الدكتور عاصم الدسوقى: التعاون المصرى الروسى يُحقق الحرية والاسـتقلال

تكتسب العلاقات المصرية- الروسية مكانة غير عادية فى تاريخ وطننا، لارتباطها بأحداث مفصلية ومشروعات مؤثرة.. هذا ما حدث فى السابق.. ولا يزال ممتدا حسب وصف المؤرخ الكبير الدكتور عاصم الدسوقى.

التفاصيل كثيرة.. فى المواقف السياسية والمشروعات التنموية المشتركة، وكذلك المحطات المهمة والحاسمة فى مستقبل هذه العلاقات.. وهذا ما اخترنا أن نستعرضه مع المؤرخ الكبير عبر حوار خاص لـ"الإذاعة والتليفزيون"..

تتميز العلاقات المصرية الروسية بالشراكة لعقود طويلة فما السر فى رأيك ؟

روسيا فى زمن الإتحاد السوفيتى اقتربت من مصر.. لأن مصر هى مركز الشرق الأوسط، والذى يريد أن يكون له حضور فى الشرق الأوسط لا بد وأن يكون له حضور فى مصر، وفى هذا الخصوص تحضر كلمة الرئيس الأمريكى ايزنهاور أثناء العدوان الثلاثى عام 1956 وكان معترضًا على هذا العدوان، حيث  كان مشغولًا وقتها بما يحدث فى المجر، وقال الشرق الأوسط مثل الزرافة ورقبة هذه الزرافة هى مصر.. ومن يريد أن يمسك فى الشرق الأوسط فليمسك رقبتها، ومن ثم هذه العبارة تشير إلى أهمية مركز مصر، ومن ثم صنع مودة معها مهم جدا، لأن صنع علاقات جيدة مع مصر كان يضمن للحليف علاقات جيدة مع العالم العربى كله.. والعكس، والتقارب وصنع علاقات جيدة مع الشركاء مرتبط بما يسمى فى علم السياسية وما يطلق عليه المؤرخين بمصطلح المصالح والمنافع المتبادلة بين الدول، وهو أمر بديهى، وهناك حكمة فى اللغة تسمى المصالح تتصالح.

 كيف تنظر لمحطات التعاون بين مصر وروسيا ؟

بالطبع اختلفت شكل العلاقات من حقبة سياسية لأخرى، وقت الرئيس عبد الناصر حصل اندماج وتعاون كامل بين مصر والاتحاد السوفيتى، ومع السادات بدأ التعاون يختلف لأنه بعد  حرب أكتوبر وكامب ديفيد تغيرت شكل العلاقات، وفى عهد الرئيس مبارك اتسمت العلاقات بالتوازن، واليوم روسيا موجودة وفاعلة بمصر، والعديد من مناطق الصراع فى الشرق الأوسط.. لمقابلة الهيمنة الأمريكية، فنجد أن روسيا تواجه الهيمنة الأمريكية بالوقوف مع إيران فى حربها الأخيرة، خاصة مع المنافسة العالمية على امتلاك السلاح النووى، حيث أصبح من يمتلك السلاح النووى يصبح سيد العالم، باعتباره أصبح يمتلك ما يهدد به العالم، وهذا السلاح هو الصراع العالمى الجديد، فهو سلاح جاهز للرد على أى ضربات نووية، وهذا هو الموقف العالمى الموجود اليوم، وهى منافسة خطيرة، وبالطبع السلاح الروسى له دور فاعل.. وروسيا يهمها أبعاد نفوذ امريكا عن المنطقة، وكل هذه الصراعات من أجل حماية الحدود والنفوذ.

 حدثنا عن العلاقات التاريخية بين مصر وروسيا ؟

الاتجاه الاشتراكى الذى تزعمته روسيا فى الثورة البلشفية كما هو معروف  سنة 1917، وتخلت عن النظام الشيوعى تدريجيا، واريد ان أوضح  أن الكثير كان يترجمها كمعنى للالحاد، لكن الشيوعية باتت ترجمة لكلمة عام.. ومن ثم ملكية عامة وليست خاصة، وليست معناها الإلحاد أو الكفر، ومن ثم الأمة أو الدولة تمتلك ما لديها من أجل الجميع.. ولا يصح أن تقع مصادر الثروة فى يد قلة من أصحاب رأس المال، ويسيطرون على البلد، ولذلك فى عهد عبد الناصر ظهر مصطلح الاشتراكية الإسلامية، وعبد الناصر كان يقصد أننا لسنا شيوعيين بمعنى الإلحاد.. وإنما نحن بلد إسلامى،  وسعى لتنظيم وسائل الإنتاج من خلال التأميم.. لأن التأميم هنا معناه ملكية الأمة بدلا من ملكية الأفراد، وعبد الناصر قال إن مبادئ قوة الشعب هم العمال والفلاحين، وذكر الرأسمالية، ولكن كان يقصد الرأسمالية الوطنية، وهى قوى الشعب من العمال والفلاحين، ولم يكن مصطلح العمال والفلاحين موجودًا من قبل فى دسنور 23، إنما قال عبد الناصر الرأسمالية الوطنية فى إشارة إلى أصحاب رأسمال من مؤسسات وأفراد.. ويكونون ملتزمين بسياسات الدولة والتسعير، فشركة قها مثلا التى تنتج الصلصة كان التاجر ليس له الحق سوى بتسعيرتها.. ممكن أقل من سعرها وليس أعلى من تسعيرتها، وكانت الجمعيات الاستهلاكية ملتزمة بأسعار الدول، وقد كان عبد الناصر نموذجًا للرئيس الوطنى، فبعد التأميم سنة 62 كان هناك 10  آلاف خريج جامعة فى مصر لا يعملون، والخريجون هؤلاء من كليات متنوعة، وكانت المصانع لا تشتغل، ولم تكن هناك مواعيد عمل لزيادة الإنتاج بنفس الراتب، لكن بعد التأميم صدر قرار بتعيينهم فى كل المؤسسات التى تم تأميمها، وتراجعت الدولة بعد ذلك عن هذه السياسية، وعبد الناصر كان حليفًا قويًا لروسيا، وصديقًا قديمًا، وظهر ذلك فى الصحف وفى الزيارات الرسمية، وكانت الاتصالات قائمة للحفاظ على قوة العلاقات.. على عكس عهد السادات، وحافظ الرئيس مبارك على توازن العلاقات، واليوم الرئيس السيسى يعيد العلاقات مع روسيا لعصرها الذهبى.

 ذكرت فى أحد تصريحاتك أن فكرة السد العالى أسبق من الرئيس عبد الناصر.. حدثنا عن ذلك ؟

الفكرة كاانت بالطبع موجودة قبل إنشاء السد العالى.. عبر خزان أسوان، وكانت البداية عبر هذا الخزان عام 1902 ثم حدثت تعلية عام 1911 ثم تعلية ثالثة عام 1929، ثم حدث اتفاق مائى لكى يصبح هناك نصيب محدد لكل بلد، ويبدأ النصيب المائى بمصر ثم السودان ثم دول  المنبع، وحينما توسع الرئيس عبد الناصر فى الزراعة.. وجد أن المياه لم تعد تكفى، والتعلية لم تعد حلًا، ومن ثم جاءت فكرة إنشاء السد العالي.

 ما دور السد العالى  فى حياة المصريين ؟

السد العالى وفر بعد إنشائه المنتجات الزراعية، وقلل من الاستيراد، ففى العهد الملكى.. وقبل بناء السد العالى، البلد فى ضوء عدد السكان وقتها لم يكن أحد يشعر بمشكلة كبرى، لكن الاحتلال البريطانى بقوته كان يستولى على المحاصيل الزراعية، ثم يعاد تصنيعها وتصديرها مرة أخرى إلى مصر، ولكن بأسعار مرتفعة، ففى كل الأحوال كان رأس المال يحكم، وكان يحدث سيطرة رأس المال.. وليس عليه رقابة، إنما بعد بناء السد العالى اختلفت حياة المصريين، خاصة فى قطاع الكهرباء، ففى أحياء كاملة فى القاهرة.. من حارات فى حى الحلمية والسيدة زينب وغيرهما.. كانت مظلمة، وتعيش على اللمبة الجاز، والأرياف أيضًا كانت تعيش فى الظلام، وجاء السد العالى لينير حياة المصريين.

 هل الأوضاع المعيشية قبل بناء السد العالى تختلف عن الأوضاع بعد بنائه ؟

بالطبع.. وهذا نعرفه من أهمية السد العالى فى توفير المنتجات الزراعية وتقليل الاستيراد، أما قبل بناء السد العالى فكان اعتمادنا الرئيسى على الاستيراد، وكان الإنتاج محدودًا، وكان الاحتلال البريطانى يستولى على خيرات مصر، وكان همهم الرئيسى الربح، وكان رأس المال هو الذى يحكم، وهو الذى يتحكم، فهو فى الحكم وهو من يملك القرار، ولا أحد يشعر بالفقير أو المحتاج، والكهرباء وتعميمها فى الريف المصرى كان أحد أهم مكاسب بناء السد العالى، فالسد العالى أهم مشروع فى حياة المصريين.

 كمؤرخ كيف تنظر إلى أهمية السد العالى اليوم؟

السد العالى مشروع عظيم.. انعكست آثاره على حياة المصريين منذ إنشائه، فأولًا أسهم فى زيادة حصة مصر من المياه، وحافظ عليها، لأنه دارت اتفاقات بهذا الخصوص بين الـ9 دول المتشاركة فى حوض النيل، ونصيب مصر المتفق عليه بين الأعضاء ومنهم مصر وما يتم تخزينه منه، ومع ثورة يوليو واهتمام جمال عبد الناصر بالتنمية الزراعية وتقليل الاستيراد.. احتاج الأمر لزيادة المساحة المزروعة، ومن ثم كمية أكبر من المياه طبقا للاتفاقيات السابقة، ومن هنا برزت فكرة إنشاء السد العالي، لكى يتسع هذا الوعاء لرى الأراضى الزراعية الجديدة، وزراعة محاصيل جديدة للمستهلك المصرى، بل تم التصدير للخارج مع التنمية الصناعية التى حدثت للمنتجات الزراعية.

 حدثنا عن دور روسيا فى دعم مشروع السد العالى ؟

كانت روسيا أحد الداعمين لبناء السد العالى، فقد كان الصراع الدولى بين المعسكرين  قبل تفكيك الاتحاد السوفيتى 1991، وكانت البلاد النامية التى تأخد مواقف  اشتراكية.. وليس رأسمالية، كانت تحصل على دعم من الاتحاد السوفيتى، وفى المقابل نجد الدول الرأسمالية تحاول تعطيل نمو الدول من أصحاب هذه المواقف، لكى لا تعتمد على نفسها ولا تغادر موقعها كسوق للمنتجات الأوروبية، فمنذ احتلال مصر وهى سوق للمنتج الأوروبي، وتفكير عبد الناصر كان محل ترحيب كبير من المصريين، وظهرت أغانى السد.. فقد كان السد العالى مصدر حرية واستقلال فى البلاد ضد النفوذ الأجنبى، وتأكيدًا على اسقلال مصر.

 بالطبع واجه الرئيس عبد الناصر صعوبات لتنفيذ مشروع السد العالى.. كيف ترى ذلك كمؤرخ ؟

نجح عبد الناصر فى طريقه الذى رسمه كرجل وطنى أراد التنمية لبلاده، وحصل على التمويل من الاتحاد السوفيتى.. باعتباره يستهدف التنمية فى وجه النظام الرأسمالى العالمى، وعبد الناصر تبنى الاشتراكية فى الإنتاج، فمصر قبل عام 1952 كانت تخضع للنظام الرأسمالى الذى يستولى على المنتجات الزراعية ويصنعها، ثم يعيدها لنا ثانية، ونحن عاصرنا هذا الأمر وكان المشروع مصدر حرية واستقلال، ففى العصر الملكى كان التعليم للأغنياء فقط، وكان محو الأمية للفقراء.. وكانت هناك طبقية فى مجلسى الشعب والشورى، بحيث لا يتم إقرار قوانين أو ميزانيات لصالح الفقراء والفلاحين، وكانت الحياة البرلمانية والديمقراطية فى يد الأغنياء، وبعد قيام ثورة يوليو وحتى اليوم.. السد العالى يثبت أهميته، حتى فى حضور أزمة السد الأثيوبى الذى هو سد إسرائيلى، لكنهم لم ينجحوا فى إقامة المشروع حتى الآن.

 كيف تنظر لأثر السد بعد انشائه على قطاع الزراعة فى ضوء كتابك عن الملكيات الزراعية فى مصر؟

السد العالى كان له أثر عظيم على قطاع الزراعة، فأصبح هناك زيادة فى المساحة المزروعة، وأصبح هناك خطة زراعية، بحيث ثلث الأراضى تزرع القطن وغيرها القمح.. لتنفيذ احتياجات الدولة من المنتجات وأهمها القطن من أجل التصنيع والتصدير، وافتعال أزمات المياه اليوم هى صناعة إسرائيلية تستهدف تعطيل التنمية فى مصر ومحاربة مشروعاتها الوطنية.

 	 هانم الشربينى

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

يحيى حمزة: عايشت أحداث «المصيدة» ورصدت ظاهرة النصب الالكترونى

في موسم رمضاني تتزاحم فيه الأعمال بحثاً عن لفت الانتباه يطل مسلسل «المصيدة» باعتباره مشروعاً درامياً يراهن على ملف معاصر...

حنان مطاوع: أنا وقعت فى «المصيدة»

دائماً ما يمثل شهر رمضان مناسبة جيدة لظهورها، وكأنها تنتظره كل عام لتظهر لنا تألقها وتميزها الشديد، وتواصل هذا العام...

استيراد الدواجن المجمدة يعيد الاستقرار للأسواق ويخفض الأسعار

أكد الدكتور عبد العزيز السيد رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية أن أسعار الدواجن من المتوقع انخفاضها خلال الأسبوع الأول...


مقالات

فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م
مقياس النيل
  • الجمعة، 06 مارس 2026 09:00 ص
حـي شـبرا
  • الخميس، 05 مارس 2026 09:00 ص