استكمالا لسلسلة احكي يا تاريخ.. نقص عليكم اليوم قصة جديدة من الأدب المصري القديم ؛ هي قصة الفلاح الفصيح والتي هي تصوير واقعي لعاقبة فساد الأغنياء وذوي النفوذ.
ومجمل هذه القصة التي جرت احداثها ابان حكم الاسرة الحادية عشر 2200 ق.م تقريبا ان فلاحا فقيرا من أهالي إقليم وادى النطرون بالبحيرة؛ وهي بحيرات غنيه بالملح الذي يستخدم في التحنيط، كان يقطن قرية تسمى حقل الملح قاد قطيعا صغيرا من الحمير بحاصلات قريته وسار به نحو المدينة يريد ان يبيع حاصلاته وكان الطريق يحتم عليه ان يمر بضيعة رجل يدعى (تحوتي ناخت) الذي كان بدوره موظف فاسد لدى الوزير الأول للفرعون(مدير بيت الفرعون).
وعندما رأى هذا الموظف الفلاح وقطيعه دبر حيلة لاغتصاب القافلة بما عليها فقام بإغلاق الطريق بصناديق الكتان ليضطر الفلاح ان يعبر الطريق من خلال النزول لحقل ذلك الموظف الجشع المزروع بالقمح وتقوم الحمير بالتهام بعض سيقان القمح فتهيأت بذلك الفرصة للمدعو (تحوتي ناخت) لكي يستولى على القافلة.
وخاطب الفلاح الرجل قائلا : (ان طريقي مستقيمة وقد قام جنودك باغلاقها... فاضطررت للنزول إلى حقلك لاستأنف طريقي.. اتغتصب حميري لأن واحدا منها التهم ملأ فيه من سيقان قمحك) أولم تنفع تبريرات الفلاح المسكين لكي يسترد قافلته وقضى أربعة أيام يحاول إقناعه بإرجاع حميره دون فائدة.
فقرر رفع شكواه إلى الوزير الأول (رنزي) الذي كان مشهورا بحبه للعدالة وكان مضربا للأمثال في عدالته وعرض عليه الامر فاستمع الوزير وتشاور مع موظفيه والشهود الذين انحازوا إلى جانب زميلهم وكان جوابهم (هل يعاقب تحوتي ناخت بسبب فلاح لا يدفع الضرائب وحمير سرقت قمح حقله ؟)
وفي هذه الأثناء كان الفلاح واقفا يستمع لضياع أمواله وخرابه المحتم اما الوزير الأول فكان يجلس متأملا في صمت اما ما كان من شان ذلك الفلاح عندما رأى الوزير الأول لا يحرك ساكنا ان تقدم اليه وخاطبه بفصاحة مدهشة (أقم العدل أنت يا من مدحت وأرفع عنى الظلم أنظر إلى فإنني أحمل اثقالا فوق اثقال. اجب إلى الصيحة التي ينطق بها فمي وحطم الظلم ورسخ الحق فإنه إرادة الاله اما الظلم فهو منفى من الأرض.........)
واعجب الوزير بلباقة الفلاح وتركه دون أن يقطع في قضيته وذهب على الفور إلى الفرعون واخبره بالقضية وما كان من الفلاح من حسن القول فأمره الفرعون ان لا يقطع في قضيته برأي رغبة في أن يرتجل الفلاح خطبا أخرى وامر بتدوين اقواله بدقه.. وما وصلنا من اقوال هذا الفلاح هو تسعة برديات يوجه كلامه فيها مخاطبا الوزير الأول.
المرافعة الأولى: يوجه كلامه للوزير الأول (رنزي) تصور خيبة الامل التي صادفها الفلاح مما اعتقده بعدالة الوزير (رنزي) فيقاطعه (رنزي) بالتهديد ولكن الفلاح يواصل تقريعه للوزير.
المرافعة الثانية: أيها الوزير احم التعس. ضيق الخناق على اللصوص. احذر فان الأبدية(الموت) تقترب وفضل ان تعمل خيرا واعمل بالمثل القائل (ان نفس الإنسان تقيم ماعت) " ونفذ العقاب في من يستحق. ليس هناك شيء يعادل الاستقامة. لا تنطق كذبا لأنك مسؤول. لا تكن خفيفا لأنك ذو وزن. لا تتكلمن بهتانا لأنك القائم على العدالة.. هل يخطئ الميزان. افهم انك والموازين سيان ولسانك هو رمانة الميزان وقلبك هو المثقال" هذه المقارنة بين العدل والميزان تظهر مرارا وتكرارا في هذه القصة وقد وجدت الموازين في هذه القصة لأول مرة وبقيت صورتها رمزا للعدالة إلى يومنا هذا.
المرافعة الثالثة: قرع الفلاح الوزير بشدة فأمر الوزير جنوده بضربه.
المرافعة الرابعة والخامسة: لم يثني الضرب الفلاح عن تقريع الوزير وكانت الخطبة الخامسة وبالرغم من قصرها إلا انها الذعها في الاتهام والتقريع إذ يقول (انت يا من نصبت لتقيم العدل قد تحالفت مع الظالم. والناس تحترمك رغم أنك معتد. لقد نصبت لتنصف المظلوم ولكن انظر ها انت تغرقه بيدك),
الخطاب السادس: يلجأ من جديد لعاطفة العدالة التي اتصف بها الوزير فيقول (اقض على الظلم واقم العدل وقدم ما هو حق وامح ما هو سيء) ولكن استمر رنزى لا يحير جوابا.
الخطاب السابع: يلجأ إلى القدح الشديد (أأنت تستطيع الكتابة ؟ اانت متعلم ؟ أانت مهذب؟ لقد تعلمت لا لتكون سارقا. لقد وقعت في نفس الشرك الذي وقع فيه غيرك وانت يا من تمثل الاستقامة في الأرض صرت رئيس البغاة ان الزارع الذي يزرع الظلم ويروى حقله بالعسف والكذب سيجنى ما زرعت يداه وبذلك تغمر الضيعة بالشر) ولم يكن الوزير يحرك ساكنا
الخطاب الثامن : استمر في قدحه فيقول ان قلبك جشع وذلك لا يليق بك. انك تسرق وذلك لن ينفعك. حتى هؤلاء الذين اقيموا لمنع الظلم أصبحوا انفسهم ظالمين
ويعود الفلاح الفصيح ليقول اعظم عبارات فاه بها فمه (اقم العدل لرب العدل وهو الذي أصبح عدله حقا. انت يا من تمثل القلم والقرطاس بل انك تمثل تحوت نفسه) (اعلم ان العدل عندما يكون قائما يكون الحق.. فالعدالة ابدية.. والعدالة تنزل مع من يقيمها إلى قبره عندما يوضع في تابوته ويثوى على الاديم ويغلق عليه الباب ويترك وحيدا واسمه لا يمحى من الأرض. هكذا تكون استقامة كلمة الاله) ولما استمر الوزير غير مباليا رفع الفلاح صوته عاليا صارخا والقى مرافعته التاسعة والنهائية.
البردية التاسعة والأخيرة :يذكر الفلاح الوزير بخطر الانضمام إلى فريق ست (الشيطان) لان من يأتي فعلا كهذا يخسر في الحياة وفي الآخرة ولا يرزق أبناءا صالحين ولن يذكر اسمه في الأرض ونصير لمن يصم أذنه عن الحق(انظر ان الاله قد فوضتك لتنصرني على من ظلمني ولكنك لا تنصت. فاعلم إنى لن اقصدك بعد الآن وانى ذاهب لاشتكى إلى الاله "آنوب") ولما كان "آنوب" هو اله الموتى فقد كان الفلاح يعنى انه سوف ينتحر.
ويرسل الوزير جنوده ليجيء بالفلاح ثانية ويتبادلان بعض العبارات مبهمة المعنى (هذا الجزء من البردية مطموس وممزق) على ان الوزير "رنزي" كان قد دون في بردية جديدة كل شكايات الفلاح وكل ما انحدر الينا من هذه الوثائق هو نسخة من هذه البردية ويذهب الوزير إلى الفرعون ويعرض عليه لفيفة البردى التي دون فيها أمناء اسرار الوزير كل اقوال الفلاح (ووجدها الفرعون مثيرة لقلبه).
ويأمر الفرعون الوزيران بفصل في القضية فيحضر المختصون بهذا العمل سجل الضرائب التابع له هذا الفلاح بالصفة الرسمية ووثائق تبين موقفه القانوني والاجتماعي وعدد افراد اسرته ومقدار ثروته ثم يعقب ذلك في البردية بعض كلمات مفتته غير مفهومه ثم يعقب ذلك صدور الحكم الذي قضى بمعاقبة الموظف الجشع ونقل ملكية الضيعة إلى الفلاح فضلا عن إعادة حاصلاته وحميره اليه...
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في عالمٍ تتشابك فيه الحروب مع الأزمات السياسية والاقتصادية، لم تعد ما تتعرض له الأوطان يُقاس فقط بحجم الخسائر المادية،...
لم يكن قرار اليابان بالعودة إلى استيراد النفط الروسي مجرد استجابة ظرفية لأزمة طارئة، بل يعكس تحوّلًا أعمق في بنية...
استكمالا لسلسلة احكي يا تاريخ.. نقص عليكم اليوم قصة جديدة من الأدب المصري القديم ؛ هي قصة الفلاح الفصيح والتي...
تحول الإعلام في القرن الحادي والعشرين من مجرد وسيلة لنقل الأخبار وتغطية الأحداث، إلى أحد أهم الفاعلين في تشكيل القرار...