في توصيف لافت يعكس حجم القلق الأوروبي من التحولات الدولية المتسارعة، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن “أوروبا عادت للتو من عطلة طويلة”، في إشارة مباشرة إلى ما اعتبره سنوات من الاطمئنان الزائد والاستقرار النسبي، انتهت الآن مع دخول العالم مرحلة جديدة تتسم بالصراع وعدم اليقين وتتطلب التسلح بالاقتصاد والتكنولوجيا.
وجاءت تصريحات ميرتس خلال كلمته أمام مؤتمر ميونخ للأمن، حيث أكد أن النظام العالمي الذي عرفته أوروبا لم يعد قائما، وأن القارة تواجه بيئة استراتيجية مختلفة جذريا، تتراجع فيها مظلة الأمان التقليدية، وتتقدم فيها مخاطر الصراع الجيوسياسي وتنافس القوى الكبرى.
المستشار الألماني أشار بوضوح إلى أن الدور القيادي للولايات المتحدة على الساحة الدولية يواجه تحديات غير مسبوقة، وربما يشهد تراجعا نسبيا، ما يفرض على الأوروبيين إعادة النظر في اعتمادهم التاريخي على واشنطن في ملفات أبرزها الاقتصاد. وفي هذا السياق، تحدث ميرتس عن “عودة صراع القوى الكبرى”، معتبرا أن روسيا تسعى إلى كسر النظام الدولي القائم والدفع نحو عالم متعدد الأقطاب، بينما تعمل الصين على إعادة تشكيل النظام العالمي وفرض نفسها لاعبا قياديا اقتصاديا وتكنولوجيا.
وفي تقييم صريح لقدرات القارة العجوز، أقر ميرتس بأن أوروبا تمتلك إمكانات هائلة، لكنها فشلت حتى الآن في تحويل هذه الإمكانات إلى قوة فعلية مؤثرة. وضرب مثالا لافتا بقوله إن الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي يفوق نظيره الروسي بعشر مرات، ومع ذلك فإن أوروبا ليست أقوى بعشر مرات من روسيا، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الإمكانات النظرية والقدرة العملية.
ميرتس شدد على أن الصراع العالمي المقبل لن يكون عسكريا فقط، بل اقتصاديا وتكنولوجيا في المقام الأول.
وأوضح أن السيطرة على المواد الخام الاستراتيجية، والتكنولوجيا المتقدمة، وسلاسل الإمداد العالمية، ستحدد شكل النظام العالمي الجديد، داعيا أوروبا إلى التحرك سريعا لضمان أمنها الاقتصادي والصناعي.
وفي هذا الإطار، دعا المستشار الألماني إلى إعادة تنظيم الأولويات الاقتصادية الأوروبية، وتعزيز الاستثمار في الابتكار، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الحديثة، إلى جانب تخفيف القيود التنظيمية وتقليص البيروقراطية التي تعيق تنافسية الشركات الأوروبية في مواجهة نظيراتها الأمريكية والصينية.
قمة ميونخ للأمن 2026 شهدت، بحسب مراقبين، تصاعدا واضحا في نبرة القلق الأوروبي، مع تكرار الدعوات إلى توحيد الصفوف وبناء قوة أوروبية مستقلة وقادرة على المنافسة. فالقارة التي كانت تمثل يوما ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، تجد نفسها اليوم متراجعة أمام الهيمنة الأميركية في مجالات التكنولوجيا والتمويل والطاقة، وأمام الصعود الصيني المتسارع في الصناعة وسلاسل التوريد.
أوروبا التي حكمت العالم يوما ما، تواجه اليوم تحديات مركبة تشمل الانقسامات الداخلية، والضغوط الاقتصادية، والتحولات الديموغرافية، وتراجع النفوذ الجيوسياسي. ومع ذلك، يرى ميرتس أن الفرصة لا تزال قائمة، شرط الاعتراف بأن العالم تغير، وأن “العودة من العطلة” تتطلب قرارات صعبة وشجاعة سياسية حقيقية.
ويبقى السؤال مفتوحا هل تنجح أوروبا في استعادة وزنها الاستراتيجي، وتتحول إلى قوة فاعلة في عالم يتنافس فيه الكبار؟ أم تظل لاعبا ثانويا في سباق القوى العظمى بين الولايات المتحدة والصين وروسيا؟
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتزايد فيها التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المنطقة العربية، تستمر العاصمة المصرية، القاهرة، في تأكيد...
خلال الربع الأول من عام 2026، شهدت البورصة المصرية أداءً متباينًا في ظل تحركات متفاوتة للمؤشرات الرئيسية، ونشاط ملحوظ في...
خلال الأسبوع الأخير من مارس.. تراجع المؤشر الرئيسي لأسهم مصر وصعد المؤشر السبعيني بينما زادت القيمة السوقية للأسهم بنحو 20...
نشر المركز الإعلامي لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، تقريرا تضمن أبرز جهود الوزارة خلال الأسبوع الماضي في تنفيذ استراتيجية الدولة لتحقيق...