دخل المخرج الكبير محمد عبدالعزيز ذات صباح ليبدأ محاضرته فى معهد السينما، فاقترب منه طالب قصير القامة بشكل لافت، قدم نفسه على أنه طالب بقسم الإنتاج، ثم قال بتلقائية:
دخل المخرج الكبير محمد عبدالعزيز ذات صباح ليبدأ محاضرته فى معهد السينما، فاقترب منه طالب قصير القامة بشكل لافت، قدم نفسه على أنه طالب بقسم الإنتاج، ثم قال بتلقائية: "يا أستاذ أنا عايز أمثل كوميدى"، فنظر له الأستاذ باستغراب فلم يكن منظره يدل على أى موهبة، وطلب منه أن يعود ليجلس مكانه.. وبعد سنوات أصبح هذا الطالب من أشهر نجوم الكوميديا فى مصر.. واسمه محمد هنيدى!
جاء هنيدى بعدها لأستاذه من جديد يدعوه لمشاهدة مسرحية حصل على دور صغير فيها، ولما ذهب محمد عبدالعزيز للفرجة على "العسكرى الأخضر" لفت هنيدى نظره بحضوره وخفة دمه وتلقائيته وقدرته على انتزاع الضحكات ببساطة من قلوب مشاهديه، فوافق على أن يُخرج له مسرحية "عفروتو" التى أسهم نجاحها الساحق فى دفعه بقوة إلى الصفوف الأولى من نجوم الكوميديا الجدد، كما وقف خلف الكاميرا ليُخرج له فيلمه "حلق حوش" الذى كتبه بشير الديك وشاركه بطولته رفيق رحلة كفاحه علاء ولى الدين.
وكنت شغوفا ويقتلنى الفضول لأن أسأل مخرجنا الكبير: هل غضب منك عادل إمام (بعد كل التاريخ الذى جمعكما والنجاح المشترك الذى حققتماه معا)عندما تعاملت مع هنيدى، وكانت جهات عديدة وقتها - إنتاجية وإعلامية- حاولت بإلحاح أن تسوقه بديلا للزعيم؟!.. ويرد محمد عبدالعزيز ببساطة: "أبدا.. ولا فتح معى الموضوع أصلا"!
ثم يفاجئنى: "أنا نفسى لم أستطع صبرا على التعامل مع هذا الجيل الجديد ونجومه، كانت حساباتهم مختلفة ومعاييرهم غريبة.. حسابات ومعايير لم أعرفها مع جيل عادل ومحمود عبدالعزيز ونور الشريف والفخرانى.. نجوم أيامى الحلوة".
وتعود اللمعة لعينى محمد عبدالعزيز عندما يعود خيط الذكريات إلى نجوم أيامه الحلوة.. وأتركه يحكى باسترساله العذب:
(1)
كان لى حظ التعامل مع محمود عبدالعزيز.. ومحمود فى رأيى كان موهبة ضخمة جدا وكبيرة جدا وثرية جدا.. وكما نصف الصورة الواضحة بأنها ثلاثية الأبعاد كذلك كان محمود عبدالعزيز ممثلا متعدد الأبعاد.. فى التراجيديا كان غولا ويمكنه أن يبكيك من قلبك.. فإذا ما دخل فى أدوار الكوميديا فهو كوميديان خطير وكأنه مخلوق للضحك.. ومع تقدم العمر كان يزداد نضجا وبريقا ويشع بالموهبة.. شوف مثلا دوره الصغير فى فيلم "إبراهيم الأبيض".. كل تفصيلة وحركة وكلمة تؤكد لك أنه لا يقل عن أساطير هوليوود الكبار بعدما تقدموا فى العمر.
والحقيقة أن محمود لما بدأ كان الأقل أجرا من عادل ونور ومحمود ياسين وحسين فهمى، لكنه سرعان ما تساوى بهم بعد دوره اللافت فى "العار".
وكان دوره فى "رأفت الهجان" واحدا من الأيقونات الكبيرة فى مشواره، رغم أنه فى مرحلة من تحضير المسلسل كاد يذهب إلى عادل إمام.. وبحكم صداقتى بمؤلفه صالح مرسى وبمخرجه يحيى العلمى عرفت أن محمود كان ترشيحهما الأول.. لكنهما "طمعا" فى شهرة عادل وجماهيريته وكان وقتها هو نجم الشباك الأول فى السينما فذهبا إليه بالسيناريو وحولا الدفة إليه.. وحصلت عدة جلسات بينهم.. حصل فيها أن عادل اعترض على مشاهد "الفلاش باك" الكثيرة فى الأحداث ورأى أنها تقطع تسلسلها.. لكن صالح مرسى كان عنيدا ودماغه ناشفة ورفض عمل أى تعديل فى السيناريو، وحملاه وذهباا به من جديد إلى محمود عبدالعزيز.. وشهادة لله أن محمود أدى الشخصية ببراعة وبقى علامة فى تاريخ الدراما التليفزيونية.
وللأسف كان هناك من حاول الوقيعة وإثارة الضغائن بين عادل ومحمود، مثلما حاولوا بين عادل وأحمد زكى.. دعنا نكن من أصحاب النوايا الحسنة ونعتبرها جزءا من المنافسة بين هؤلاء النجوم الكبار.
وإذا كان الحظ قد أسعدنى بالتعاون مع عادل ومحمود فإنه لم يكن كذلك مع أحمد زكى، الذى أعتبره ممثلا فذا وموهبة نادرة لن تتكرر.. كنت أحبه فى التمثيل والغناء والاستعراض والأكشن.. وموهبته كانت بلا حدود.. ورغم أننا كنا صديقين جدا على المستوى الشخصى لكن لم تأت الفرصة لنجتمع فى عمل سينمائى.. فاكر لما عملت فيلم "الفتى الشرير" لنور الشريف وعلى الحجار لقيته جانى: "خير يا أحمد؟"، قال لى إنه سيدخل لتصوير فيلم اسمه "الإمبراطور"، وسمع أن الفيلمين عن نفس القصة الأجنبية وأنه يخاف من التشابه، وقال لى عايز أشوف الفيلم، وتأكد أنه فى سكة بعيدة عن فيلمه.
أما محمود عبدالعزيز فقد كان عام 1984 هو ذروة تعاونى معه، وفيه عملنا فيلمين "ولكن شيئا ما يبقى" وشاركه البطولة نورا وسعيد صالح، و"لك يوم يا بيه" مع لبلبة وليز سركسيان.
كان لى حظ كذلك أن أتعاون مع يحيى الفخرانى فى فيلمين، فيلم تناولنا فيه قضية هجرة الشباب المصرى إلى الخارج، اسمه "رحلة الشقاء والحب" عن قصة لإسماعيل ولى الدين، وصورناه كله فى اليونان.. وفيلم "عشرة على عشرة" وشاركته بطولته مديحة كامل.. وغلب على الفيلمين الطابع الكوميدى.. والحقيقة أن يحيى واحد من الممثلين العظام فى تاريخنا، وأنا شايف إن السينما لم تستفد منه بالشكل الكافى.. ولذلك كان رصيده الأكبر فى الدراما التليفزيونية.
(2)
دعنى أعترف لك بأن جيلى كان عنده اعتقاد راسخ بأن المسلسلات التليفزيونية درجة ثانية، وأن السينما أهم وأكثر خلودا.. ربما كان السبب الأهم فى هذا الانطباع هو المخرج الرائد محمد كريم، أستاذنا فى معهد السينما، وكان من رأيه أن التليفزيون معمول علشان ماتشات الكورة وبرامج الطبيخ والتسلية ولم يكن معترفا بالدراما التليفزيونية كمنافس للسينما.
لكن مع ظروف تعثر السينما وتراجع الإنتاج، فى مقابل صعود نجم الدراما التليفزيونية وتطورها من ناحية الشكل والمضمون ودخولها إلى كل البيوت، بدأت تستقطب نجوم السينما، تمثيلا وإخراجا وتأليفا، وتصدرت المشهد.
تسألنى: ما الذى جرى للسينما وما سبب تراجعها وخفوت بريقها وهل كانت هناك مؤامرة لتدميرها؟.. أجيبك بصراحة: آه.. كانت هناك مؤامرة على السينما.. لكن مؤامرة فى الأساس من صناعها.. كانوا هم المعاول التى نهشت فى جسد السينما وكسرتها.. آه كانت فيه جهات أخرى سعت لتدمير السينما المصرية ولم تكن راضية عن تأثيرها وشهرتها فى العالم العربى وكقوة ناعمة حقيقية لمصر.. وظهرت القرصنة.. وأفلام المقاولات التى شوهت تاريخنا السينمائى.. وحاولت السينما أن تقاوم فى سنوات السبعينات، صحيح أن التيار كان أقوى لكن السينمائيين ومؤسساتهم استسلموا بسرعة وشارك كثير منهم فى تدمير الصناعة!
ومنذ التسعينات بدأت "الهوجة" التى يسمونها السينما الشبابية، وكان هؤلاء النجوم الجدد يمتلكون فرصة ذهبية لإنقاذ السينما وإعادة مجدها، خاصة مع توافر الإمكانيات والميزانيات وعودة الجمهور، لكن للأسف لم تكن عندهم رؤية ولا استراتيجية، وكان يهمهم الشكل على حساب المضمون.. مش عايز أظلمهم، لكن ما رأيته وتابعته هو أن الفلوس والشهرة عندهم أهم من الفن والصناعة.
ما قدموه من كوميديا كان هزيلا.. ثم جاءت هوجة أفلام العشوائيات والسنج والمطاوى والألفاظ العارية التى لم نعتدها فى أفلامنا.. وهو تيار ظلم فنانين موهوبين بجد.. يعنى أنا مثلا شايف إن محمد رمضان ممثل كويس قوى.. لكن ما يقدمه من أفلام وموضوعات وأغان يحسب عليه وليس له.. وأتمنى أن يستعيد رمضان وعيه سريعا مثلما فعل محمد سعد مؤخرا.. سعد فى رأيى ممثل موهوب جدا، لكن ضيع موهبته لسنوات فى أدوار هزلية.. ومؤخرا حين كنت رئيس لجنة التحكيم فى المهرجان القومى للسينما شاهدت فيلمه "الكنز" مع شريف عرفة، وأتصور أن سعد عامل فيه دور كويس جدا تجاوز به متاهة اللمبى!
أما أكثر الأمور التى أزعجتنى فى السينما الجديدة فهو تدخل نجومها فى ما لا يعنيهم، سمعت عن مهازل تحكى عن تدخل بطل الفيلم فى التمثيل والإخراج والمونتاج وكل تفاصيل العمل، وهو أمر لا يستسيغه واحد مثلى من جيل يعرف أن صناعة السينما منذ أن اخترعوا المهنة فى عام 1895 وحتى الآن تقوم على أن المخرج هو "رب" الفيلم وقائده وواضع رؤيته، وكل العناصر الأخرى من مدير تصوير ومونتير ومهندس ديكور ومنتج وممثلين بل والسينارست مهمتهم "التخديم" على رؤية المخرج.. الفيلم يُحكى من وجهة نظر واحدة هى وجهة نظر مخرجه.. طبيعة المهنة تفرض ذلك.. والمركب اللى لها ريسين لازم تغرق.. وتدخلات النجوم كانت من أسباب غرق السينما!
للأسف.. "هيبة" المخرج كُسرت فى هوجة السينما الشبابية!
كانت هناك حسابات وظواهر خاطئة عديدة فى الصناعة طوال السنوات الأخيرة، بينها مثلا أن النجم لا ينبغى أن يظهر فى أكثر من فيلم خلال السنة، وربما يمر عامان وثلاثة وهو غايب حرصا على صورته، بداعى أن الجمهور لازم يكون مشتاق لنجمه.. ولذلك تجد النجوم الجدد هم الأقل فى رصيد الأفلام، بعضهم قضى نحو عشرين سنة فى السينما ورصيده لا يزيد على 10 أو 15 فيلما.. أنا فاكر فى تجربتى مع عادل إمام كنا غالبا نوقع عقد فيلم جديد ونحن فى البلاتوه لم ننته بعد من الفيلم الذى نصوره.. وسبق أن قلت لك إننى عملت مع عادل 4 أفلام فى سنة واحدة.. وفى واحدة من تلك السنوات وقعت 14 عقدا مع شركات إنتاج.. فقد كنا نسعى للكم والكيف معا.
ورغم ضعف الإمكانيات والميزانيات التى كانت متاحة لنا، وكنا نعمل فى ظروف إنتاجية صعبة، فإن أفلامنا باقية.. فمضمونها كفيل بخلودها.
(3)
أنا من المؤيدين لعودة الدولة إلى السينما، لكنى أتصور أن تجربة مؤسسة السينما وتدخل الدولة فى الإنتاج السينمائى بشكل مباشر أمر يستحيل تكراره.. عن نفسى أرى أن المؤسسة أنتجت أفلاما لا تُنسى وستظل فى ذاكرة السينما، وكان لا بد للتجربة أن تتوقف بعد نزيف الخسائر والذى وصل إلى 9 ملايين جنيه بحسابات وأرقام الستينات.
لا الدولة الآن عندها فائض مالى تدفعه للسينما، ولم تعد هناك الخبرات التى يمكن أن تدير المؤسسة بقامة صلاح أبوسيف ونجيب محفوظ وسعد وهبة، ولذلك فالعودة للمؤسسة باتت أمرا مستحيلا.. لكن أتصور أن الدولة يمكن أن تمد يدها للسينما وتدعمها وتقدم لها خدمات جليلة ربما أهم من الدعم المباشر، بالتدخل لإصدار تشريعات تحمى الصناعة، وهو أمر لن يكلفها جنيها من خزانة الدولة لكنه كفيل بإنقاذ تلك الصناعة الاستراتيجية.
مطلوب تشريعات تمنع القرصنة وتحمى الملكية الفكرية وتيسر الأمور للمنتجين بالتصوير فى الأماكن العامة وتطور الرقابة وتشجع على بناء دور العرض وعلى تصدير الأفلام.. تشريعات لن تكلف الدولة شيئا.. فهل من مجيب؟
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
العمالة المنزلية تحتاج تشريعاً مستقلاً.. و «الأدنى للأجور » لايُطبق على غير المنتظمين من السابق لأوانه تقييم القانون الحالى.. ولابد...
« الذهب الأصفر» سلعة استراتيجية.. ونعمل على تقليل الاعتماد على الخارج تدخل فورى لإزالة المعوقات الميدانية.. وضمان استمرارية التوريد بنفس...
«فخر الدلتا» عمل يدعم المواهب الشابة
قدمت شخصيتين مختلفتين فى «سوا سوا» و «كان ياما كان»