القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة التسليحية فقط، بل أصبحت ترتبط بقدرة الدولة على إدارة الصراعات المركبة التي تمتد من الفضاء الإلكتروني إلى الفضاء الخارجي، ومن شبكات المعلومات إلى ميادين العمليات التقليدية، في إطار ما يُعرف بحروب الجيلين الخامس والسادس.
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
وفي هذا السياق، برز مسمى مستحدث هو "الأوكتاجون " مقر القيادة الاستراتيجية للقوات المسلحة المصرية بالعاصمة الجديدة، باعتباره تجسيدًا لرؤية مصرية حديثة في إدارة الأمن القومي الذي افتتحه مؤخرا الرئيس عبد الفتاح السيسي.
إن هذه الخطوة إنجازا يعكس انتقال مصر إلى مفهوم أكثر شمولًا في التعامل مع تحديات المستقبل، عبر دمج التكنولوجيا المتقدمة مع منظومات القيادة والسيطرة وصنع القرار.
ويلجأ البعض إلى مقاربة تقارن الأوكتاجون المصري بالبنتاجون الأمريكي، باعتبار كل منهما مقرا للقيادة الاستراتيجية ، إلا أن هذه المقارنة تظل محدودة إذا اقتصرت على الشكل أو الوظيفة العامة.
البنتاجون أو وزارة الدفاع الأمريكية نشأ في ظروف الحرب العالمية الثانية، وصُمم ليتناسب مع طبيعة الحروب التقليدية في منتصف القرن العشرين وأضاف لنفسه تطويرا نوعيا مع الانتقال الى الأجيال الجديدة من الحروب في الالفية الثالثة!
بينما جاء الأوكتاجون في عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت المعلومات والبيانات والأمن السيبراني أطرافا رئيسية في معادلة القوة ومن ثم، لا يمكن اعتباره نسخة من نموذج قائم، بل يمثل تطورًا، يقوم على تكامل متناغم بين عناصر القيادة والسيطرة، والاستخبارات، وإدارة المعلومات، والتخطيط الاستراتيجي داخل منظومة رقمية متقدمة، بما يضمن سرعة تداول المعلومات، ودقة تقدير الموقف، وسرعة اتخاذ القرار، مع تحقيق أعلى درجات التنسيق بين مختلف مراكز اتخاذ القرار والجهات المعنية بالأمن القومي.
كما أن التصميم الهندسي الثماني للمبنى ليس مجرد اختيار معماري، بل يعكس رؤية تنظيمية تسمح بتوزيع مرن لمراكز القيادة وغرف العمليات، بما يعزز كفاءة الاتصال، وسرعة الاستجابة، وإدارة الأزمات في مختلف الظروف!
وتأتي أهمية هذا النموذج في ظل التحول الجذري الذي شهدته طبيعة الحروب الحديثة.
لم يعد الهجوم يبدأ بإطلاق الصواريخ أو تحريك القوات من قبل العدو، بل قد يبدأ باختراق شبكات المعلومات، أو تعطيل منظومات الاتصالات، أو شن حملات تستهدف الرأي العام، أو مهاجمة قواعد البيانات والبنية التحتية الرقمية.
لذلك أصبحت الحرب السيبرانية أحد أخطر ميادين الصراع، لما تملكه من قدرة على تعطيل مفاصل الدولة، والتأثير في الاقتصاد، والتشويش على عملية صنع القرار، دون إطلاق رصاصة واحدة!
ومن هنا تبرز أهمية امتلاك منظومات متطورة للأمن السيبراني، والدفاع الإلكتروني، والرصد المبكر للهجمات الرقمية، إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في دعم القرار الاستراتيجي ورسم السيناريوهات المختلفة لإدارة الأزمات بشكل استباقي!
وفي المقابل، لم تعد ساحات القتال تقتصر على البر والبحر والجو، بل امتدت إلى الفضاءين الخارجي و الإلكتروني.
وإلى ميادين الحرب النفسية والإعلامية، التي أصبحت تؤثر في مسار الصراعات بقدر لا يقل عن تأثير القوة العسكرية التقليدية!
ومن هذا المنطلق، يوفر الأوكتاجون بيئة متكاملة لإدارة العمليات المشتركة من خلال نظم قيادة وسيطرة رقمية، واتصالات مؤمنة، وتحليل لحظي للمعلومات، بما يسمح بمتابعة التطورات أولًا بأول، واتخاذ القرارات المناسبة في التوقيت المناسب، فضلًا عن تنسيق الاستجابة السريعة للتهديدات العسكرية، والعمليات الإرهابية، والهجمات الإلكترونية، وحتى الكوارث والأزمات الكبرى.
إن القيمة الحقيقية للأوكتاجون تكمن في كونه مشروعًا استراتيجيًا لإدارة المستقبل، يعكس إدراكًا لطبيعة التحديات الجديدة التي تفرضها الثورة الرقمية ومن بينها الحروب المعلوماتية!
إن نجاح الدول في حماية أمنها القومي لم يعد مرهونًا فقط بامتلاك أحدث الأسلحة، وإنما بقدرتها على توظيف المعرفة والتكنولوجيا، وتحويل المعلومات إلى عنصر قوة، واتخاذ القرار بسرعة ودقة في بيئة تتسم بالتعقيد والتغير المستمر.
وفي منطقة تعج بالأزمات والتحولات، يمثل هذا النهج أحد أهم مقومات الحفاظ على الأمن القومي المصري، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التهديدات المستجدة، وترسيخ الاستقرار في عالم أصبحت فيه الحروب تُدار بالعقول والبيانات، قبل أن تُحسم بالسلاح!
نافلة القول إن الحروب المعلوماتية تنقل الإعلام الرقمي إلى مستوى آخر على قدر كبير من الأهمية و يجب وضعه في الاعتبار عند تخطيط السياسات الإعلامية ما يتطلب إعداد جيل جديد من القيادات المؤهلة لاتخاذ القرار وفق آليات الرقمنة!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة التسليحية فقط، بل أصبحت ترتبط بقدرة...
إدارة المعرفة تعني تنظيم البيانات والمعلومات والخبرات المتراكمة بطريقة تجعلها مفهومة، موثوقة، قابلة للوصول، وقابلة للاستخدام في اتخاذ القرار وخدمة...
في بلاد الرافدين القديمة، لم يكن الماء مجرد مصدر للحياة والزراعة، بل كان شيئا مقدسا وغامضا، فمن تحت الأرض كانت...
قد يبدأ مستقبل الأوطان من قرار يبدو شخصيًا، لكنه يمتد أثره إلى الاقتصاد والتعليم والصحة وجودة الحياة. لذلك، أصبحت القضية...