مع نسائم شهر أكتوبر كل عام يتذكر المصريون نصرا عزيزا قاتلوا من أجله ودفعوا مقابله أثمانا غالية من دمائهم الطاهرة، ليستردوا جزءا غاليا وعزيزا من أرض الوطن مهما كان الثمن ومهما كانت التضحيات.. نصر أكتوبر 1973.
حدث فريد ونقطة تحول في مسار الصراع العربي الإسرائيلي .. ملحمة عسكرية مصرية متكاملة الأركان فرضت نفسها على العالم لتمحو أسطورة طالما رددتها إسرائيل أنها الجيش الذي لايقهر.
فى الساعة الثانية بعد ظهر يوم 6 أكتوبر 1973 كانت إسرائيل ما تزال تبدو أمام العالم قلعة عسكرية منيعة لا يمكن اقتحامها، ولكن هذه الأوهام الإسرائيلية لم تلبث أن تبددت منذ الساعات الأولى من القتال.
ومع المواجهة لم تتحمل القوات الإسرائيلية هول صدمة المفاجأة وانهارت نظرية الأمن الإسرائيلي بكل أسسها ومقوماتها وانهارت نظرية الأمن الإسرائيلي بكل أسسها ومقوماتها، وأصيب الشعب الإسرائيلي بصدمة عنيفة وصفها بعض المحللين العسكريين بالعبارة الشهيرة "زلزال في إسرائيل" بعد أن نجحت القوات المصرية في اقتحام قناة السويس وإجتياح حصون خط بارليف.
* التمهيد للحرب
في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كانت نكسة يونيو 1967، وسقطت سيناء وغزة والجولان بيد إسرائيل، وتبعتها الضفة الغربية والقدس.
بعد انكسار 1967، روج العدو الإسرائيلي عن نفسه أكذوبة "الجيش الذى لا يقهر"، مستندا إلى الخسائر الكبيرة التى لحقت بالجيش المصرى، والتى عبر عنها موشى ديان وزير دفاعهم الأسبق حينما قال "مصر تحتاج إلى نحو 50 عاما لإعادة بناء ما تم تدميره في حرب 5 يونيو 1967".
ولترسيخ الوضع القائم بدأت إسرائيل في بناء وتدعيم خط المواجهة شرق القناة، ليصبح من المستحيل اجتيازه، واعتمدت في ذلك على فكرة التحصين "الثلاثى" ليصبح من المستحيل على أي جيش مجرد التفكير في شن هجوم أو عبور القناة، حيث زرعت أنابيب النابالم الحارقة في جوف مياه القناة، لتطلقها عند الحاجة.
كما أنشأت ساترا ترابيا مهولا أعلى الشاطئ الشرقي للقناة، يتراوح ارتفاعه من 20 إلى 22 مترا ويميل بشكل حاد بانحدار 45 درجة لمنع أي شخص من عبوره، ثم خط بارليف الذى قال عنه الخبراء العسكريون في العالم أنه أقوى خط دفاعي فى التاريخ الحديث، حيث يمتد حتى عمق 12 كم داخل شبه جزيرة سيناء على امتداد الضفة الشرقية للقناة بطول 170 كم ويضم 22 موقعا دفاعيا، و36 نقطة حصينة.
بعد شهور من النكسة.. بدأت ملحمة تحرير سيناء، والتجهيز لحرب التحرير، وفي يونيو 1968 انطلقت حرب الاستنزاف التي نقلت الإستراتيجية المصرية من مرحلة الصمود إلى مرحلة الردع.
في 28 سبتمبر 1970، رحل الرئيس عبد الناصر، ليتولى المنصب بعده محمد أنور السادات الذي لم يكن أمامه من خيار سوى الإعداد لتحرير الأرض المحتلة، وهو ما استمر على مدار أكثر من عامين.
* إعداد الدولة للحرب
شهدت عملية إعداد الدولة للحرب مشاركة أجهزة ومؤسسات عديدة واشتراك القيادات، بكل مستوياتها، ومشاركة الشعب بمختلف طوائفه واستخدام كل الإمكانات المتاحة والطاقات الممكنة، الفعالة والكامنة من أجل استرداد سيناء من العدو الإسرائيلي.
- إعداد القوات المسلحة
استطاعت مصر أن تعيد بناء القوات المسلحة وتكوين قيادات ميدانية جديدة، كما تم استحداث الجيشين الثاني والثالث الميدانيين، وإعداد القيادات التعبوية الجديدة، وإعادة تشكيل القيادات في السلاح الجوى، وإدخال نظم تدريب على كل ما هو أساسي للحرب، وكذلك التدريب على مسارح مشابهة لمسرح عمليات الحرب.
فتم إنشاء سواتر ترابية مماثلة لخط بارليف وتدريب القوات على عبورها، كما احتفظت القوات المسلحة بالقوة الرئيسية من المجندين دون تسريحهم بعد انتهاء فترة تجنيدهم حتى أن بعض المجندين استمروا في تجنيدهم لمدة 7 سنوات.
كما استعدت القوات المسلحة للحرب بكل ما هو حديث في تكنولوجيا التسليح وقامت بتطوير أسلحة المشاه واستبدلت الدبابات القديمة بالجديدة وتم إحلال المدفعية القديمة بأخرى متطورة.
وتم الدفع بطائرات حديثة وإدخال طرازات جديدة من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، إلى جانب الصواريخ طويلة المدى وكذلك تطوير معدات المهندسين العسكريين وأجهزة الكشف عن الألغام وإدخال أسلحة غير تقليدية ابتكرها مهندسون مصريون مثل قاذفات اللهب المحمولة على الأكتاف ومسدسات المياه التى استخدمت فى هدم خط برليف الرملى.
كما أصدرت القيادة العامة توجيهاتها قبل الحرب للتدريب على العمليات بدأ من إعداد الجندي للقتال حتى إعداد الوحدة والوحدة الفرعية للتشكيل للحرب، والتدريب على أسلوب اقتحام الموانع المائية والنقاط القوية المشرفة على حمايتها.
كذلك إجراء المشروعات سواء على مستوى القيادة التعبوية والإستراتيجية، أو المشروعات التكتيكية للجنود على موضوعات الهجمة المنتظرة من العدو، واستمرار وتكرار هذه المشروعات ضمن ما سمي "خطة الخداع الاستراتيجى" التى وضعها المشير محمد عبد الغنى الجمسي والتي أوحت للعدو وقتها بعدم جدية مصر في اتخاذ قرار الحرب.
- الإعداد السياسي
سعت مصر إلى المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، وإلى الدول العظمى خاصة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، وحققت مكاسب دبلوماسية من هذه التحركات تمثلت فى إدانة العدوان الإسرائيلى على مصر والأراضى العربية، وإصدار القرار رقم 242 من الأمم المتحدة الذى يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضى المحتلة، إلا أن إسرائيل لم تنفذ القرار واستمرت فى الاحتلال.
كما استمر سعى مصر لقبول مبادرات السلام التى أعلنت فى ذلك الوقت مثل مبادرتى "يارنج" و"روجرز"، بالإضافة إلى مبادرات مصرية عديدة للسلام، إلا أن إسرائيل أعلنت من جانبها رفضها هذه المبادرات.
وبعد تولي الرئيس الراحل أنور السادات مقاليد الحكم في عام 1970، قام بدور دبلوماسي كبير واستطاع أن يوحد القوى العربية فى تحالف واحد قوى والتنسيق معهم على تنفيذ الحرب واستعادة الأرض فى ظل تعنت إسرائيل ورفضها لكل سبل السلام، وتجلت تحركات السادات وعصمت عبدالمجيد في الأمم المتحدة وكواليسها للتغطية على استعدادات مصر للحرب. - الإعداد الاقتصادى
تحول الاقتصاد المصرى قبل حرب العاشر من رمضان إلى "اقتصاد الحرب"، وذلك بمعنى تعبئة جميع المصانع ومنتجاتها لاستيفاء اجتياجات القوات المسلحة أولا، كما لجأت مصر ضمن خطتها فى خداع العدو إلى توقيع تعاقدات دولية لتوريد السلع الإستراتيجية مثل القمح على مدد زمنية غير منتظمة حتى لا تلفت انتباه العدو إلى أن الدولة تقوم بتخزينها، وقد تم تحقيق الاحتياطى اللازم من هذه السلع ليكفى احتياجات الدولة لمدة 6 أشهر قبل الحرب مباشرة.
* الضربة الجوية .. مفتاح الانتصار بدأت الحرب يوم السبت السادس من أكتوبر بهجوم مفاجئ وسطرت قواتنا المسلحة ملحمة بطولية شهد لها العالم، وجاءت أعمال قتال القوات الجوية في الطليعة، حيث قامت بالعديد من البطولات منها الضربة الجوية الأولى التي أفقدت العدو توازنه في بداية الحرب.
كانت الضربة الجوية الرئيسية مكونة من أكثر من 200 طائرة مقاتلة لضرب الأهداف المعادية الإسرائيلية المحددة لها داخل سيناء المحتلة، وقد تمت الضربة الجوية في صمت لاسلكي تام لتجنب أي عمليات تصنت معادية يمكن أن تكشف الهجوم المصري.
ومرت التشكيلات الجوية على ارتفاع منخفض جدا وفى مسارات تم اختيارها بعناية لتفادي وسائل كشف الدفاع الجوي المعادي، وكان لذلك المرور فوق تشكيلاتنا وقواتنا البرية عظيم الأثر في رفع معنويات الجنود المقاتلين على الأرض، وكانت مؤشرا لبدء ملحمة مشتركة من البطولة للقوات المسلحة المصرية.
عبرت الطائرات كلها في وقت واحد خط القناة، حيث تم ضرب مركز القيادة الرئيسي للعدو في منطقة "أم مرجم" لمنع سيطرته وعزله عن قواته، ثم تتابع بعد ذلك ضرب الأهداف المخطط التعامل معها بنسبة نجاح تزيد على 90%.
وتم ضرب 3 ممرات رئيسية في 3 مطارات هي "المليز وبيرتمادا ورأس نصراني"، بالإضافة إلى 3 ممرات فرعية في نفس المطارات، وكذلك تدمير 10 مواقع بطاريات للدفاع الجوي من طراز هوك و2 موقع مدفعية ومركز حرب إلكترونية والعديد من مواقع الشئون الإدارية.
استمرت هذه الضربة حوالى 30 دقيقة، ونظرا لنجاحها في تنفيذ أكثر من 90% من المهام المكلفة بها تم إلغاء الضربة الجوية الثانية لعدم الحاجة إليها.
* عبور القناة
تمكن الجيش المصري من عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف، وتدمير مواقع الجيش الإسرائيلي وبدأ أكثر من 2000 مدفع ثقيل قصفه لمواقع العدو في نفس اللحظة التي عبرت فيها سماء القناة طائرات الضربة الجوية الأولى.
وفي نفس الوقت كان آلاف المقاتلين بدأوا النزول إلى مياه القناة واعتلاء القوارب المطاطية والتحرك تحت لهيب النيران نحو الشاطئ الشرقي للقناة، بعد ذلك بدأت عمليات نصب الكباري بواسطة سلاح المهندسين.
* وقف الأعمال العسكرية
بعد اليوم السادس عشر من بدء حرب أكتوبر، تم إصدار القرار رقم 338 والذي يقضي بوقف جميع الأعمال العسكرية بدءا من 22 أكتوبر وذلك بعد تدخل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأعضاء في مجلس الأمن، والذي قبلته مصر ونفذته مساء يوم صدور القرار.
إلا أن خرق القوات الإسرائيلية للقرار أدى إلى إصدار مجلس الأمن قرارا آخر يوم 23 أكتوبر يلزم جميع الأطراف بوقف إطلاق النار والذي التزمت به إسرائيل ووافقت عليه، ودخولها في مباحثات عسكرية للفصل بين القوات الأمر الذي أدى إلى توقف المعارك يوم 28 أكتوبر بوصول قوات الطوارئ الدولية إلى جبهة القتال على أرض سيناء.
وفي نهاية الحرب عمل وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر وسيطا بين الجانبين ووصل إلى اتفاقية هدنة لا تزال سارية المفعول بين سوريا وإسرائيل، بدلت مصر وإسرائيل اتفاقية الهدنة باتفاقية سلام شاملة في "كامب ديفيد" 1979.
وانتهت الحرب رسميا بالتوقيع على اتفاقية فك الاشتباك في 31 مايو 1974 حيث وافقت إسرائيل على إعادة مدينة القنيطرة لسوريا وضفة قناة السويس الشرقية لمصر مقابل إبعاد القوات المصرية والسورية من خط الهدنة وتأسيس قوة خاصة للأمم المتحدة لمراقبة تحقيق الاتفاقية.
ومن أهم نتائج الحرب استرداد السيادة الكاملة على قناة السويس، واسترداد جميع الأراضي في شبه جزيرة سيناء، واسترداد جزء من مرتفعات الجولان السورية بما فيها مدينة القنيطرة وعودتها للسيادة السورية.
كما أن هذه الحرب مهدت الطريق لاتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل والتي عقدت في سبتمبر 1978 على إثر مبادرة أنور السادات التاريخية في نوفمبر 1977 وزيارته للقدس، وأدت الحرب أيضا إلى عودة الملاحة في قناة السويس في يونيو 1975.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
الزيارات والاجتماعات التي قام بها وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، محمد عبد اللطيف، مع وفد رفيع المستوى من البرلمان الياباني...
في إطار جهود الحكومة لمواجهة الشائعات وملاحقة ما ينشر على مواقع التواصل الإجتماعي ومتابعة اصولها والتصدي لها بإظهار الحقيقة..
مع بداية العام الجديد 2026.. جاء إطلاق وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، خطتها الجديدة التي تتضمن تنفيذ العديد من المشروعات...
في إطار التزام الدولة بتعزيز كفاءة واستدامة منظومة التأمين الصحي الشامل، تواصل الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل تطوير آليات العمل...