من أنقذ الطيار..؟ مظليون أمريكيون .. أم مظلة تفاهمات خفية..؟

بقلم محمود علام

في فلسفة الصراعات الكبرى، قد تصاغ البيانات الرسمية لتخفي في طياتها الحقائق التي وقعت في ميادين القتال. ويخبرنا منطق الحروب الحديثة أن الفجيعة الكبرى لا تكمن في سقوط المقاتلات وتحطمها، بل في العجز عن حماية "الطيارين"، أو في وقوع الأسرار التقنية وخبايا التكنولوجيا الحربية بين يدى العدو.

شفرة النجاة .. تراوغ الجغرافيا الإيرانية

حينما اعتقدت القيادة الإيرانية أن راداراتها ودفاعاتها الجوية حققت نصرا استراتيجيا بانتزاع أسراب المقاتلات طراز " إف -15 " من كبد السماء ــ مسقطة خمس طائراتٍ في يومٍ واحد ــ لم تدرك أن الفصول الدرامية التي تلت ذلك، تجاوزت حدود الوقائع العسكرية العابرة.

فلقد تحولت عملية إنقاذ ضابط نظم تسليح أمريكي أسقطت طائرته في إيران فيما كان برفقة طيار آخر إلى اختبارٍ حقيقيٍ وقفت خلاله صلابة الجغرافيا الإيرانية أمام مرونة التكنولوجيا الأمريكية وأساليب الخداع.

وسرعان ما انتقلت المعركة من صخب السماء إلى صمت الأرض؛ حيث تحول الطيار الأمريكي المسقط إلى "قطعة شطرنج تقنية" فائقة الحساسية، أعادت صياغة قواعد الاشتباك حول الرمال المحيطة بـ"نطنز" وأسوار "أصفهان" الاستراتيجية، لتكشف عن معركةٍ خفيةٍ لم تكن في الحسبان.

ولفهم أبعاد صمود الطيار الأمريكي قرابة 36 ساعة في قلب "المربع الأمني" الأكثر تحصينا في الجغرافيا الإيرانية، فإنه لا يمكن الركون إلى منطق "ضربات الحظ" أو "الصدف المحضة".

وعلى الرغم من أن الطيار لم يكن يملك سوى سلاحه الشخصي، إلا أنه كان يتسلح بــ "سر البقاء" المتمثل في جهاز تحديد موقع الناجين في المعارك (CSEL) وبالعودة إلى وثائق وكالة أنظمة المعلومات الدفاعية وسلاح الجو الأمريكي، نجد أن هذا الجهاز الذى يثبت في سترة الطيارين ليس مجرد أداة اتصال، بل هو ثورة تكنولوجية في فن الخداع. وبدلا من الموجات الراديوية التقليدية سهلة الرصد، فإنه يعتمد على نبضات لاسلكية مشفرة عبر الأقمار الصناعية، مصممةٍ بدقة لتضليل العدو برسم نطاقات جغرافية واسعة تجعل من تحديد موقع الناجي بدقة مهمة مستحيلة. ولا تفتح هذه الشفرة أقفالها إلا حين تتلاقى الإشارات ذاتها وتتصافح مع مثيلاتها من فرق الإنقاذ الصديقة.

هنا، لم يكن الطيار مجرد ناجٍ، بل كان "شبحا تقنيا" يتلاعب بأجهزة الرصد الإيرانية، مدركا أن سقوط أسراره في يد الخصم كفيل بتغيير مسار الاشتباكات، بل ومجرى الحرب ذاتها.

لقد طبق باحترافيةٍ بروتوكولات "التخفي الحراري" التي تفرضها قواعد قوات "المظلين المنقذين" الأمريكية، تلك النخبة التي تشير تقارير قيادة العمليات الخاصة إلى أن صرامة اختيار الانضمام إليها تقذف بـ (80%) من المتقدمين لها خارج صفوفها. وتثبت هذه النخبة أن المقاتل حين يتسلح بالتكنولوجيا الفائقة والتدريب النوعي، يتحول إلى قوةٍ عصيةٍ على الاحتواء حتى في أكثر البيئات عدائية.

الحزام الناري .. خمس ساعات من استباحة السيادة على الأرض

لفك طلاسم هذا المشهد الميداني المعقد، توقفت صحف عالمية أمام تفاصيل الخمس ساعات التي استغرقتها مهمة الإنقاذ؛ تلك الساعات التي شهدت أحداثا لم تجد تأكيدا أو نفيا قاطعا لها في البيانات الرسمية حتى الآن.

وكشفت التقارير الواردة عن نجاح القوات الأمريكية في تشييد ما يشبه "القاعدة الجوية المؤقتة" بالقرب من مدرج مهجور أنشأته إيران سابقا، بعد توجيه الطيار للسير مسافة تقارب الـ (8) كم صَوب تلك النقطة.

ولم يكن اختيار هذا المكان تحديدا ــ القريب من مفاعل أصفهان ــ محض صدفة، بل مثل جزءا من خطط إنزال بري أوسع نطاقا، مما دفع بعض التقارير إلى ادعاء أنها في الأساس عملية أخرى بخلاف عملية إنقاذ الطيار كان الهدف منها الاستيلاء على اليورانيوم الإيراني المخصب لكنها باءت بالفشل، وعليه تم التركيز على عملية إنقاذ الطيار باعتبارها ستارا يواري هذا الإخفاق.

وهنا تبرز علامات الاستفهام الكبرى: كيف تمكنت طائرتا نقل من طراز "سي -130" من الهبوط، وإنزال بضع طائرات أخرى خفيفة من طراز "ليتل بيرد"، وقوة مقاتلة قوامها (300) فرد من تنفيذ عملية الإنقاذ طيلة خمس ساعات..؟

بخلاف ما فرضته الطبيعة الجغرافية من تحد لوجيستي معقد، حين غرزت عجلات الطائرتين العملاقتين في رمال المدرج، مما وضع فرقة الإنقاذ أمام سباق مع الزمن قبل وصول تعزيزات الحرس الثوري. فجاء الفكر الأمريكي بتنفيذ "حزام ناري" بدائرة قطرها (3) كم، لتأمين نخبة من (24) مقاتلا أتموا المهمة تحت غطاء جوي كثيف.

وفي مشهد ختامي يجسد فلسفة البروتوكول العسكري الأمريكي، قامت قوات الإنقاذ بتلغيم وتفجير الطائرتين العالقتين ــ بما في ذلك طائرتان خفيفتان من طراز "ليتل بيرد" ــ لضمان سحق أسرارها التقنية تحت الركام، ومنع وصول الخصم إليها، وسط صمتٍ مريب لمنظومات الدفاع الجوية الإيرانية المحيطة بالمفاعل.

السيادة المعلقة .. هل فشلت الدفاعات أم حضرت التفاهمات ..؟

هنا، يأخذ التحليل منحى سياسيا حادا يضع شعارات "السيادة المطلقة" أمام الواقع الميداني؛ فكيف لم ترصد رادارات القواعد العسكرية الإيرانية القريبة كل هذا الضجيج..؟ وكيف لم تنطلق صواريخ الدفاع الجوي تجاه "حزامٍ ناريٍ" امتد بقطر (3) كم في عمق هذا المكان.؟

إن الاكتفاء باشتباكاتٍ ناريةٍ بالأسلحة الخفيفة، لم تسفر عن إصابة جندي واحد من الطرفين، مع حصر الضحايا في تسعة مدنيين إيرانيين ــ بحسب المصادر الإيرانية الرسمية ــ يضعنا أمام احتمالين لا ثالث لهما، وكلاهما يفضي إلى حقيقةٍ واحدة: "انكسار السيادة".

السيناريو الأول: "استباحة الأرض باستخدام التكنولوجيا الحديثة" .. يفترض هذا السيناريو أن أراضي إيران باتت مباحة جغرافيا كما استبيحت سماؤها؛ لدرجة أن قوة أمريكية قوامها (300) مقاتل استطاعت بناء قاعدة مؤقتة، وتنفيذ عمليات إبرارٍ وإنزالٍ وإخلاءٍ في العمق، دون أن ترصدها المنظومات الرادارية أو تتعامل معها صاروخيا.

وتدل هذه الفرضية على نجاح واشنطن في فرض "عزلةٍ إلكترونيةٍ" كاملة على منطقة العمليات، مستغلة ثغراتٍ قاتلة في منظومة الدفاع الجوي الإيرانية جعلتها تعيش حالة من العمى العسكري الشامل.

السيناريو الثاني: "تفاهمات الظل"..أي فرضية "التفاهم الخفي"؛ وهو ما يعني أن العملية تمت برضا أو غض طرف لتجنب صدامٍ شامل، أو لإجلاء الطيار كجزء من صفقة تمت خلف الكواليس.

وما يعزز هذا الطرح هو استحضار "سيناريو قاعدة عين الأسد" في العراق عقب مقتل "قاسم سليماني" قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، حيث كانت الضربات الإيرانية ــ حينها ــ متفقا على إحداثياتها وتوقيتها مسبقا لإفراغ الرد من محتواه العسكري وتوجيهه للاستهلاك الشعبي فقط حفظا لماء وجه إيران.

إن تمرير عملياتٍ بهذا الحجم عبر "تفاهماتٍ تحت الطاولة" لتجنب الانزلاق نحو هاوية المواجهة الكبرى، ربما هو التفسير الوحيد لعدم سقوط ضحايا عسكريين من الجانبين في اشتباك استمر لخمس ساعات كاملة.

من غابات فيتنام إلى رمال أصفهان.. هل تغير وجه التاريخ..؟

ما أشبه اليوم بالبارحة؛ إن عملية الإنقاذ الأخيرة التي تمت في العمق الإيراني، تقودنا للمقارنة بينها وبين عملية الإنقاذ "بات-21" في فيتنام ــ الموثقة باعتبارها أكبر وأعنف عملية إنقاذ في التاريخ العسكري.

ففي عام (1972)، خاضت واشنطن حربا شاملة لإنقاذ الطيار الأمريكي "إيسيل يوجين هامبلتون"، الذي تصادف أنه ضابط نظم تسليح أيضا والذي سقط بمظلته في أدغال فيتنام، بينما كان يطارده (30) ألف جندي فيتنامي؛ حينها، قامت القوات الأمريكية بـ (800) طلعة جوية، ونفذت "حزاما ناريا" بقطر (27) كم، وخسرت في سبيل إنقاذ الطيار واستعادته (45) طائرة و(71) فردا مقاتلا من نخبة فرق الإنقاذ.

وكانت تلك الخسائر الفادحة نقطة التحول التي دفعت البنتاجون لتأسيس قوات المظلين المنقذين "البراريسكي"؛ وهي قوة نخبوية، يخضع أفرادها لتدريباتٍ شاقة تستمر لعامين، تشمل القفز المظلي، والغوص، والتخفي، والإشتباك، وفنون القتال، والطب والإسعافات أيضا.

وكانت تلك القوات التي لا تترك ولا تتخلى عن أحدٍ خلفها، هي من استعادت طيار البوسنة عام (1995)، وطيار المقاتلة الشبحية "إف-117" في صربيا عام (1999)، وهي من صنعت المعجزات وأنقذت الجندي الأمريكي "ماركوس لوتريل"، وهو من قوات النخبة الأمريكية (Navy Seal) في عملية "الأجنحة الحمراء" عام 2005 في أفغانستان، تلك الملحمة التي خلدتها السينما الأمريكية عام (2013) في فيلم بعنوان "الناجي الوحيد" Lone Survivor. وكانت هذه القوة ذاتها هى من تسللت إلى أصفهان مؤخرا.

وتوضح موقعتا فيتنام وأصفهان الفارق بين زمن "الحروب الشاملة" وزمن "الجراحات الاستراتيجية". فاليوم، لم تعد القوى الكبرى تضحي بأساطيلها في معارك مفتوحة، بل أصبحت تعتمد على مزيجٍ من التكنولوجيا الفائقة وبعضٍ من "تفاهمات الظل" لإنقاذ الأرواح والحفاظ على الأسرار.

أما على الصعيد الإيراني، يبدو أننا أمام انتصار لبروتوكولات الإنقاذ الحديثة، وانكسار صامت لجوهر السيادة؛ فبينما تكتب التقارير الرسمية لتبرير الصمت، تظل الرمال المهجورة في أصفهان شاهدة على أن "قطعة الشطرنج" الأمريكية قد غادرت الرقعة، تاركة خلفها تساؤلاتٍ ستظل عالقة في الأذهان.
سماء مستباحة وصمت مريب

هنا، عزيزي القارئ، نجد أنفسنا أمام تساؤلٍ مفصليٍ لا يقبل المواربة: أي سيناريو هو الأقرب للتبني ..؟

إن سقوط تسعة مدنيين إيرانيين في هذه العملية، في مقابل عدم خسارة جندي واحد من الطرفين في اشتباك مباشرٍ استمر لساعات، يضع علامة استفهامٍ كبرى حول "القدرة" و"الإرادة" لدى الحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج. فهل تحول الحرس من "قوة رادعة" تملأ الدنيا ضجيجا، إلى "متفرج يقف مكتوف اليدين" أمام استباحة الأرض..؟

إن ما حدث في محيط مفاعل أصفهان ليس مجرد "عملية إنقاذ" تقنية، بل هو "بروفة" لواقعٍ جيوسياسي جديد في عصر ما وراء الخبر. والسؤال الذي يفرضه هذا المشهد يبقى مفتوحا ومؤرقا: إذا كانت القواعد والمناطق الحيوية باتت مسرحا لعمليات إنزال وإخلاء وتفجير تقني، فأين تبدأ السيادة وأين تنتهي..؟

لقد أثبتت سماء إيران ــ التي قيل إنها محصنة ــ أنها قابلة للاختراق، وصارت الأرض التي قيل إنها عصية مهبطا للطائرات الغازية.

فهذه الواقعة تؤكد أن التكنولوجيا الفائقة قادرة على محو الحدود، وأن الاتفاقات الخفية قد تكون أقوى من منصات الصواريخ. وعلى المؤسسة العسكرية الإيرانية أن تجيب بوضوحٍ على سؤالين "كيف ولماذا".

 

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محمود علام
محمود علام

المزيد من مقالات

الوحدة وسط الزحام: لماذا نشعر بالفراغ في أكثر الأماكن ازدحاما؟

في بعض الأيام تمتلئ البيوت بالأصوات، وتمتلئ المجالس بالأحاديث، وتمتلئ الصور بالابتسامات، ومع ذلك قد يشعر أحدنا بفراغ داخلي لا...

الفضيلة والتجارة والإدارة والحكايات مقررات التلاميذ في مصر القديمة

دراسة أثرية للدكتور على سرحان عن التعليم في مصر القديمة تؤكد أن العلم والمتعلمين احتلوا منزلة لا تساويها منزلة في...

دور الإعلامي في صناعة الوعي الجمعي!

في زمن التحولات المتسارعة، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للواقع، بل أصبح شريكا في صياغته. وبينما تتعاظم التحديات التي تواجه...

شم النسيم عيد مصري أصيل وموروث شعبي قديم (أبدعه الأجداد وتوارثه الأحفاد)

"شم النسيم" هو عيد مصري أصيل وموروث شعبي قديم تحتفل به مصرنا الحبيبة في يوم الاثنين الأول بعد عيد القيامة...