هل تستطيع دول الناتو تحمل فاتورة إعادة التسلح؟

لم يعد الإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) مجرد بند في الموازنات العامة، بل تحول إلى رهان اقتصادي طويل الأجل قد يعيد تشكيل أولويات الإنفاق في أكبر اقتصادات العالم. فبعد اتفاق قادة الحلف على رفع مستهدف الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، تدخل الدول الأعضاء مرحلة جديدة عنوانها: كيف يمكن تمويل إعادة التسلح دون إرباك الاقتصاد؟

ويعكس القرار تحولًا كبيرًا في استراتيجية الحلف، إذ لم يعد الهدف مقتصرًا على تعزيز الجاهزية العسكرية، بل يمتد إلى إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية، وزيادة إنتاج الذخائر والأسلحة، وتطوير أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، والاستثمار في التقنيات العسكرية المتقدمة، في ظل بيئة أمنية أكثر تعقيدًا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.

وتبدو الصناعات الدفاعية المستفيد الأول من موجة الإنفاق الجديدة.. فرفع الموازنات العسكرية يعني تدفق عقود بمليارات الدولارات إلى الشركات المنتجة للأسلحة والذخائر والطائرات وأنظمة الدفاع، وهو ما يدفع تلك الشركات إلى توسيع مصانعها، وزيادة الطاقة الإنتاجية، والاستثمار في البحث والتطوير.

ولا تتوقف المكاسب عند شركات السلاح، إذ تمتد إلى قطاعات الصلب والإلكترونيات وأشباه الموصلات والطيران والفضاء والخدمات اللوجستية، بما يعزز النشاط الصناعي ويوفر فرص عمل جديدة، ويمنح الاقتصادات الأوروبية دفعة استثمارية تحتاجها في ظل تباطؤ النمو.

كما يسعى الناتو إلى توحيد مواصفات المعدات العسكرية وتشجيع المشتريات المشتركة بين الدول الأعضاء، بما يرفع كفاءة الإنتاج ويخفض التكاليف، ويحد من الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية.

لكن رفع الإنفاق الدفاعي لا يعني فقط شراء المزيد من الأسلحة، بل يتطلب استثمارات ضخمة في تحديث المصانع، وتأهيل العمالة، وتأمين المواد الخام، وتطوير البنية التحتية العسكرية، بما يشمل الموانئ والسكك الحديدية وشبكات النقل القادرة على دعم التحركات العسكرية.

كما أن الوصول إلى مستهدف 5% يعني أن العديد من الحكومات ستضطر إلى تخصيص مئات المليارات من الدولارات الإضافية خلال السنوات المقبلة، وهو ما يزيد الضغوط على الموازنات العامة في وقت لا تزال فيه أوروبا تواجه تحديات تتعلق بارتفاع الديون، وتباطؤ النمو، والإنفاق على الرعاية الصحية، والتحول إلى الطاقة النظيفة.

التحدي الأكبر لا يكمن في إعلان زيادة الإنفاق، وإنما في القدرة على تمويلها. فبعض الاقتصادات الأوروبية لا تزال تعاني عجزًا ماليًا وارتفاعًا في كلفة الاقتراض، ما قد يفرض عليها خيارات صعبة، مثل زيادة الضرائب، أو خفض الإنفاق في قطاعات مدنية، أو توسيع الاقتراض العام.

وفي المقابل، تمتلك اقتصادات مثل ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا قاعدة صناعية ومالية تمنحها مرونة أكبر، إلا أن حتى هذه الدول تواجه ضغوطًا متزايدة لتحقيق التوازن بين تعزيز الإنفاق العسكري والحفاظ على الانضباط المالي.

ويرى اقتصاديون أن نجاح خطة إعادة التسلح لن يعتمد على حجم الأموال المرصودة فقط، بل على قدرة الدول على تحويل هذه الأموال إلى طاقات إنتاجية حقيقية، إذ لا تزال المصانع الأوروبية تواجه نقصًا في العمالة الماهرة، وارتفاعًا في تكاليف الإنتاج، وطول دورة تصنيع المعدات العسكرية.

ويعتقد مؤيدو رفع الإنفاق الدفاعي أن هذه الاستثمارات قد تتحول إلى محرك للنمو، عبر تنشيط القطاع الصناعي، وتعزيز الابتكار، وخلق فرص عمل، فضلًا عن تطوير تقنيات يمكن أن تجد تطبيقات مدنية في المستقبل.

في المقابل، يحذر آخرون من أن استمرار توجيه موارد مالية ضخمة إلى قطاع الدفاع قد يأتي على حساب الاستثمار في التعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، بما قد يحد من وتيرة النمو الاقتصادي على المدى الطويل إذا لم يصاحبه توسع في الإيرادات والإنتاج.

دول الناتو تبدو أمام معادلة دقيقة؛ فتعزيز القدرات العسكرية أصبح أولوية استراتيجية، لكن نجاح هذا المسار سيقاس بقدرة الاقتصادات على تمويل إعادة التسلح دون الإخلال باستقرارها المالي.

وبين متطلبات الأمن وضغوط الاقتصاد، ستحدد السنوات المقبلة ما إذا كانت أوروبا قادرة على خوض سباق التسلح الجديد دون أن تدفع ثمنًا اقتصاديًا باهظًا.

 

ايمان صلاح

ايمان صلاح

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير اقتصاد

هل تستطيع دول الناتو تحمل فاتورة إعادة التسلح؟

لم يعد الإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) مجرد بند في الموازنات العامة، بل تحول إلى رهان اقتصادي طويل...

تداولات بورصة مصر تتجاوز 2.6 تريليون جنيه خلال يونيو 2026

تجاوزت قيمة التداولات في البورصة المصرية حاجز 2.6 تريليون جنيه خلال شهر يونيو 2026، مدفوعة بزيادة ملحوظة في قيم وأحجام...

25 مليار جنيه.. مكاسب سوقية لأسهم مصر في أسبوع

أغلقت البورصة المصرية تداولات الأسبوع الذي اقتصر على أربعة جلسات فقط بمناسبة إجازة ذكرى ثورة 30 يونيو على تباين بالمؤشرات.

الرياضة.. اقتصاد عالمي يتجاوز حدود الملاعب

بالتزامن مع فعاليات كأس العالم لكرة القدم.. ما القيمة الاقتصادية للنشاط الرياضي حول العالم وكيف يمكن ان يكون اداة للنمو...