حين يطرح اسم مصر داخل أروقة الأمم المتحدة في مناقشات التنمية المستدامة، لم يعد ينظر إليها بوصفها دولة تعرض رؤيتها للمستقبل، بل باعتبارها دولة تمتلك تجربة تنموية تستحق أن تعرض وأن تناقش.
شيرين الشافعيرئيس تحرير بقناة النيل للأخبارماجستير إدارة أعمال
ويعد ملف تمكين المرأة أحد أبرز الملفات التي عززت هذا الحضور، بعدما نجحت الدولة المصرية في تحويله من قضية تنموية إلى ركيزة أساسية في مشروعها الوطني لبناء الإنسان، من خلال منظومة متكاملة جمعت بين الإصلاح التشريعي، والتمكين الاقتصادي، والحماية الاجتماعية، وتوسيع مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار.
وفي هذا السياق، جاءت اللقاءات التي عقدتها الدكتورة سحر نصر على هامش المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، لتؤكد أن الاهتمام الدولي لم يعد يقتصر على متابعة الخطط والسياسات، بل امتد إلى التجربة المصرية نفسها، باعتبارها نموذجا نجح في دمج أهداف التنمية المستدامة داخل الخطط الوطنية، وتحويلها إلى سياسات ومبادرات أحدثت أثرا ملموسا في حياة ملايين النساء.
وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة في وقت أصبحت فيه قضايا تمكين المرأة أحد المؤشرات الرئيسية التي يقاس بها تقدم الدول وقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة. ولم تعد المؤسسات الدولية تنظر إلى هذا الملف باعتباره قضية اجتماعية أو حقوقية فحسب، بل باعتباره استثمارا في رأس المال البشري، ومحركا للنمو الاقتصادي، وركيزة لتعزيز الاستقرار المجتمعي. ومن هنا، فإن ما حققته مصر خلال السنوات الأخيرة جعلها تقدم تجربة تحظى بالاهتمام والتقدير في المحافل الدولية.
التمكين يبدأ من الدولة
لم يكن ما وصلت إليه المرأة المصرية من حضور في مواقع المسؤولية وصناعة القرار وليد الصدفة، ولا نتيجة إجراءات متفرقة، بل جاء ثمرة رؤية سياسية واضحة وضعت الإنسان في قلب عملية التنمية، وجعلت تمكين المرأة أحد المحاور الرئيسية في بناء الجمهورية الجديدة.
فمنذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030، تبنت الدولة نهجا متكاملا يقوم على إزالة العقبات أمام مشاركة المرأة في مختلف المجالات، مع توفير البيئة التشريعية والاقتصادية والاجتماعية التي تضمن لها فرصا حقيقية للمشاركة والإنتاج والابتكار.
وانعكس ذلك في توسع مشاركة المرأة في الحياة النيابية والتنفيذية والقضائية، وارتفاع نسب تمثيلها في مواقع القيادة، بما يؤكد أن الدولة انتقلت من مرحلة الحديث عن تكافؤ الفرص إلى مرحلة التطبيق العملي، وإتاحة المجال أمام الكفاءات النسائية للمشاركة في صنع القرار.
لكن التمكين في التجربة المصرية لم يتوقف عند حدود المشاركة السياسية، بل امتد إلى الجانب الاقتصادي، باعتباره الركيزة الأساسية للاستقلال وتحسين جودة الحياة. ولذلك، توسعت الدولة في برامج دعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وريادة الأعمال، والتمويل الميسر، إلى جانب برامج التدريب والتأهيل، بما يفتح أمام المرأة آفاقا جديدة في سوق العمل، خاصة في مجالات الاقتصاد الرقمي والاقتصاد الأخضر.
كما أولت الدولة اهتماما كبيرا بالمرأة الريفية والمرأة المعيلة، انطلاقا من قناعة بأن العدالة التنموية تبدأ من الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجا. وجاءت المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» لتجسد هذه الرؤية، حيث أسهمت في تحسين جودة حياة ملايين السيدات داخل الريف المصري، من خلال تطوير الخدمات الأساسية، وخلق فرص عمل، ودعم المشروعات الإنتاجية، بما عزز الاستقلال الاقتصادي للمرأة، ورسخ دورها كشريك في تنمية مجتمعها.
وفي السياق ذاته، يمثل المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية نموذجا متقدما في التعامل مع قضايا المرأة والأسرة، إذ لم يقتصر على مواجهة التحديات السكانية، بل تبنى رؤية أشمل تقوم على التمكين الاقتصادي، وبناء القدرات، ونشر الوعي، وتحسين جودة الحياة، انطلاقا من إيمان الدولة بأن استقرار الأسرة يبدأ من تمكين المرأة، وأن التنمية المستدامة لا تتحقق إلا ببناء الإنسان.
رسالة مصر إلى العالم
لم يعد الاهتمام الذي تحظى به التجربة المصرية في المحافل الدولية مرتبطا بحجم الدولة أو ثقلها السياسي فقط، بل أصبح نابعا أيضا من قدرتها على تحويل أهداف التنمية المستدامة إلى سياسات قابلة للتنفيذ. ومن هنا جاءت اللقاءات التي عقدتها الدكتورة سحر نصر مع مسؤولي هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، لتعكس حجم الاهتمام الدولي بالتجربة المصرية، وما حققته من تقدم في ملفات التمكين الاقتصادي والحماية الاجتماعية والتنمية المجتمعية.
فالرسالة التي حملتها مصر إلى الأمم المتحدة لم تكن مجرد استعراض لما تحقق، وإنما تأكيدا على أن تمكين المرأة أصبح جزءا أصيلا من رؤية تنموية أشمل، ترتبط بمكافحة الفقر، ودعم الأسر الأولى بالرعاية، وتوفير فرص التعليم للأطفال، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وهي رؤية تتفق مع المفهوم الحديث للتنمية، الذي يعتبر أن الاستثمار في المرأة هو استثمار في الأسرة، وفي المجتمع، وفي مستقبل الأجيال.
ومن اللافت أن اللقاءات تناولت أيضا سبل تعزيز التعاون بين المؤسسات الوطنية وشركاء التنمية الدوليين، سواء من خلال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أو هيئة الأمم المتحدة للمرأة أو منظمة «يونيسف»، بما يؤكد أن الدولة المصرية تتبنى نهج الشراكة، وتؤمن بأن تبادل الخبرات والتنسيق مع المؤسسات الدولية يسهم في تعظيم أثر البرامج التنموية وتحقيق نتائج أكثر استدامة.
كما أن استعراض مشروعات بيت الزكاة والصدقات الموجهة لدعم وتمكين المرأة اقتصاديا واجتماعيا يعكس تطورا مهما في الفكر التنموي المصري، الذي لم يعد يعتمد على الجهود الحكومية وحدها، بل يقوم على تكامل الأدوار بين مؤسسات الدولة، والمجتمع المدني، والمؤسسات الدينية، وشركاء التنمية الدوليين، في نموذج يعزز كفاءة الإنفاق الاجتماعي ويزيد من قدرة الدولة على الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجا.
وتأتي المبادرات البرلمانية الداعمة للمرأة، وما تشهده المنظومة التشريعية من تطوير مستمر، لتؤكد أن الدولة لا تنظر إلى تمكين المرأة باعتباره برنامجا مرحليا، وإنما باعتباره خيارا استراتيجيا يرتبط بتحقيق التنمية الشاملة وتعزيز العدالة الاجتماعية.
ولا يمكن إغفال الإشادة التي حظيت بها الجهود المصرية من مسؤولي الأمم المتحدة، والتي تعكس تقديرا لمسار متكامل نجح في دمج أهداف التنمية المستدامة داخل الخطط الوطنية، وهو ما يمنح التجربة المصرية مصداقية أكبر، ويؤكد أن ما تحقق لم يكن نتاج مبادرات متفرقة، وإنما ثمرة رؤية استراتيجية طويلة المدى.
ويكتسب هذا الحضور الدولي أهمية مضاعفة إذا ما وضعناه في سياق إعلان وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي أن مشاركة مصر في المنتدى السياسي رفيع المستوى تمثل فرصة لعرض تجربة الدولة في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات العالمية، فضلا عن كونها واحدة من عشر دول فقط قدمت أربعة تقارير وطنية طوعية لرصد التقدم في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وهو ما يعكس التزاما واضحا بالمتابعة والتقييم والشفافية.
نموذج يستحق التصدير
ما تحقق في مصر خلال السنوات الماضية يؤكد أن تمكين المرأة لم يعد ملفا قطاعيا، بل أصبح أحد المحاور الرئيسية في مشروع الدولة لبناء الإنسان، وهو ما انعكس على مكانة مصر في المؤشرات الدولية، وعلى طبيعة الحوار الذي تديره مع المؤسسات الأممية وشركاء التنمية.
لقد تجاوزت التجربة المصرية المفهوم التقليدي للتمكين، الذي يقتصر على توفير فرص العمل أو زيادة نسب التمثيل، إلى بناء منظومة متكاملة تدمج المرأة في خطط التنمية الاقتصادية، والتحول الرقمي، والعمل المناخي، وريادة الأعمال، والاقتصاد الأخضر، وهو ما يتوافق مع المتغيرات العالمية التي ترى أن مستقبل الاقتصادات يعتمد على المشاركة الكاملة للمرأة في مختلف القطاعات.
كما أدركت الدولة أن التنمية المستدامة لا تتحقق بإجراءات اقتصادية فقط، وإنما ببناء مجتمع يمتلك القدرة على الإنتاج والابتكار، وهو ما جعل الاستثمار في المرأة استثمارا مباشرا في رأس المال البشري، باعتباره المورد الأكثر قيمة لأي دولة تسعى إلى تحقيق التنمية.
ورغم ما تحقق من إنجازات، فإن الحفاظ على هذا المسار يتطلب مواصلة تطوير برامج التمكين الاقتصادي، وتوسيع مشاركة المرأة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، ودعم ريادة الأعمال، والاستمرار في تحديث التشريعات، بما يضمن استدامة المكتسبات ومواكبة المتغيرات العالمية.
إن ما حققته مصر في ملف تمكين المرأة لم يكن نتاج قرارات منفردة أو مبادرات مؤقتة، بل ثمرة رؤية تنموية متكاملة وضعت الإنسان في صدارة أولوياتها، وأدركت أن بناء الأوطان يبدأ ببناء قدرات أبنائها وبناتها على حد سواء.
ولهذا، اكتسبت التجربة المصرية احترام المؤسسات الدولية، ليس لأنها رفعت شعارات داعمة للمرأة، بل لأنها نجحت في تحويل هذه الشعارات إلى تشريعات وسياسات وفرص حقيقية أحدثت أثرا ملموسا على أرض الواقع.
وتبقى القيمة الأهم أن تمكين المرأة أصبح أحد الملامح التي تعكس صورة الدولة المصرية الحديثة، ورسالة تؤكد أن التنمية المستدامة لا تقاس بما يعلن من خطط، وإنما بما يتحقق من نتائج. وبينما تواصل مصر مسيرتها نحو تحقيق مستهدفات رؤية مصر 2030، تظل المرأة شريكا أصيلا في هذه الرحلة، وعنوانا يعكس قدرة الدولة على بناء نموذج تنموي يحظى بالثقة والتقدير على المستويين الإقليمي والدولي.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
اليوم موعدنا مع حدوتة مصرية قديمة جديدة مع إحكي يا تاريخ.. نعرف حدوتة إيزيس والعقارب السع الحاميات
شكلت هجرة النبي محمد ﷺ إلى المدينة المنورة نقطة تحول مهمة في تاريخ الدعوة الإسلامية؛ إذ انتقل المسلمون من مرحلة...
لم تكن الأخلاق النبوية في مكة المكرمة مجرد فضائل فردية أو نصائح إرشادية مجردة، بل كانت بنية تحتية لقيم مجتمعية...
لم يعد المتحدث الإعلامي مجرد موظف يتولى نقل بيانات المؤسسة أو الوزارة إلى وسائل الإعلام، وإنما أصبح واجهة حقيقية لها...