بدأ عام 2026 ويحدونا الأمل أن يسترد فيه إعلام ماسبيرو مبنى وكيان مكانته وريادته للإعلام الوطني المصري باعتباره إعلام الخدمة العامة!
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
في السنوات الأخيرة يفترض أن هذا النوع من الإعلام قد شهد تحولاً جوهريًا في فلسفته ووظائفه خاصة منذ الإنتقال الى العصر الرقمي وظهور أشكال جديدة تعتمد على تقنيات الاتصال الجمعي الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي إذ لم يعد الإعلام العمومي المعروف أيضا بـ إعلام الخدمة العامة محصورًا في نقل الأخبار وتغطية الأحداث، بل أصبح فاعلاً استراتيجيًا في صناعة وعي المجتمع وتشكيل الرأي العام.
ويأتي هذا التحول استجابةً مباشرة لهذه لتطورات التكنولوجية المتسارعة، ولطبيعة التحديات المجتمعية المعاصرة التي تتطلب إعلامًا واعيًا، مسؤولاً وقادرًا على التأثير الإيجابي الذي يتمتع بصفة الاستدامة!
في النموذج التقليدي يُنظر إلي الإعلام على أنه وسيط محايد ينقل الوقائع كما هي أما اليوم، فقد بات مطالبًا بلعب دور أكثر عمقًا وتأثيرًا فقد تعدى دوره من مجرد النقل إلى التحليل العميق وبناء الرؤى؛ أي من بث المعلومات إلى تفسيرها ووضعها في سياقها التاريخي والاجتماعي، بما يساعد الجمهور على المرور بمرحلة الإكتفاء المعرفي ثم ينتقل بسلاسة إلى مرحلة الفهم والإدراك وتشكيل الرأي العام وهو ما نسميه عملية تفعيل الوعي!
ونلاحظ أن الإعلام تحوّل من التغطية News Coverage إلى التوجيه وبناء النموذج، prototype وهكذا نرى أنه لم يعد الهدف رصد ما يحدث فقط، بل توجيه طاقات المجتمع نحو مسارات التنمية، وتعزيز قيم السلام، والتسامح، والانتماء!
إلى جانب ذلك، انتقل الإعلام من التركيز على بث الخبر بشكل مهني فقط إلى الاهتمام بصنع المحتوى أو الرسالة التي هي جوهر العمل الإعلامي، حيث يُنتظر من مؤسسات الخدمة العامة أن تكون منارات للحقيقة وحصونًا للدفاع عن الهوية الوطنية وأدوات لترسيخ القيم الإيجابية في مواجهة الفوضى الرقمية التي صاحبت التحول من الإعلام التقليدي إلى الإعلام المدمج.
ويتجلى هنا الدور الاستراتيجي لإعلام الخدمة العامة في عدد من الوظائف الأساسية الجديدة القديمة في آن واحد : أولها التحصين المجتمعي، على اعتبار أن إعلام الخدمة العامة يمثل رحما خلاقا لإنتاج وعي قادر على مقاومة الشائعات والمعلومات المضللة، خصوصًا في أوقات الأزمات وقد برز هذا الدور بوضوح خلال جائحة كورونا، حين شكّل الإعلام التابع للدولة خط دفاع رئيسيًا ضد الخوف والتضليل منطلقا من فكرة الاصطفاف الوطني في أوقات الخطر وأصبح خلالها مصدرا مهما للخبر الصحيح الذي يسعى له المتلقي!
كما يضطلع إعلام الخدمة العامة بدور التربية الإعلامية Media literacy، باعتباره بيئة صحية لعمل مؤسسات التنشئة الاجتماعية فهو لا يقتصر على التوعية وقت الطوارئ، بل يُسهم في بناء شخصية الفرد وتنمية وعيه بالقضايا العامة بشكل دائم.
وفي السياق ذاته، يلعب دورًا محوريًا في مواجهة التضليل، من خلال كشف الحملات الإعلامية المغرضة التي تستهدف تزييف الوعي وتشويه الحقائق، كما هو الحال في التغطيات التي يجب أن ينحاز لبعض القضايا العادلة فيها وعلى رأسها القضية الفلسطينية ومناهضة العدوان على شعب فلسطين في غزة والضفة الغربية. ومن المظاهر المهمة أيضًا تعزيز القوى الناعمة Soft Powers حيث يسهم إعلام الخدمة العامة في بناء صورة إيجابية للدولة وقيمها، محليًا وعالميًا Stereotypes عبر صناعة إعلامية مستدامة تعكس الثقافة الوطنية وتدعم مكانتها في الفضاء الدولي!
ورغم أهمية هذا الدور، يواجه إعلام الخدمة العامة تحديات يأتي في مقدمتها :انتشار الشائعات في البيئة الرقمية، حيث تتيح منصات التواصل الإجتماعي تداول الأخبار الزائفة بسرعة هائلة، ما يهدد الثقة العامة ويُنتج وعيًا مشوشًا نتيجة عدم وجود ضوابط مهنية لمعظم مستخدميها تحدي اخر يبرز تآكل احتكار الخبر، إذ لم يعد الإعلام التقليدي الحارس الوحيد للمعلومة، بعد أن انتقلت أجزاء من هذه السلطة إلى المؤثرين والجمهور نفسه.
تحدي ثالث خطر الخطاب الخفي، المتمثل في محتوى يروّج لقيم وسلوكيات هدامة تحت غطاء الترفيه، فضلاً عن الازدحام المعلوماتي الذي يضع الجمهور أمام سيل متدفق من الأخبار المتناقضة والتحليلات المضللة، ما يصعّب عملية تكوين وعي رصين ومتوازن.
ولمواجهة هذه التحديات، يحتاج إعلام الخدمة العامة إلى تبني استراتيجيات واضحة من أبرزها: التخصص والدقة، عبر الانتقال من الخطاب العام إلى المحتوى المتخصص المدعوم بالأرقام والبيانات. تبرز أهمية الشراكة مع المجتمع، من خلال التعاون مع الجامعات والمراكز البحثية، وإشراك الشباب في صناعة المحتوى، وفتح منصات حوار حقيقية. يعد التنظيم والالتزام بالمواثيق الأخلاقية شرطًا أساسيًا، عبر تطوير مدونات سلوك ومعايير مهنية تضمن العدالة والإنصاف في التغطية ونوصي جميع وسائل الإعلام إصدار كتاب لسياستها التحريرية Style Book
أهمية التثبت والنقد الذاتي، حيث تمثل المصداقية والشفافية صمام أمان للإعلام، إلى جانب تبني آليات مراجعة ومحاسبة داخلية accountability.
وأخيرًا، يظل إنتاج المحتوى المبتكر آداة حاسمة، باستخدام أشكال سرد جذابة ونماذج إبداعية قادرة على إيصال رسائل التوعية بفعالية إلى مختلف فئات المجتمع.
في التحليل الأخير... إن تحول إعلام الخدمة العامة من ناقل للخبر إلى صانع للوعي الجمعي يمثل نقلة نوعية تفرضها متطلبات العصر الرقمي وهو تحول لا يكتمل إلا بتطوير الأدوات، وتعزيز المصداقية، وترسيخ المسؤولية المجتمعية، ليبقى الإعلام قوة بناء لا آداة تضليل وركيزة أساسية من ركائز التنمية المستدامة تحرسها وتضمنها بلا أدنى شك حرية تداول المعلومات!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...
لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...
لم يعد تشخيص المرض مرتبطًا فقط بظهور الأعراض أو شعور المريض بالألم، إذ يشهد القطاع الصحي تحولًا جذريًا تقوده تقنيات...
يختلط على كثيرين اليوم التفرقة بين الإعلامي والصحفي، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان وكأنهما شيء واحد؛ فكل من يظهر على شاشة...