هل يكفي انطباع واحد.. حين تخدعنا صفة واحدة عن رؤية الإنسان كله

قد تقابل شخصا للمرة الأولى، فتشعر بالارتياح إليه من أول حديث، أو تنفر منه دون أن تستطيع تفسير السبب. وربما يكفي أن يكون لبقا، أو حسن المظهر، أو واثقا من نفسه، حتى تبدأ في افتراض صفات أخرى لم تختبرها بعد. فنصفه بأنه ذكي، أو أمين، أو جدير بالثقة، رغم أننا لم نعرف عنه إلا القليل.

منى عبد العزيز
مستشارة علاقات زوجية وأسرية
نائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري

 

والعجيب أننا لا نشعر أننا نتسرع، بل نظن أننا نحسن قراءة الناس، وأن خبرتنا بالحياة منحتنا قدرة خاصة على اكتشاف الشخصيات منذ اللقاء الأول. ومع مرور الوقت، نتعامل مع هذا الانطباع وكأنه حقيقة ثابتة، وننسى أنه لم يكن سوى بداية للتعارف، لا نهايته.

فكيف تستطيع صفة واحدة أن ترسم صورة كاملة في أذهاننا؟

حين تتحول الصفة إلى عدسة

يميل العقل البشري إلى البحث عن الاختصار، لذلك يكوّن انطباعا سريعا يساعده على فهم من أمامه. وإذا أعجبنا جانب واحد في شخص ما، يبدأ العقل في إضفاء صفات إيجابية أخرى عليه دون أن يشعر. وقد أطلق علماء النفس على هذه الظاهرة اسم تأثير الهالة (Hal Effect)، لأن صفة واحدة تشبه الهالة التي تحيط بالشخص، فتجعلنا نرى باقي صفاته من خلالها.

ولا تكمن المشكلة في تكوين الانطباع، فذلك أمر طبيعي، وإنما في تحويله إلى حقيقة لا تحتاج إلى مراجعة.

ولا يقتصر تأثير الهالة على الأشخاص فقط، بل يمتد إلى كثير من قراراتنا اليومية. فقد نثق في طبيب لأنه يتحدث بثقة، أو نقتنع برأي شخص مشهور في مجال لا يملك فيه خبرة حقيقية، فقط لأن نجاحه في مجال آخر جعلنا نفترض أنه ناجح في كل شيء. وقد نشتري منتجا لأننا نحب العلامة التجارية التي تحمله، أو نمنح ثقتنا لمؤسسة بسبب تجربة واحدة جيدة. وفي كل مرة، لا يكون حكمنا مبنيا على الصورة الكاملة، بل على صفة واحدة امتدت لتغطي باقي الصورة.

حين نحب الصورة.. لا الإنسان

في العلاقات العاطفية يظهر هذا التأثير بوضوح. فقد يعجبنا ذكاء شخص، أو طريقته في الحديث، أو اهتمامه بنا في البداية، فنبدأ في رسم صورة مثالية له، ونغفل إشارات كان من الممكن أن تدعونا للتأمل. ومع مرور الوقت، حين تظهر جوانب أخرى من شخصيته، نشعر بالصدمة، ليس لأنه تغير، بل لأننا كنا نرى جزءا منه، ثم افترضنا أنه يمثل الكل.

وأحيانا لا نقع في حب الإنسان.. بل نقع في حب الصورة التي رسمناها له.

ولهذا تبدأ بعض العلاقات بتوقعات يصعب على أي إنسان أن يحققها. فحين نحب الصورة أكثر من الشخص الحقيقي، نصاب بخيبة أمل كلما تصرف بطريقة طبيعية لا تشبه ما تخيلناه عنه. ولا تكون المشكلة دائما في الطرف الآخر، بل في المسافة بين الواقع والصورة التي صنعناها نحن.

حين نحكم قبل أن نعرف

ولا يقتصر الأمر على العلاقات، بل يحدث في العمل أيضا. فقد يثق المدير في موظف لأنه يتحدث بثقة، بينما يقلل من قدر موظف آخر لأنه هادئ أو قليل الكلام. وقد يمنح المعلم اهتماما أكبر لطالب متفوق، فيفسر أخطاءه على أنها استثناء، بينما يفسر الخطأ نفسه من طالب آخر على أنه دليل على الإهمال.

ليست الوقائع هي التي تختلف.. بل العدسة التي ننظر بها إليها.

ولهذا قد تضيع على الإنسان فرص كثيرة، ليس لأنه لم يكن يستحقها، بل لأن انطباعا سريعا سبق معرفته الحقيقية. كم من موظف لم يحصل على فرصة لأنه لم يكن بارعا في تقديم نفسه؟ وكم من طالب ظل أسير تقييم قديم رغم أنه تطور كثيرا؟ وكم من علاقة انتهت قبل أن تبدأ، لأن أحد الطرفين حكم على الآخر من موقف واحد، أو كلمة واحدة، أو لقاء واحد لم يكن كافيا ليكشف حقيقة الإنسان؟

الهالة لا تكون إيجابية دائما

وكما يمكن لصفة جميلة أن تجعلنا نبالغ في تقدير إنسان، فإن صفة واحدة لا تعجبنا قد تجعلنا نظلمه دون قصد. ربما نرفض شخصا لأنه ارتبك في اللقاء الأول، أو لأنه لم يحسن التعبير عن نفسه، فنغلق الباب قبل أن نعطيه فرصة حقيقية. وهكذا يتحول انطباع عابر إلى حكم دائم.

ومع مرور الوقت، يصبح من الصعب أن نرى أي تصرف جديد بعيدا عن ذلك الحكم الأول. فإذا ابتسم، قلنا إنه يحاول تحسين صورته، وإذا نجح، اعتبرناه محظوظا، وإذا أخطأ، وجدنا في خطئه دليلا جديدا يؤكد ما كنا نعتقده منذ البداية.

لماذا نقع في هذا الخطأ؟

لأن العقل يحب السرعة أكثر مما يحب التعقيد. ومن الأسهل عليه أن يبني صورة متماسكة من معلومة واحدة، بدلا من أن يبقى في منطقة عدم اليقين. لكن الإنسان أكثر تعقيدا من أن تختصره صفة واحدة، وأكثر عمقا من أن يعرف من لقاء واحد أو موقف واحد.

ولهذا كانت العدالة مع الآخرين تبدأ أحيانا من التمهل في الحكم عليهم.

ولا يتوقف تأثير الهالة عند نظرتنا للآخرين، بل يمتد أحيانا إلى نظرتنا لأنفسنا. فقد ينجح الإنسان في موقف واحد، فيشعر أنه قادر على كل شيء، أو يتعثر مرة، فيبدأ في الشك في قيمته كلها. وكأن العقل يعمم حكما واحدا على الإنسان كله، بينما الحقيقة أن أحدا منا لا يمكن اختزاله في نجاح واحد أو إخفاق واحد، ولا في صفة واحدة مهما كانت واضحة.

حين نمنح الناس فرصة أخرى

ربما لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من تكوين الانطباعات الأولى، لكنها لا يجب أن تكون الكلمة الأخيرة. فكل إنسان يحمل جوانب لا تظهر في اللقاء الأول، وكل علاقة تحتاج إلى وقت يكشف ما لا تستطيع اللحظات الأولى أن تقوله.

وربما يكون أكثر ما يحتاجه الإنسان، ليس أن يحظى بانطباع جيد من اللقاء الأول، بل أن يجد من يمنحه فرصة ثانية إذا لم يكن اللقاء الأول معبرا عنه كما ينبغي.

فكم من أشخاص تغيرت صورتهم في أعيننا عندما اقتربنا منهم أكثر، وكم من أشخاص أدهشنا عمقهم بعد أن كنا نظن أنهم عاديون، وكم من أحكام سريعة اكتشفنا بعد سنوات أنها لم تكن عادلة.

وربما لا يكون النضج في ألا نكوّن انطباعا.. بل في ألا نجعله يحكم كل ما يأتي بعده.

وربما لا تكون المشكلة فيما نراه أولا.. بل فيما نتوقف بعد ذلك عن رؤيته.

نافذة للتأمل

تذكر شخصا غيّرت رأيك فيه بعد أن عرفته عن قرب.. هل تغير هو فعلا.. أم أنك كنت ترى جزءا واحدا منه، ثم اكتشفت بقية الصورة؟

 

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز

المزيد من مقالات

لماذا نصدق ما يقوله الآخرون عنا؟

قد يقول لك أحدهم فى لحظة عابرة: "أنت لا تعرف كيف تتعامل مع الناس"، فتمر الجملة وتنتهى المحادثة، لكنها لا...

اليوم العالمي لسلامة المرضى.. رعاية مأمونة مدى الحياة

بدأ اليوم العالمي لسلامة المرضى (World Patient Safety Day) رسميًا عام 2019. ويتم الاحتفال به سنويًا في 17 سبتمبر، وجاء...

أخلاق طالب العلم في تعامله مع معلميه

إن الأساس الذي يبارك العلم وينمي ثمرته يكمن في التزام طالب العلم بالأخلاق الفاضلة مع معلِّمه الذي يمثل الجسر الذي...

هل تعود القاهرة الخديوية لتكون باريس الشرق؟

ترأس اللواء خالد فودة مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية ورئيس اللجنة القومية لحماية وتطوير القاهرة التراثية والدكتور إبراهيم صابر محافظ...