القاهرة... بوابة المستقبل للمرأة العربية

إطلاق منظمة المرأة العربية لـ"نموذج محاكاة المنظمة للشباب" من القاهرة يجسد رؤية عربية تستثمر في بناء الوعي، وتربط بين تمكين المرأة وإعداد أجيال قادرة على قيادة المستقبل، في انسجام مع الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030.

شيرين الشافعي
رئيس تحرير بقناة النيل للأخبار
ماجستير إدارة أعمال

فكل استثمار في المرأة هو استثمار في مستقبل أكثر قدرة على النمو والاستقرار. ومن هذا الإدراك، أصبحت قضايا المرأة جزءًا أصيلًا من معادلة التنمية الشاملة، ومحورًا رئيسيًا في بناء المجتمعات، وصياغة السياسات، وإعداد أجيال تمتلك الوعي والقدرة على التعامل مع تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل.

وفي هذا الإطار، يكتسب إطلاق منظمة المرأة العربية لـ"نموذج محاكاة المنظمة للشباب"، من مقرها بالقاهرة وبمشاركة وفود رسمية من عشر دول عربية، دلالة تتجاوز حدود فعالية تدريبية، إذ يعكس تحولًا في فلسفة التمكين ذاتها؛ من توسيع فرص المشاركة إلى بناء الوعي، ومن إعداد الكوادر إلى صناعة قيادات عربية تمتلك أدوات الحوار، والعمل المؤسسي، والتفكير الاستراتيجي.

وليس من قبيل المصادفة أن تنطلق هذه المبادرة من القاهرة، المدينة التي احتضنت على مدار عقود أهم مؤسسات العمل العربي المشترك، ورسخت حضورها مركزًا لإنتاج الأفكار والمبادرات التنموية. كما أنها تأتي في توقيت تتعاظم فيه الحاجة إلى ترسيخ ثقافة تؤمن بأن المرأة ليست عنصرًا داعمًا لمسيرة التنمية فحسب، بل شريكًا في رسم ملامحها وصياغة أولوياتها.

منظمة تصنع الوعي

لم يكن اهتمام منظمة المرأة العربية يومًا مقتصرًا على طرح قضايا المرأة في المؤتمرات أو إصدار الدراسات، بل ارتكز على بناء رؤية عربية متكاملة تجعل من تمكين المرأة أحد المفاتيح الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة. ومن هذا المنطلق، عملت المنظمة على تحويل مفاهيم التمكين إلى برامج ومبادرات تستهدف بناء القدرات، وتعزيز الشراكات، وتطوير السياسات، وإعداد كوادر قادرة على قيادة التغيير داخل مجتمعاتها.

ويمثل "نموذج محاكاة المنظمة للشباب" امتدادًا لهذا النهج؛ فهو يقدم تجربة تفاعلية تتيح للمشاركين محاكاة آليات العمل داخل منظمة المرأة العربية، بما يعزز مهارات الحوار، والتفاوض، وصياغة المبادرات، والعمل الجماعي، ويغرس لدى الشباب قناعة بأن قضايا المرأة ليست ملفًا منفصلًا عن التنمية، وإنما جزء من مشروع حضاري يستهدف بناء مجتمعات أكثر عدالة واستقرارًا.

ولا ينفصل ذلك عن الدور الذي اضطلعت به المنظمة منذ اعتماد أهداف التنمية المستدامة عام 2015، عندما بادرت إلى عقد مؤتمر "المرأة العربية في الأجندة التنموية 2015-2030"، واضعة إطارًا عربيًا لدمج المرأة في الأهداف السبعة عشر، ومتبنية رؤية تؤكد أن المساواة وتمكين المرأة يمثلان ركيزة لتحقيق السلام، وتعزيز النمو الاقتصادي، وترسيخ الاستقرار المجتمعي.

كما واصلت المنظمة دعم الدول العربية عبر إعداد الدراسات، وبناء القدرات، وتطوير أدوات التخطيط والموازنات المراعية للنوع الاجتماعي، ومتابعة إدماج المرأة في السياسات الوطنية، بما جعلها بيت خبرة عربيًا يسهم في تحويل الرؤى إلى ممارسات قابلة للتنفيذ.

التمكين... رؤية دولة

تتلاقى هذه الرؤية مع التجربة المصرية التي تعاملت مع تمكين المرأة باعتباره خيارًا استراتيجيًا يرتبط بمشروع الدولة الحديثة، وليس مجرد استجابة لمتغيرات اجتماعية أو التزامات دولية.

وقد شكلت الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030 نقطة تحول فارقة، بوصفها أول استراتيجية وطنية متكاملة تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، وترسم مسارات واضحة للتمكين السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والحماية، وتعزيز الدور القيادي للمرأة في مختلف مواقع المسؤولية.

وجاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال احتفالية المرأة المصرية عام 2017 لتؤكد هذا التوجه، عندما شدد على أن تمكين المرأة يمثل ضرورة وطنية لبناء دولة قوية، وأن مشاركة المرأة في مختلف مجالات العمل الوطني هي أحد الشروط الأساسية لتحقيق التنمية الشاملة، لتصبح الاستراتيجية وثيقة عمل تستند إليها مؤسسات الدولة في تنفيذ السياسات والبرامج.

وعلى مدار السنوات الماضية، ترجمت الدولة هذه الرؤية إلى واقع عملي، عبر تطوير البيئة التشريعية، وتعزيز المشاركة في مواقع صنع القرار، وتوسيع برامج التمكين الاقتصادي، ودعم ريادة الأعمال، والحماية الاجتماعية، بما رسخ مفهومًا جديدًا يرى في المرأة شريكًا في صناعة السياسات، ومحركًا للنمو، وركيزة في بناء الجمهورية الجديدة.

ولعل ما يميز التجربة المصرية أنها لم تفصل بين تمكين المرأة وبناء الإنسان، بل اعتبرتهما مسارين متكاملين، ينطلقان من إيمان بأن الاستثمار في القدرات البشرية هو الضمانة الحقيقية لتحقيق تنمية مستدامة وقادرة على مواجهة المتغيرات.

من القاهرة إلى المستقبل

تحمل استضافة القاهرة لهذه المبادرة رسالة تتجاوز حدود التنظيم، فهي تعكس المكانة التي تحتلها مصر في منظومة العمل العربي المشترك، وقدرتها على احتضان المبادرات التي تجمع بين البعد الفكري والبعد التنموي.

كما يؤكد التعاون بين منظمة المرأة العربية والمؤسسة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) أهمية الشراكات التي تجمع بين الخبرات الإقليمية والدولية، بما يعزز تبادل المعرفة، وبناء القدرات، وإعداد قيادات تمتلك رؤية أكثر اتساعًا للتعامل مع قضايا المرأة والتنمية.

ومن زاوية أخرى، يبعث نموذج المحاكاة برسالة بالغة الأهمية، مفادها أن بناء المستقبل لا يبدأ عند تولي المناصب، وإنما يبدأ بصناعة الوعي، وتعزيز ثقافة المشاركة، وإتاحة الفرصة أمام الشباب لاكتساب الخبرة العملية، وفهم طبيعة العمل المؤسسي، وهو ما يجعل الاستثمار في الأجيال الجديدة استثمارًا في استدامة التنمية ذاتها.

وهنا تتجلى قيمة التكامل بين الدور الذي تؤديه منظمة المرأة العربية، والرؤية التي تتبناها الدولة المصرية؛ فكلاهما ينطلق من قناعة بأن المرأة ليست مستفيدة من التنمية، وإنما شريك في صياغة مساراتها، وأن تمكينها ينعكس على الأسرة، والاقتصاد، والمجتمع، ويؤسس لمستقبل أكثر توازنًا واستقرارًا.

و ختامًا...
لا تُبنى مسارات التنمية بقرارات منفردة، وإنما تتشكل عبر تراكم الرؤى، واستمرارية العمل، وقدرة المؤسسات على إعداد أجيال تحمل المسؤولية وتواصل البناء. وفي هذا السياق، تكتسب الجهود التي تقودها منظمة المرأة العربية أهمية خاصة، لأنها تنطلق من إيمان راسخ بأن تمكين المرأة ليس غاية مستقلة، بل مدخل رئيسي لتعزيز التنمية، وترسيخ الاستقرار، وبناء مجتمعات أكثر قدرة على مواكبة المستقبل.

وفي المقابل، تقدم التجربة المصرية نموذجًا عمليًا يؤكد أن تمكين المرأة يحقق أثره الحقيقي عندما يصبح جزءًا من رؤية وطنية شاملة، تتكامل فيها الإرادة السياسية مع التشريعات، والمؤسسات، والبرامج التنفيذية، لتتحول الأفكار إلى واقع يلامس حياة المواطنين، ويعزز قدرة الدولة على تحقيق أهدافها التنموية.

ومن القاهرة، التي كانت ولا تزال منصة للحوار العربي، تتجدد قناعة بأن مستقبل المنطقة يبدأ بالاستثمار في الإنسان، وأن المرأة العربية، بما تمتلكه من كفاءة وخبرة وقدرة على القيادة، أصبحت شريكًا في صياغة السياسات، وصناعة التنمية، ورسم خرائط المستقبل. وهذه هي الرسالة الأعمق التي تحملها مثل هذه المبادرات؛ فالأوطان التي تمنح المرأة مساحة أوسع للإبداع والمشاركة، هي الأقدر على صناعة مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة وازدهارًا.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي
شيرين الشافعي

المزيد من مقالات

شمش… الإله الذي كان يرى كل شيء

منذ أقدم العصور، ارتبط الضوء في ذهن الإنسان بالأمان، بينما ارتبط الظلام بالخوف والمجهول، فالليل كان يعني اختفاء الطرق، وظهور...

القاهرة... بوابة المستقبل للمرأة العربية

إطلاق منظمة المرأة العربية لـ"نموذج محاكاة المنظمة للشباب" من القاهرة يجسد رؤية عربية تستثمر في بناء الوعي، وتربط بين تمكين...

هل يكفي انطباع واحد.. حين تخدعنا صفة واحدة عن رؤية الإنسان كله

قد تقابل شخصا للمرة الأولى، فتشعر بالارتياح إليه من أول حديث، أو تنفر منه دون أن تستطيع تفسير السبب. وربما...

عظمة ملكات مصر القديمة

تفوقت المرأة في مصر القديمة وكان لها الكثير من الحقوق القانونية فاقت ما تمتعت به النساء في الحضارات القديمة من...