عناوين الأخبار السهل الممتنع في لغة الإعلام!

في عالم إعلامي مزدحم بالرسائل، ومتشابك بالعناوين، لم يعد المحتوى الجيد وحده كافيًا ليصل إلى المتلقي إنما مدخل المحتوى هو العنوان باعتباره بوابة العبور الأولى، والفرصة الوحيدة أحيانًا لجذب الانتباه وسط سيل لا ينتهي من الأخبار والمقالات لاسيما في الصياغة التحريرية لشريط الأخبار News Bar من هنا تبرز أهمية ما يُعرف بـ العنوان السهل الممتنع؛ ذلك العنوان الذي يبدو بسيطًا وسلسًا عند القراءة الأولى، لكنه يحمل في داخله عمقًا وإبداعًا يجعله عصيًّا على التقليد أو النسيان.

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق


العنوان السهل الممتنع ليس مجرد مهارة لغوية، بل هو فن إعلامي قائم بذاته، يجمع بين وضوح الرسالة وجاذبية الصياغة، وبين احترام عقل الجمهور وارضاء فضوله.

الركيزة الأولى في صناعة هذا النوع من العناوين الوضوح حيث يخاطب العنوان الجيد المتلقي بلغته، لا بلغة القاموس أو التنظير الأكاديمي، إلا إذا كان الجمهور متخصصًا ويستدعي الأمر ذلك. والبساطة هنا لا تعني السطحية، بل تعني الاختصار الذكي في الكلمات.

العنوان السهل الممتنع يجب أن يمنح فكرة عامة عن مضمون المادة من أول نظرة، دون أن إرهاق أو تضليل في شكل جملة قصيرة مباشرة، ويفضل أن تكون اسمية وغالبًا ما تكون أكثر تأثيرًا من العناوين الطويلة المحمّلة بالحشو ويقول العنوان الناجح الكثير بأقل عدد ممكن من الكلمات.

إذا كان الوضوح شرطًا أساسيًا، فإن الإبداع هو الروح التي تمنح العنوان حياته وهنا يأتي دور التشويق، واللعب الذكي على المعنى، واستخدام الاستعارات اللغوية أو المجازية لإضافة تعبيرات دلالية أعمق.

العنوان الممتنع يثير سؤالًا، أو يلمّح إلى مفارقة، أو يقدّم صورة ذهنية مفاجئة. قد يخاطب مشاعر الجمهور، أو يستفز عقله الجمعي أو يلامس همًّا يشترك فيه الجميع.

كما أن الإيقاع والجرس الموسيقي—من خلال جناس خفيف أو توازن لغوي—يساعدان على تثبيت العنوان في الذاكرة، ويجعلانه قابلًا للتداول والاستدعاء.

من أنجح التقنيات المستخدمة ما يُعرف بـ التقشير اللغوي أي إزالة الزيادات مثلا تبدأ بجملة طويلة تشرح الفكرة الأساسية، ثم تزيل منها كل كلمة زائدة حتى تصل إلى “لبّ” الموضوع. هذه الطريقة تكشف جوهر (العنوان) دون ضجيج كذلك.

تُعد عناوين الاستفهام والاستنكار والتعجب وسيلة فعالة لخلق تفاعل فوري مع القارئ، لأنها تشركه ذهنيًا منذ اللحظة الأولى.

أما المفارقة والتضاد، مثل الجمع بين كلمتين متناقضتين، فتمنح العنوان قوة دلالية عالية.

الربط بين المألوف وغير المألوف، أو استعارة مفردات من عوالم أخرى كالمناخ أو الجسد، يضفي على العنوان بعدًا تصويريًا محببًا. واللغة التصويرية، حين تُستخدم باعتدال، تجعل العنوان أكثر حياة وتأثيرًا من الصياغات الخبرية الجافة.

وسنحاول في السياق التالي تقديم مثال توضيحي:

“تقارير غير الرسمية تؤكد تقدما كاسحا روسيا في الأراضي الأوكرانية”
“تقارير : القوات الروسية تكتسح أراضي اوكرانية !”

لاحظ الفرق بين العنوانين الأول أطول وغير مباشر والثاني اقصر ومباشر وان إزالة ال التعريف في الثاني تفيد التجهيل وتوفر كلمتين (غير الرسمية ) موجودتين في العنوان الأول أما علامة التعجب في الثاني تجعلنا في حالة ترقب خاصة بعد تحويل الصفة ( كاسحا) إلى فعل مضارع.

أخطاء يجب تجنبها:

أخطر الأخطاء هو الغموض المضلّل، حين يكون العنوان جذابًا لكنه لا يعكس مضمون المادة، فيتحول إلى مذاق رخيص يفقد ثقة القارئ. كذلك، يؤدي التكلّف والمبالغة في الإبداع إلى عناوين متصنعة أو غير مفهومة.

عندما يقول المحرر في العنوان.. زيادات متوقعة في المعاشات وتجد في المتن معنى مختلفا تماما وان الخبر لا يعدو أن يكون توقعات غير مؤكدة.

ولا يقل خطورة إهمال الأساسيات في الأخبار التي تتطلب تحديد “من” و“ماذا” و“أين”، أو الإطالة التي تفقد العنوان خفته وسرعته بالإضافة إلى إدخال الأسماء الموصولة إلى نص العنوان.

الخلاصة

العنوان السهل الممتنع هو توازن دقيق بين الوضوح والإغراء، بين المعلومة والإيحاء. إنه وعد مختصر للمتلقي بأن ما سيقرأه يستحق وقته واهتمامه. ولا تأتي صناعته صدفة، بل تحتاج تمرسًا، وقراءة واسعة، وفهمًا عميقًا للجمهور وروح الموضوع.

وهكذا لم يعد في زمن التدفق الاخباري المتلاحق، العنوان ليس مجرد اسم للنص، بل أصبح رسالة مصغّرة، وأداة بقاء حقيقية لأي محتوى يريد أن يصل، ويُقرأ، ويبقى في الذاكرة لهذا قيل من يريد معرفة اخر تطورات الأحداث يكفيه متابعة شريط الاخبار!

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الصياد
الصياد
ابراهيم الصياد
الصياد
الصياد
الصياد
الصياد
الصياد

المزيد من مقالات

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع

لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...

الـ AI في تشخيص الأمراض قبل ظهور الأعراض

لم يعد تشخيص المرض مرتبطًا فقط بظهور الأعراض أو شعور المريض بالألم، إذ يشهد القطاع الصحي تحولًا جذريًا تقوده تقنيات...

فك الاشتباك المهني بين مصطلحي الإعلامي والصحفي!

يختلط على كثيرين اليوم التفرقة بين الإعلامي والصحفي، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان وكأنهما شيء واحد؛ فكل من يظهر على شاشة...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص