د. عز الدين علي : هدفنا بناء جيل الشباب في سورية

رغم الأزمة السورية التي بدأت أحداثها في شهر مارس / آذار 2011 ، إلا أن الشعب السوري بكل أطيافه لم يفقد يوما رغبته في الحياة ولم يبتعد عن الفن والثقافة والعلم ، وعلى العكس من ذلك تماما ، فمن رحم هذه الأزمة ولدت أفكار وإبداعات مميزة أكدت أن سورية ستظل دائما قبلة ومنارة ثقافية وفنية يٌحتذى بها ، وأن مبدعيها أصدق مثال على ما وصفه  أستاذ العلوم السياسية الأمريكي جوزيف صموئيل ناي بـ"القوى الناعمة" التي تمتلك قدرة كبيرة على التغيير والتأثير وتشكيل الوعي وخلق صورة ذهنية عن مجتمع معين ..

وربما من هذا المنطلق قام دكتور عز الدين علي علي أستاذ التاريخ السوري والأكاديمي المرموق بتأسيس الجمعية العلمية التاريخية بسورية ، والتي تمثل أحد أهم الكيانات الثقافية السورية في الوقت الحالي .

عن أنشطة وفعاليات هذه الجمعية ومهرجانها السابع الذي أقيم مؤخرا ، يتحدث دكتور عز الدين علي علي لموقع الهيئة الوطنية للإعلام "ماسبيرو إيجي"..

متى وكيف جاءت فكرة إنشاء الجمعية العلمية التاريخية ؟

ولدت فكرة إنشاء الجمعية العلمية التاريخية في بداية الأحداث التي شهدتها سورية في 5 / 6 / 2011، ورخصت بشكل أصولي في 1 / 9 / 2014 ، وذلك بعد أن تعرضت شخصيا  إلى محاولة اختطاف من قبل مجموعة من الشباب المغرر بهم أثناء قيامي بمهمة تربوية في إحدى المحافظات تركت في نفسي أثرا عميقا وتساؤلات كثيرة .. من أهمها، لماذا تحول هؤلاء الشباب إلى عصابة للخطف والقتل، أين دور المؤسسات التربوية التعليمية في تربية الجيل وإعداده الإعداد الصحيح؟ أين دور المثقف والمؤسسات الأهلية في الأحداث الجارية؟ وغيرها الكثير.. الكثير من الأسئلة.

في تلك المرحلة كان الوضع ضبابيا والرؤية غير واضحة والمستقبل كان يبدو قاتما، أذكر في ذلك اليوم أنني التقيت مع عدد من المثقفين من مناطق مختلفة.. وبعد جلسة حوارية طويلة ومعمقة اتفقنا على تأسيس مؤسسة ثقافية فاعلة يكون لها دورها الإيجابي في البناء الوطني، لكن تسارع الأحداث أدى إلى صعوبات كثيرة لم نكن نتوقعها وهذا بدوره جعل مهمة إنشاء وتأسيس الجمعية يقع على عاتقي شخصيا وقد بذلت جهدا استثنائيا في سبيل ذلك، وبذلك يمكن أن نقول بأن الجمعية العلمية التاريخية قد ولدت من رحم الأزمة وترعرعت في خضم الأحداث والٱلام والمعاناة.

سوريا

 ما دلالات اسم الجمعية ووصفها بـ "العلمية التاريخية" ؟

 لقد اخترنا للجمعية اسم "العلمية التاريخية" ، "العلمية" لأننا نتبنى الفكر العلمي الموضوعي في كافة نشاطاتنا وحواراتنا وأفكارنا وأبحاثنا والتاريخية لأننا نؤمن بأن التاريخ هو الوعاء الجامع الذي يحتوي كافة العلوم والمعارف كما أننا أردنا أن نعمل على إعادة قراءة التاريخ من جديد وهنا يجب أن نميز بين التاريخ والتأريخ، فالتاريخ هو كل ما دون من قبل المؤرخين ، أما التأريخ فهو عملية كتابة التاريخ وله تعاريف كثيرة من أهمها: "البحث عن الحقيقة".. فلا حقيقة مطلقة في عملية التأريخ.

ما أهم الأنشطة التي تقدمها الجمعية لأعضائها وللمهتمين بالثقافة بشكل عام ؟

تقوم الجمعية بتقديم كافة أنواع الأنشطة الثقافية الهادفة والمتنوعة والتي تقدم قيم مضافة إيجابية إلى أعضائها وأصدقائها ومتابعيها ومن أهم هذه الأنشطة : المحاضرات.. الندوات.. قراءة في كتاب.. قراءة في فكر مفكر .. موضوع للحوار.. الأمسيات الثقافية المنوعة.. الأمسيات الأدبية.. النشاطات الفنية والموسيقية.. إقامة المعارض .. الرحلات ذات الطابع البحثي والثقافي والترفيهي.. إقامة المهرجانات.. رعاية المواهب الشابة.. القيام بالأعمال التطوعية .. إضافة لإقامة العديد من الدورات مثل دورات: (الإلفة والتواصل.. الدعم النفسي.. الذكاء العاطفي.. الحوار .. الإعلام .. دورات في رياضة اليوغا ...)، وغيرها العديد من النشاطات الأخرى.

كما أننا نشارك بشكل فاعل في إقامة الكثير من النشاطات مع العديد من المؤسسات الثقافية الرسمية والأهلية ، ويمكن أن أشير هنا إلى أن الجمعية تتبنى ثقافة الحوار وفق قواعد سليمة وصحيحة وتفرد في كل نشاط من نشاطاتها مساحة من الوقت للحوار البناء يغني موضوع النشاط، وفي كل نشاطاتنا نبتعد عن الخوض في القضايا السياسية والدينية (أي نبتعد عن الهويات السياسية والدينية بكل أشكالها)، كما أننا نحرص على كل ما يجمع ويعزز الوحدة الوطنية ونبتعد عن كل ما يسبب الفرقة والخلاف.

سوريا

أقامت الجمعية مؤخرا مهرجانها السابع .. ما أهم الفعاليات التي قدمت من خلاله؟

تميز مهرجان الجمعية السابع بتنوعه وغناه بالأنشطة الثقافية الكثيرة والمتعددة، ومن أهم الفعاليات التي قدمت فيه : فقرات ثقافية أضاءت على بعض صفحات التاريخ العربي السوري المشرق، فقرات أدبية منوعة.. فقرات فلكلورية ، منودراما ، عروض مسرحية راقصة، فقرات رياضية تحاكي الروح والجسد (يوغا)، فقرات للمواهب الشابة، معزوفات موسيقية منفردة ، وصلات غنائية منوعة، ويمكن أن نشير هنا إلى أن هذا التنوع في الفعاليات كان موزعا على أيام المهرجان بشكل جيد.

كما رافق المهرجان معرض للأعمال الفنية (رسم.. نحت.. أعمال جصية.. رسم على الزجاج ..أعمال يدوية منوعة.. لوحات وكتابات بالخط العربي ، وصناعات تراثية).

سوريا

ما الصعوبات -إن وجدت- التي تواجه الجمعية للقيام بواجبها وتحقيق أهدافها؟

نحن نعيش في بلد ظروفه استثنائية بكل معنى الكلمة ، فبلدنا يعاني من حرب كونية ظالمة ومدمرة ومن حصار قاتل خلف أوضاعا قل مثيلها في تاريخ البشرية، وقد انعكست هذه الأوضاع علينا بشكل كبير كمكوّن من مكونات المجتمع السوري ، فمعاناتنا كبيرة جدا ونعاني من صعوبات كثيرة: مادية .. وتقنية .. وفنية .. وإدارية.. وغيرها.

فنحن في الجمعية كمن يحفر صخرة كبيرة بإبرة صغيرة منذ البداية نعلم بأن طريقنا ليس ورديا لكننا إرادة تستطيع، خيارنا النجاح أو النجاح ولا مجال للفشل الذي حذفناه من قاموسنا، فنحن نأخذ العبرة من قطرة الماء التي تسقط على صخرة صلبة تستطيع بتكرار سقوطها أن تترك أثرا راسخا.

هل تنجح الجمعية في استقطاب الجيل الشاب لصفوفها؟ وهل ترون أن عودة الشباب للقراءة والالتزام بها لا زالت ممكنة؟

لقد استطعنا بالفعل استقطاب عدد كبير من الشباب إلى الجمعية وخاصة في بداية تأسيسها، لكن أعدادهم تراجعت في الفترة الأخيرة بسبب الظروف  المعيشية الصعبة والقاسية وانصرافهم للبحث عن فرص للعمل وسبل العيش التي تؤمن لهم حياة كريمة.

ومع ذلك فإننا نعمل بكل طاقاتنا على استقطاب العناصر الشابة من خلال إقامة النشاطات التي تناسب ميولهم واهتماماتهم وترعى مواهبهم وإعطائهم المساحات الكافية للتعبير عن أفكارهم وتطلعاتهم ومشاركاتهم المختلفة.

أما بالنسبة إلى إمكانية عودة الشباب إلى القراءة ، فقبل أن نجيب على هذا السؤال علينا أن نبحث عن العوامل والأسباب الكامنة وراء هجرتهم للكتاب وعزوفهم عن القراءة  وتشخيصها بشكل دقيق .. والبحث عن الحلول الممكنة والمناسبة لهذه المعضلة الحقيقية ومعالجتها.  

عند ذلك أعتقد بأن عودة الشباب إلى مزاولة القراءة على نطاق واسع وبشكل جيد ممكنة وليست مستحيلة ، رغم أنها عملية شائكة ومعقدة وليست سهلة وتحتاج إلى تضافر الكثير من الجهود والإمكانيات والمتابعة المستمرة.  

سوريا

إلى أي مدى يمكن لمثل هذا الكيان الثقافي إثراء واقع الثقافة السورية في الوقت الراهن؟

للجمعية مقر رئيسي وستة فروع في ست محافظات، تشارك جميعها في القيام بالأنشطة الثقافية العديدة والمتنوعة (رغم إمكانياتنا المتواضعة) تساهم من خلالها في تقديم ما يمكن تقديمه في مثل هذه الظروف الاستثنائية، وأعتقد بأن الجمعية الٱن أصبحت من المنابر الثقافية الهامة في القطر العربي السوري.

ما الذي تسعى الجمعية لتحقيقه من أهداف خلال الفترة القادمة؟

للجمعية أهداف كثيرة تسعى إلى تحقيقها يمكن أن أذكر منها : التوسع في نشر العلم والثقافة والمعرفة، مقاومة الغزو الثقافي الذي نتعرض له بكل أشكاله، المساهمة في إعادة بناء الإنسان العربي السوري المؤمن بهويته الوطنية وانتمائه وعروبته، نشر وتعزيز ثقافة العمل التطوعي، نشر وتعزيز ثقافة الحوار، إقامة فروع للجمعية في بقية المحافظات السورية التي ليس لها فروع فيها (علما بأن للجمعية الٱن ستة فروع مرخصة بشكل أصولي هي فروع دمشق.. حلب.. حمص.. حماة.. اللاذقية.. طرطوس) ، تعزيز التعاون مع المؤسسات والجمعيات الرسمية والأهلية التي تنسجم أهدافها مع أهداف الجمعية، تنشيط عمل ونشاطات كافة فروع الجمعية بشكل جيد ، التوسع في إقامة المنتديات الثقافية في جميع المحافظات السورية.. استقطاب المزيد من الأعضاء من أصحاب الفكر الحر والأيادي النظيفة (علما بأن عدد أعضاء الجمعية الٱن حوالي عشرة ٱلاف عضو من المثقفين والباحثين والمفكرين)، العمل على إقامة مركز للأبحاث والدراسات التاريخية، العمل على مد جسور التواصل مع المؤسسات الثقافية العربية واستقطاب العديد من الأعضاء من كافة الدول العربية كأعضاء شرف في الجمعية (علما بأنه يوجد الٱن في الجمعية العديد من أعضاء الشرف من معظم الأقطار العربية)، وتبادل الزيارات والاستفادة من خبرات وتجارب  الجمعيات والمؤسسات الثقافية العربية.

عصمت حمدى

عصمت حمدى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

استيراد الدواجن المجمدة يعيد الاستقرار للأسواق ويخفض الأسعار

أكد الدكتور عبد العزيز السيد رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية أن أسعار الدواجن من المتوقع انخفاضها خلال الأسبوع الأول...

الدكتور فاروق الباز :كنت أحلم بدراسة الطب ودخلت عالم الفضاء بسبب المجموع

تعلمت أصول الإنسانية من والدتى وأحببت المتنزهات لأجل شقيقاتى ولعبت كرة القدم من أجل أشقائى الإذاعة المصرية وصوت أم كلثوم...

غلاق 42 دار أيتام نهائيًا ومحاسبة المسئولين.. بسبب رصد تجاوزات

كشف علاء عبد العاطى مدير عام الرعاية الاجتماعية بوزارة التضامن الاجتماعي عن أرقام ووقائع مهمة تخص الأيتام من نزلاء دور...

الدكتور محمد شطا: طفرة فى زراعات القمح.. لم تحدث منذ العصور القديمة

منظومة ذكية لمنع تسريب الأسمدة إلى السوق السوداء الأسمدة والتقاوى متوافرة.. وأسباب خاصة وراء الشكاوى


مقالات