هل نتذكر الماضي كما حدث؟ .. أم كما أصبحنا نرويه؟

حين يختلف الماضي بين شخصين.. تخيل أن تجمع شقيقين بعد سنوات طويلة، وتسألهما عن موقف عاشاه معا في طفولتهما. يبدأ الأول في الحديث عن بيت دافئ مليء بالحب، بينما يصفه الآخر بأنه كان مكانا يشعر فيه بالوحدة وعدم الفهم. كلاهما عاش السنوات نفسها، وكلاهما يتحدث بصدق، ومع ذلك تبدو الروايتان وكأنهما تحكيان عن بيتين مختلفين.

منى عبد العزيز
مستشارة علاقات زوجية وأسرية
نائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري

 

ولا يقتصر الأمر على الإخوة. فقد يجلس صديقان يسترجعان سنوات الدراسة، فيضحك أحدهما وهو يتذكر أجمل أيام حياته، بينما يتحدث الآخر عن المرحلة نفسها وكأنها كانت مليئة بالضغط والقلق. الحدث واحد، والزمن واحد، لكن الذكريات مختلفة.

فكيف يمكن للذاكرة أن تكتب أكثر من قصة عن الماضي نفسه؟

الذاكرة ليست كاميرا

اعتدنا أن نتعامل مع ذاكرتنا وكأنها كاميرا تحفظ الأحداث كما وقعت، لكنها في الحقيقة أقرب إلى كاتب يعيد صياغة القصة كلما عاد إليها. وتشير أبحاث عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت (Frederic Bartlett)، منذ نشر كتابه Remembering عام 1932، إلى أن الذاكرة ليست عملية استرجاع حرفي لما حدث، بل عملية إعادة بناء تتأثر بخبراتنا اللاحقة، ومشاعرنا الحالية، والمعاني التي أصبحنا نمنحها للأحداث.

فالعقل لا يخزن كل التفاصيل كما هي، بل يحتفظ بأجزاء منها، ثم يعيد ترتيبها كلما استدعيناها. ولهذا لا يكون الماضي ثابتا كما نظن، بل يتغير قليلا كلما أعدنا روايته.

وربما لهذا السبب لا يتعامل القضاء في كثير من الدول مع شهادة شاهد واحد باعتبارها حقيقة مطلقة، لأن الدراسات النفسية بينت أن الإنسان قد يكون صادقا تماما فيما يرويه، ومع ذلك تكون ذاكرته قد أعادت ترتيب بعض التفاصيل دون أن يشعر. فهو لا يختلق الأحداث، لكنه يملأ الفراغات بما يبدو منطقيا بالنسبة إليه، ولهذا قد يختلف شاهدان على ترتيب الوقائع أو الكلمات التي قيلت، رغم أنهما كانا يقفان في المكان نفسه.

حين تختلف رواية الزوجين

ولهذا السبب أيضا، قد يختلف زوجان حول بداية مشكلة حدثت بينهما قبل سنوات. كل واحد منهما يروي القصة بثقة، ويشعر أن ذاكرته لا يمكن أن تخونه. لكن الحقيقة أن كليهما قد يكون صادقا، لأن كل واحد يتذكر ما ترك الأثر الأكبر داخله، ويعيد ترتيب التفاصيل بما يتفق مع تجربته ومشاعره الحالية.

وهنا تبدأ كثير من الخلافات، ليس لأن أحدهما يكذب، بل لأن كليهما يثق في ذاكرته أكثر مما ينبغي.

ويظهر ذلك بوضوح بعد انتهاء العلاقات أيضا. فكثيرا ما يعيد كل طرف كتابة قصة العلاقة من جديد. فقد يتذكر أحدهما السنوات الجميلة ويشعر بالحنين، بينما لا يرى الآخر إلا لحظات الألم. والحقيقة أن العلاقة كانت تحمل الأمرين معا، لكن الذاكرة لا تستدعيهما دائما بالقدر نفسه، بل تختار ما يتوافق مع الحالة النفسية التي يعيشها الإنسان في لحظة التذكر.

المشاعر تكتب جزءا من القصة

كلما كان الحدث محملا بمشاعر قوية، أصبحت الذاكرة أقل حيادا. فالخوف، والغضب، والحزن، وحتى الحب، لا يلونون مشاعرنا فقط، بل يلونون أيضا الطريقة التي نتذكر بها ما حدث.

لذلك قد يتذكر شخص كلمة واحدة جارحة، بينما ينسى ساعات من الحوار الطيب، وقد يظل موقف صغير حاضرا في ذهنه لسنوات لأنه ارتبط بألم لم يلتئم بعد.

وأحيانا لا نتذكر الحدث... بل نتذكر الشعور الذي تركه داخلنا.

ولهذا قد تختلف ذكرياتنا عن الشخص نفسه مع مرور الزمن. فإذا انتهت العلاقة على خير، استدعينا كثيرا من اللحظات الجميلة، وإذا انتهت بألم، طغت الذكريات المؤلمة على ما سواها. وكأن الذاكرة لا تحفظ الأحداث وحدها، بل تحفظ أيضا العدسة التي ننظر بها إليها.

حين يصبح الماضي سجينا للحاضر

ومن المفارقات أن حاضرنا يؤثر في ماضينا أكثر مما نتخيل. فالإنسان السعيد قد ينظر إلى مواقف قديمة بعين أكثر تسامحا، بينما قد يعيد الإنسان المجروح قراءة الذكريات نفسها وكأنها كانت مليئة بالإشارات التي لم ينتبه إليها من قبل. ليس لأن الماضي تغير، بل لأن الشخص الذي يتذكره هو الذي تغير.

ولهذا لا تكون الذكريات مجرد نافذة على الماضي، بل مرآة تكشف أيضا عن حاضرنا.

وقد يفسر ذلك لماذا نعود أحيانا إلى موقف قديم بعد سنوات، فنراه بطريقة مختلفة تماما. لا لأننا اكتشفنا حقائق جديدة، وإنما لأننا أصبحنا أشخاصا مختلفين. فكل تجربة نمر بها، وكل معرفة نكتسبها، وكل جرح يلتئم أو يترك أثرا، يشارك بطريقة ما في إعادة قراءة ما مضى.

هل يمكن الوثوق بذاكرتنا؟

لا يعني ذلك أن ذاكرتنا لا قيمة لها، أو أننا لا نستطيع الوثوق بها مطلقا، لكنها تدعونا إلى قدر أكبر من التواضع حين نتحدث عن الماضي. فبدلا من أن نقول: "أنا متأكد أن هذا ما حدث." ربما يكون الأدق أن نقول: "هذا ما أتذكره."

وبين العبارتين مساحة واسعة من الرحمة، لأن الثانية تترك مكانا لاحتمال أن يكون للآخر ذاكرة مختلفة، دون أن يكون أحدنا كاذبا أو سيئ النية.

وربما لو أدركنا ذلك، لأصبحنا أقل إصرارا على الانتصار في النقاشات القديمة، وأكثر اهتماما بفهم الأثر الذي تركته التجربة في كل طرف، بدلا من الانشغال بإثبات من كانت روايته أدق.

حين نصالح ذاكرتنا

إدراك طبيعة الذاكرة لا يدعونا إلى الشك في كل ما نتذكره، وإنما يدعونا إلى قدر أكبر من الإنصاف لأنفسنا وللآخرين. فربما لم يكن الخلاف بيننا حول الحقيقة، بل حول الطريقة التي احتفظ بها كل منا بها داخل ذاكرته.

وحين نفهم ذلك، يصبح الحوار أقل دفاعا، وأكثر فضولا، وأكثر رغبة في الفهم بدلا من الانتصار.

وربما يكون النضج الحقيقي أن نتوقف عن سؤال:

"من الذي يتذكر بصورة صحيحة؟"

ونبدأ بسؤال آخر:

"ماذا ترك هذا الحدث في قلب كل واحد منا؟"

فقد لا نستطيع تغيير الماضي، لكننا نستطيع أن نغير الطريقة التي نتعامل بها مع ذكرياته، وأن نمنح أنفسنا والآخرين مساحة أوسع للفهم والرحمة.

وربما لا تكون الذاكرة هي ما يحفظ الماضي... بل ما يمنحه معنى جديدا كلما عدنا إليه.

نافذة للتأمل

حين تتذكر موقفا قديما ما زال يؤلمك...

توقف لحظة واسأل نفسك:

هل أتذكر ما حدث فعلا... أم أتذكر الشعور الذي بقي معي منذ ذلك اليوم؟

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز

المزيد من مقالات

هل نتذكر الماضي كما حدث؟ .. أم كما أصبحنا نرويه؟

حين يختلف الماضي بين شخصين.. تخيل أن تجمع شقيقين بعد سنوات طويلة، وتسألهما عن موقف عاشاه معا في طفولتهما. يبدأ...

حكاية ساكنة "البيت الفرنسي" بجوار معبد الأقصر والولع بالحضارة المصرية

مع منتصف القرن التاسع عشر؛ لمع اسم مصر عاليا في مجال الآثار، وبدأ الأجانب يفدون إليها للسياحة والاستمتاع، وساعد مناخها...

عندما تتوقف العقول عن التفكير...من يملك القوة فى عصر الذكاء الاصطناعي؟

قد يكون أخطر ما يخسره الإنسان في القرن الحادي والعشرين ليس وظيفة، ولا سوقًا، ولا حتى حربًا... بل عادة التفكير...

ليلة بكت فيها الشوارع فرحًا.. مصر تنتصر في الملعب وتسكن القلوب

لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت ليلة وطنية خالصة كتبت فيها مصر فصلًا جديدًا من فصول العشق بينها...