صناعة القوى الناعمة

كان لي الشرف حضور احتفالات عيد النصر في محافظة بورسعيد هذا العام ولمست عن قرب كيفية صناعة القوة الناعمة للفنون عندما تابعت فعاليات مسابقة مواهب أرض بورسعيد التي أدارها باقتدار الفنان الكبير البورسعيدي عبد الرحيم حسن ومعه كوكبة من خيرة أبناء المدينة من الأدباء والشعراء والإعلاميين والصحفيين والمتخصصين في كافة فنون الاتصال.

   إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

 

ورأيت أن الفنون المختلفة يمكن أن تصنع قوة ناعمة عن طريق اكتشاف المبدعين من الأجيال الجديدة التي سيقدر لها أن تتحمل مسؤولية قيادة الوطن في المستقبل في مجالات الادب والفن والإعلام بكافة وسائطه ما جعلني ارصد أهمية تفعيل مفهوم القوة الناعمة؛ في عالم تتراجع فيه فاعلية القوة الصلبة وتزداد فيه تعقيدات السياسة سواء كانت الداخلية والإقليمية والدولية.

وقد برزت "القوة الناعمة" بوصفها أحد أهم أدوات التأثير في العلاقات بين الدول والشعوب فالدول لم تعد تعتمد فقط على الجيوش أو العقوبات الاقتصادية لفرض إرادتها، بل باتت تسعى إلى كسب العقول والقلوب عبر الجاذبية والإقناع وبناء الصورة الذهنية الإيجابية.

يعود مفهوم القوة الناعمة (Soft Power) إلى الأكاديمي الأمريكي جوزيف ناي في تسعينيات القرن الماضي، ويقصد به قدرة الدولة على التأثير في سلوك الآخرين من خلال الجذب، لا الإكراه.

وتنبع هذه القدرة من منظومة القيم والثقافة والسياسات التي تجعل الآخرين يرغبون في الاقتداء بتجربة ما أو التعاون معها طوعًا.

وتلعب السياسات الخارجية دورًا محوريًا في بناء القوة الناعمة وتدعمها المساعدات الإنسانية والتنموية، والدبلوماسية العامة القائمة على الحوار والتفاهم الثقافي.

وتتنوع آليات صناعة القوة الناعمة بين الدبلوماسية العامة، مثل برامج التبادل الثقافي والمؤسسات الثقافية الدولية والقنوات الإعلامية العابرة للحدود، والدبلوماسية الرقمية التي توظف وسائل التواصل الاجتماعي والمحتوى الرقمي والحملات الإلكترونية المؤثرة.

كما تبرز المشاركة الفاعلة في المنظمات الدولية وقيادة المبادرات العالمية واحترام القانون الدولي كمسارات لتعزيز الحضور والتأثير.

كذلك يمثل التعليم والابتكار ركيزة مهمة، إذ تسهم جودة التعليم، والتقدم العلمي، وبرامج التبادل الأكاديمي في ترسيخ مكانة الدولة كنموذج معرفي جذاب؛ ولا يقل عن ذلك أهمية عن الاقتصاد كقوة صلبة.

ورغم أهميتها، تواجه القوة الناعمة تحديات متعددة، أبرزها التناقض بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية، وشدة المنافسة الثقافية في ظل العولمة، وسرعة تغير التصورات والصور الذهنية، فضلًا عن صعوبة قياس تأثيرها بصورة كمية مباشرة.

وقد حققت دول عديدة نجاحات لافتة في هذا المجال؛ فاستثمرت كوريا الجنوبية في "الموجة الكورية" عبر الدراما والموسيقى، ورسخت اليابان حضورها العالمي من خلال ثقافة الطعام، فيما قدمت الدول الإسكندنافية نموذجًا جاذبًا للرفاهية الاجتماعية والمساواة، واعتمدت ألمانيا على الدبلوماسية العلمية والصناعية.

في المحصلة، تمثل صناعة القوة الناعمة عملية استراتيجية طويلة الأمد، وتقوم على الاستثمار في الإنسان والثقافة والمعرفة، وعلى الاتساق بين الخطاب والممارسة. وهي اليوم أداة لا غنى عنها لبناء النفوذ، وتعزيز التعاون، وصناعة السلام في عالم شديد الترابط والتنافس.

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الصياد

المزيد من مقالات

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع

لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...

الـ AI في تشخيص الأمراض قبل ظهور الأعراض

لم يعد تشخيص المرض مرتبطًا فقط بظهور الأعراض أو شعور المريض بالألم، إذ يشهد القطاع الصحي تحولًا جذريًا تقوده تقنيات...

فك الاشتباك المهني بين مصطلحي الإعلامي والصحفي!

يختلط على كثيرين اليوم التفرقة بين الإعلامي والصحفي، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان وكأنهما شيء واحد؛ فكل من يظهر على شاشة...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص