهكذا، بينما ظل التاريخ قرونا يكتب أخبار الذين بسطوا نفوذهم على الأرض، جاءت كرة القدم لتكتب سيرة رجلٍ بسط حضوره في القلوب؛ رجلٍ لم يحمل سيفا, ولم يبغ أرضا، ولم يسع إلى إخضاع أحد، وإنما جعل من موهبته وعمله وإصراره حكاية تتخطى حدود الملعب، ويبلغ أثرها ما يتجاوز كثيرا من الفتوحات، و صداها أبقى من كثيرٍ من الانتصارات.
وسيذكر الزمان أن مصر أنجبت يوما فاتحا من طرازٍ آخر؛ ابن نجريج الذي خرج من ملعبٍ صغير، لم يحمل سوى قلبٍ وعزيمةٍ ويقين, ولم يترك خلفه مدينة مهزومة، وإنما ترك قلوبا مفتوحة، وأجيالا من الأطفال والشباب يحلمون، ويدركون أن المجد لا ينتزع من أحد، بل يبنى في النفوس أولا, وأنه قد يبدأ من حيث لا يراه أحد.
غير صلاح معنى الفتح نفسه؛ ففتح لنفسه طريقا إلى العالم، ثم فتح للعالم طريقا إلى قلبه.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
منذ أن تعلم الإنسان أن يرسم حدود الممالك، لم يعرف التاريخ للفتح معنى إلا أن ترتفع راية مكان أخرى. فكانت...
لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة للتواصل أو نافذة للمعرفة، بل تحولت في أيدي البعض إلى أخطر سلاح يهدد أمن...
إدارة غرفة الأخبار لم تعد اليوم تشبه ما كانت عليه قبل نصف قرن ليس فقط بسبب اختلاف الأدوات، بل لأن...
إدارة المخاطر تعني أن نرى مواضع الخلل المحتمل قبل أن تتحول إلى ضرر، وأن نربط القرار بالمعلومة، والإجراء بالمسؤولية، والخدمة...