نقش الجنود لأسمائهم على جدران حصن عيون موسى ألهمنى المجموعة القصصية «نقش فى عيون موسى» بعد الحرب بشهور اجتزت المعبر «الفِل» الذى عبرت عليه الدبابات والمدرعات والمدافع
فى رصيده روايات وقصص قصيرة حملت وجع الوطن وأحلامه، مثلما حمل ذات يوم السلاح دفاعًا عن الأرض فى حرب أكتوبر المجيدة. هو ابن الشرقية الذى خرج من قرية "برمكيم"، ليصنع لنفسه مكانًا بين كتّاب مصر، جامعًا بين خبرة المقاتل وموهبة الأديب. الروائى والقاص أحمد محمد عبده، المولود عام 1951، واحد من الأصوات الأدبية التى لا تفصل بين التجربة الإنسانية والتجربة الوطنية، فحياته نفسها جسدت هذا المزيج، محارب فى الحرب، وكاتب مبدع بعد أن وضعت الحرب أوزارها. بعض مؤلفاته، مثل "الجدار السابع" و"وقائع تجريد الخيول" و"مكاشفات البحر الميت"، تكشف عن حس ناقد ووعى عميق بتاريخ هذا الوطن، ولم يتوقف قلمه عند السرد الفنى، بل انخرط فى تحليل تحولات المجتمع والسياسة، منذ ثورة 25 يناير حتى قضايا التطرف والحروب الخفية فى المنطقة، وهو ما ظهر فى كتب مثل "مصر تخلع النقاب" و"حاخامات الدم فى الشرق الأوسط". بين معارك الورق ومعارك السلاح، ظل أحمد عبده حاضرًا فى المشهد، يكتب ليضيء زوايا معتمة، ويحصد جوائز أدبية مرموقة، مثل جائزة إحسان عبد القدوس فى الرواية، وجائزة مجلة النصر فى أدب الحرب. اليوم، ونحن نحاوره، لا نواجه مجرد كاتب يسرد تجربته الأدبية، بل رجلًا عاش التجربة كاملة، حربًا وكتابةً، مقاومةً وبحثًا عن المعنى.
نبدأ من الإنسان قبل الكاتب والمقاتل.. ما تفاصيل نشأتك وتكوينك؟
إنسان بسيط، فلاح من إحدى قرى مركز ديرب نجم محافظة الشرقية، مولود فى عام 1951، فى الإجازات الصيفية وأثناء الدراسة كنت أعمل فى الأرض الزراعية مع أفراد العائلة، أب وأم لهما عشرة أولاد، أنا أكبرهم، ما وضع على كاهلى مسؤلية وحملا كبيرا، وحتى الآن لم ينقطع. تركت القرية فى أول عام 1973، قبل الحرب بعدة شهور، حينما التحقت بالخدمة العسكرية، بعد حصولى على دبلوم فنى صناعى فوق المتوسط، غير أن علاقتى بقريتى لم تنقطع مطلقا، فحتى الآن وعلى مدار نصف قرن وأكثر، أتردد عليها أياما كثيرة فى الشهر، أتفاعل مع الأهل والأهالى فى أفراحهم وأحزانهم ومشاكلهم. بدأت بوادر حبى للقراءة وكتابة الأدب منذ صغرى، كنت شغوفا باقتناء الكتب، أشتريها بمصروفى البسيط، وأنهل من كل مصادر المعرفة، مكتبة المدرسة، كتب الأصدقاء الأكبر منى سنا، باعة الصحف، الراديو.
كيف أثّرت سنوات الطفولة والنشأة فى تكوين شخصيتك وميلك إلى الأدب والكتابة؟
منذ الطفولة ظهرت بوادر شغفى بالقراءة والمعرفة، ربما منذ فى السنة السادسة الابتدائية عام 1964، وأنا فى طريقى إلى غيط العائلة على الطريق الزراعى، بين الزقازيق والمنصورة، وفى يدى صرة طعام لأبى وأعمامى، وقعت عينى على قصاصة من جورنال فى حجم كف اليد، فالتقطتها من الأرض، و روحت أقرأ ما فيها. بعد ذلك توالى الاهتمام، يخفت فترة ثم ينهض وهكذا، تركزت محاور الكتابة عندى فى عدة محاور: محور الكتابة عن القرية، ومحور الكتابة فى أدب الحرب، غير أن لى اهتماما آخر فى الكتابة السياسية، تبلورت فى 3 كتب سياسية أنتجتها بعد ثورتى يناير ويونيه "ثورة يناير والبحث عن طريق"، و"حاخامات الدم فى الشرق الأوسط"، و"مصر تخلع النقاب". وكتبت عن البطولات الحربية فيما بين هزيمة يونيه وانتصار أكتوبر، وهى كتابة توثيقية عن هؤلاء الأبطال. لى الآن نحو 25 كتابا فى القصة والرواية، خرجت إلى المعاش من القوات المسلحة برتبة المقدم الفنى فى عام 2008، وكان تخصصى فى إصلاح معدات الرادار والصواريخ فى ورش القوات المسلحة، وحاليا متفرغ للقراءة والكتابة. وحصلت على عدة جوائز منها: جائزة اتحاد الكتاب، وجائزتى صحيفتى الجمهورية والمساء، وجائزة القوات المسلحة فى أدب الحرب، وجائزة إحسان عبد القدوس، وأخيرا جائزتى يوسف أبورية وطه حسين.
بعد سنوات من تجربة الحرب، كيف استطعت التوازن بين حياتك الشخصية ومسئولياتك العسكرية ثم مسارك الأدبي؟
التوازن مهم جدا فى حياتنا، بل هو عماد النجاح فى الحياة العملية والوظيفية، فى بداية حياتى العملية وانخراطى فى القوات المسلحة وكان ذلك قبل الحرب، وبعد الحرب بفترة طويلة نسبيا، لا شك أننى لم أكتب شيئا يذكر، أما القراءة فلم تنقطع يوما واحدا، فهى متاحة فى أى وقت وفى أى ظرف، جاءت حياتى العائلية الخاصة، علاوة على ارتباطى العائلى الشديد فى القرية ومسؤلياتى الأسرية شديدة الأهمية، بجوار عملى الأساسى فى الجيش.. كل هذا كان معطلا إلى حد كبير عن ممارسة اهتماماتى الأدبية، لم أستطع عمل توازن بين كل هذه الأبعاد، إلى أن تهيأت لى الظروف فى أوائل الثمانينيات، حضور ندوات فى القاهرة، حيث كنت أقيم مع أسرتى الصغيرة، وممارسة للقراءة والكتابة، وتعرفت على الوسط الأدبى والصحفى، فى ندوة الفجر التى كان يقيمها المرحوم الشاعر الدكتور يسرى العزب، وندوة نادى القصة بشارع القصر العينى، وندوة الكاتب الراحل محمد جبريل فى جريدة المساء وغير ذلك.
كنت أحد المشاركين فى حرب أكتوبر 1973.. ما أبرز المواقف التى ما زالت محفورة فى ذاكرتك من أيام العبور؟
بحكم عملى الفنى، وتخصصى فى إصلاح أجهزة الرادار والصواريخ، فقد كانت خدمتى وقت الحرب فى إحدى ورش الإصلاح بالقاهرة، كنا على طريق السويس، وهى منطقة ملتهبة، كانت الأجهزة تأتى إلينا لإصلاحها وعليها بقع الدم، ومن المشاهد التى استدعيتها فى كتاباتي؛ أذكر ونحن فى طريقنا إلى سيناء فى مأمورية خاصة بعد توقف الحرب، فى أول 1974، وبينما العربة التى تقلنا تجتاز المعبر "الفِل"، الذى عبرت من عليه قوات العبور دبابات ومدرعات ومدافع وعربات وغير ذلك، نفق أحمد حمدى فيما بعد، ومن النافذة لمحت لوحة خشبية صغيرة مثبتة على جانب المعبر، مكتوب عليها "الشهيد أحمد حمدي"، مما يعنى أنه استشهد فى هذه النقطة، (طبعا هو العميد مهندس أحمد حمدى، نائب رئيس سلاح المهندسين أثناء الحرب)، فى آخر المعبر وعلى اليسار، وفوق تبة على جرف القناة مباشرة، لمحت لوحة خشبية صغيرة مكتوبا عليها "الشهيد محمد زرد"، أى أنه استشهد فى هذه النقطة (فيما بعد عرفت أنه النقيب محمد زرد، وله قصة بطولة خارقة فى هذه النقطة الحصينة من نقاط خط بارليف، وهى النقطة 49). بعد ذلك وفى حصن عيون موسى، لمحت على جدران الحصن أسماء جنود مصريين نقشوا أسماءهم على الجدران، وفيما بعد استدعيت هذه اللمحة، وكتبت المجموعة القصصية "نقش فى عيون موسى".
ما المشاعر التى سيطرت عليك وقتها؟
كلها مشاعر وطنية جارفة، مشاعر الانبهار والفخر، واستدعاء المفارقة بين أيام الهزيمة التى عاصرتها طالبا فى السنة الثالثة الإعدادية عام 1967، فى لجنة امتحان آخر السنة يوم الاثنين 5 يونيو الساعة التاسعة، فيتم إلغاء الامتحان وتأجيله، وبين فرحة الانتصار جنديا فى القوات المسلحة، يرى سيناء لأول مرة، والدبابات المدمرة متناثرة هنا وهناك، وبقع الدم لم تتجلط بعد، وكل مظاهر الحرب والدمار.
كيف ترى اليوم معنى الانتصار بعد مرور أكثر من نصف قرن على الحرب، وما الرسالة التى يجب أن تصل إلى الأجيال الجديدة؟
الانتصار له تداعيات، وأبرز نتائجه التعمير والبناء والتنمية، وها نحن رأينا مظاهر ذلك عقب الانتصار، وقد زادت وتيرة البناء والتعمير والإصلاح بدرجة مهولة فى السنوات الأخيرة، الخطة التى يقوم بها الرئيس عبد الفتاح السيسى لتحديث مصر فى جميع الاتجاهات، والتى تكاد تغطى أرض مصر من أقصاها إلى أقصاها.
متى بدأت علاقتك بالكتابة، وكيف تحولت ذكريات الحرب إلى أعمال أدبية؟
كانت تجارب أولية فى القصة والشعر، لا يعتد بها كعادة المبتدئين، ومن طموحى الجارف وأنا طالب ثانوى، بدأت تأليف كتاب على إثر صدمة موت الزعيم جمال عبد الناصر، اسمه " لماذا جاء عبد الناصر؟". وقتها كنت فى السنة الثالثة الثانوية، وذلك من حبى الشديد للرجل، شأن جميع فئات الشعب المصرى وقتها، لكننى أهملته، ربما كان انفعاليا أكثر من اللازم. فيما بعد، وبعد اندماجى فى الوسط الأدبى، أثناء إجازاتى وأيام راحتى من العمل، فى الخدمة العسكرية، أنتجت الكثير من الأعمال التى لاقت رواجا، واحتفى بها النقاد على صفحات الصحف المصرية والعربية، وناقشها كبار النقاد فى ندوات. أما أدب الحرب، فقد بدأته بالفعل من لحظة تأثرى بكتابات الجنود على حوائط حصون بارليف، فكانوا قد نقشوا أسماءهم وبلدانهم ومؤهلاتهم على الجدران بسونكى البندقية، ومن هنا استوحيت هذا المشهد لأكتب المجموعة القصصية "نقش فى عيون موسى"، وحكى لى أحد الأسرى من إحدى قرى منطقة القناة رحلته فى الأسر، فكتبت رواية "ثعالب فى الدفرسوار"، ومن معايشتى لجنود حرب 67 كتبت مجموعة قصصية اسمها "حالة حرب"، ومعايشتى لأبطال الصاعقة فى حرب الاستنزاف وحرب 6 أكتوبر كتبت الكثير من القصص، منها مجموعتان للأطفال واليافعين "من يحارب بيد واحدة/ أكتوبر يا أولاد.. يا أولاد أكتوبر" ورواية عن دور النساء فى المعركة اسمها "أسطورة الجناين" وغيرهم من روايات وقصص وكتب توثيقية لبطولات رجال الصاعقة. ولى روايات وقصص أخرى تحت الطبع، تتناول الجوانب الخلفية للحرب، أو ما يسمونها تداعيات الحرب على الجبهة الداخلية.
لماذا لم يحظَ أدب الحرب فى مصر بالانتشار الكافى مقارنة بما قدمه الجنود والكتّاب؟
مؤسسات وزارة الثقافة تطبع إنتاج الأدباء، ولكن إلقاء الضوء عليه ضعيف، وربما يعتبره البعض "أدب درجة ثانية"، مع أن أدب الحرب يحمل فى طياته كل الأبعاد الإنسانية التى ربما لا يستطيع الأدب الاجتماعى والسياسى والنفسى أن يعالجها، فأدب الحرب أدب المواجهة المباشرة، وهى أقدس لحظة يمكن أن يتعرض لها إنسان، فهى ليست مواجهة فى خناقة فى الشارع! أسلحة ودمار، والموت يتربص بالمقاتل فى كل ناحية، المقاتل الذى دخل على عروسه اليوم، وغدا يستدعى لدخول المعركة، المقاتل الذى ترك وليده فى اللفة وراح للحرب!
ما الأعمال الأدبية التى تعتز بها أكثر، وتشعر بأنها الأقرب إلى وجدانك وتعكس روح التجربة بصدق؟
أعتز بكل تجربة كتبتها عن الحرب، فى حوالى 10 أعمال، فكل عمل قصصى أو روائى أعتبره تجربة حية من دم ولحم، لأنها تتناول البشر فى قلب الحرب، والحرب تعنى الموت. أعتز برواية "ثعالب فى الدفرسوار"، وقصص "نقش فى عيون موسى"، ورواية "أسطورة الجناين"، إلى جانب هذا أعتز بكتابات الآخرين فى هذا المجال، سواء الأدب المصرى أو العالمى.
ماذا تقول اليوم للأجيال الشابة من الكتّاب والقراء، سواء عن الكتابة أو عن الذاكرة الوطنية التى تحملها حرب أكتوبر؟
أنصحهم بقراءة التاريخ عموما، والتاريخ العسكرى المصرى خصوصا، وهو متاح جدا لكل محب للمعرفة، ولكل باحث عن القدوة، ومحرك جوجل يغنيهم عما تعبنا نحن فيه، ومجموعة حروب مصر مع العدو الإسرائيلى فيها تاريخ ناطق ونابض بكل مظاهر العزة والفخر والبطولات، حتى فى قلب الهزيمة كانت هناك بطولات خارقة للمقاتل المصرى، جندى وضابط وضابط صف. أقول لهم إذا أردتم القدوة فالقدوة هنا، والمستقبل لن يكون مفروشا بالورود، بالعكس المستقبل فيه جولات وصولات، رضوا أم لم يرضوا، ولا بد أن يعدوا أنفسهم لها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أكد الدكتور عبد العزيز السيد رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية أن أسعار الدواجن من المتوقع انخفاضها خلال الأسبوع الأول...
تعلمت أصول الإنسانية من والدتى وأحببت المتنزهات لأجل شقيقاتى ولعبت كرة القدم من أجل أشقائى الإذاعة المصرية وصوت أم كلثوم...
كشف علاء عبد العاطى مدير عام الرعاية الاجتماعية بوزارة التضامن الاجتماعي عن أرقام ووقائع مهمة تخص الأيتام من نزلاء دور...
منظومة ذكية لمنع تسريب الأسمدة إلى السوق السوداء الأسمدة والتقاوى متوافرة.. وأسباب خاصة وراء الشكاوى