إسرائيل وتركيا.. صراع على النفوذ وسيناريوهات المواجهة المنتظرة

في الوقت الذي يقترب فيه الكيان الإسرائيلي من التوصل إلى اتفاق وتهدئة مع سوريا نجده يقصف مطار أبو الظهور العسكري السوري، في خطوة وصفها البعض بأنها مقدمة لمواجهة مباشرة مع تركيا التي تتولى إعادة تنظيم وترتيب الجيش السوري.

غارة الكيان الصهيوني وضعت المنطقة على أبواب حرب جديدة، والحرب هذه المرة بين حليفتين للولايات المتحدة، الأمر الذي دفع واشنطن للتدخل سريعا لنزع فتيل هذه المواجهة. وجاء الاعتداء الإسرائيلي على المطار السوري في سياق المحاولات المتكررة من جانب رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو لإشعال حرب كبيرة كي يتخذها ذريعة لتأجيل الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في أواخر هذا العام.

يأتي التصعيد الصهيوني ضد سوريا وتركيا في وقت يواصل العدو الصهيوني اعتداءاته على قطاع غزة، حيث تتواصل عمليات الاغتيال الممنهجة والتي يسقط بسببها عشرات الفلسطينيين يومياً بعيدا عن عدسات وسائل الإعلام التي تركز متابعاتها على الأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، وتأثيراتها على الأمن والاقتصاد العالميين.

التصعيد لا المواجهة

من جانبه يقول رئيس لجنة المتابعة العليا في الداخل الفلسطيني، والمحاضر في العلوم السياسية دكتور جمال زحالقة إن إسرائيل وتركيا تريدان التصعيد لكنهما لا تريدان المواجهة. فإسرائيل وضعت خطاً أحمر لتركيا بعدم تجاوز التواجد البري القائم شمال سوريا. وإسرائيل تقوم بجهود محمومة لمنع انتشار الجيش التركي في مناطق أخرى، والاقتراب من حدودها، وهذا السيناريو هو كابوس بالنسبة لإسرائيل. فليس بين الدولتين حدود، لكن تواجدهما العسكري في سوريا قد يحدث احتكاكاً مباشراً.

وأضاف: الخط الأحمر الإسرائيلي الأهم هو منع تركيا من نصب رادارات ودفاعات جوية على الأراضي السورية لأن في ذلك "اعتداء على حرية تحليق الطيران الحربي الإسرائيلي في الأجواء السورية". إسرائيل تتحدث وكأن خرق سيادة سوريا هو "حق" من حقوقها. وما يقلق إسرائيل بشكل خاص هو أن طائراتها تمر عبر سوريا في طريقها لقصف مواقع في إيران والعراق، وهي تعتبر "الممر الآمن" فوق سوريا مسألة استراتيجية من الوزن الثقيل.

وتابع زحالقة: إسرائيل تبقى على الجبهات مفتوحة، وتواصل عدوانها على جميع الأطراف بهدف استرجاع هيبتها بعد ضربة السابع من أكتوبر، التي تستغلها لتحقيق مآربها في أن تكون دولة هيمنة في الشرق الأوسط، ودولة هيمنة هنا تأتي بمفهوم دولة تهدد ولا تُهدَّد، يخشاها الجميع ولا تخشى أحدا. بالطبع هذا "حلم إبليس في الجنة" بوجود قوى إقليمية وازنة بالأخص تركيا ومصر، اللتان طوّرتا علاقاتهما السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في السنوات الأخيرة.

وسيلة لتأجيل الانتخابات

وأشار زحالقة إلى أن للحرب المفتوحة هدف آخر في غاية الأهمية بالنسبة لنتنياهو. فهو يريد أن يبقى بيده إمكانية خلق حالة من التصعيد الحربي تمكنه من تأجيل الانتخابات، كما حدث بعد حرب أكتوبر ۱۹۷۳. وفي كل الأحوال سنشهد المزيد من التصعيد العدواني الإسرائيلي كلما اقتربت الانتخابات، لأن نتنياهو فشل في تحقيق أهداف الحرب على جميع الجبهات، وهو يدعي أن الحرب لم تنته وهو "في الطريق" لتحقيق الأهداف. وقف الحرب في هذه المرحلة هو بالنسبة لنتنياهو إقرار بالفشل وخسارة في الانتخابات.

وأكد زحالقة أن إسرائيل حصلت على ضوء أخضر أمريكي لاستعمال القوة العسكرية لما يسمى "الدفاع عن النفس في مواجهة تهديد مباشر"، وهذه معادلة كافية بالنسبة لإسرائيل في هذه المرحلة، وهي تمكنها من مواصلة القتل والتدمير تحت لافتة "التهديد المباشر والدفاع عن النفس". لكن يبدو أن الولايات المتحدة رسمت حدودا واضحة لا تسمح لإسرائيل بتجاوزها حاليا وهي عدم التصعيد إلى درجة الانهيار الرسمي لوقف إطلاق النار في لبنان وغزة. مشيراً إلى أن الضوء الأخضر الأمريكي المشروط، مكن إسرائيل من ارتكاب الجرائم الفظيعة بشكل يومي والمطلوب عربياً هو الضغط على الولايات المتحدة لإلغاء الضوء الأخضر تماماً واستبداله بضوء أحمر على كل الجبهات.

عن آثار الاعتداءات الصهيونية على اتفاق وقف الحرب في غزة والمبرم برعاية الرئيس دونالد ترامب شخصيا، يقول زحالقة إن إسرائيل وافقت على وقف إطلاق النار لفظياً، لكنها لا تلتزم به بتاتاً، فهي تطلق النار كل يوم، وتقلص المساعدات الإنسانية، وتعرقل جهود إعادة الإعمار. والسبب هو أن إسرائيل ما زالت تراهن على التهجير، وتحسين الأوضاع في غزة يتعارض مع منطق التهجير. وإذا التزمت إسرائيل هنا وهناك على بعض بنود اتفاق وقف الحرب برعاية ترامب، فهي تفعل ذلك بسبب الضغوط الشديدة وليس رغبة منها بوقف الحرب.

ولفت زحالقة إلى أن إسرائيل تسعى إلى فك الارتباط بين إيران ولبنان. فهي تصعد في لبنان لدفـع المجتمع اللبناني إلى اقتتال داخلي، ولم ترق لها المحاولات المصرية لإيجاد صيغة تفاهم لبناني داخلي وحل مقبول لسلاح حزب الله. أما بالنسبة لمضيق هرمز، فالولايات المتحدة ليست بحاجة لإسرائيل للتعامل مع أزمة الملاحة في الخليج العربي.

استبعاد الحرب

من جانبه يقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة بيرزيت دكتور إبراهيم ربايعة إنه من غير المتوقع أن تتطور المواجهة بين تركيا وإسرائيل لتصل إلى مستويات أكثر حدة أو أن تصل إلى اشتباك مباشر لكن من المتوقع أن تتصاعد حدة التصعيد الخطابي والتوتر السياسي الدبلوماسي بين البلدين، وعلى مستوى تفاعلات علاقة الطرفين بشركائهم الدوليين.

وأوضح ربايعة أنه لا يعتقد أن إسرائيل كانت بحاجة لضوء أخضر من الإدارة الأمريكية في هذه المرحلة بالذات، فما يتم هو نقطتين أساسية: النقطة الأولى هي التفهم الدائم والمستمر والتاريخي للأجواء الانتخابية في إسرائيل، وحرص واشنطن على تخفيف الضغوط على إسرائيل في فترة الانتخابات، وبالتالي يظهر وكأن الإدارات الأمريكية المتعاقبة تتفهم بشكل مبالغ فيه الحسابات الانتخابية الإسرائيلية وتحجم عن أي فعل قد يفسر على أنه تدخل بالانتخابات الإسرائيلية وهذا غير مرتبط فقط بالإدارات الأمريكية بل هو مرتبط بالحسابات السياسية الأمريكية الداخلية المعقدة في علاقتها مع إسرائيل، وما يتم اليوم يضاف إلى هذا المحدد ضمن القواعد المتفق عليها إسرائيلياً أمريكياً، وأضاف: إسرائيل حصلت على تفهم أمريكي للعقيدة العسكرية والتي تقوم على الاستهداف بعيد المدى والضرب في "أراضي الأعداء" وهذا التفهم ازداد بعد العمليات المشتركة التي قام بها الطرفان ضد إيران.

ولفت ربايعة إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا لن تفجر هذه الجبهة، وستواصل إسرائيل عملياتها على جبهتي لبنان وغزة، وستواصل عمليات الاستنزاف حتى نهاية الانتخابات الإسرائيلية، بعدها ستقوم الولايات المتحدة بجهود أكبر لخلق أمر واقع جديد على مختلف الجبهات.

مخاوف من "المحور السني"

وأشار ربايعة إلى أن نتنياهو كشف عن محاولات إسرائيلية لتشكيل تحالف دولي لمواجهة ما تطلق عليه "المحور السني" في إشارة إلى مصر وتركيا والسعودية وباكستان، وبهذا الإطار إسرائيل تستشعر خطر الثقل الذي تمثله هذه الدول الأربع، ويضاف إلى هذا الثقل موقع مصر الاستراتيجي، وبهذه المعادلة تحاول إسرائيل أن تمنع توسع تركيا إلى حدودها وهي تدرك تماما أن تركيا بتسهيل أمريكي مناط بها ترمیم سوريا بشكل كامل بما يشمل القوات العسكرية. وباعتقادي أن إسرائيل تحاول فرض قواعد اشتباك في سوريا تشبه تلك التي كانت علاقتها مع روسيا في فترة النظام السابق، ولا يوجد ربط بين هذا التصعيد وتهديد الرئيس الأمريكي بالتصعيد ضد إيران، لأن ترامب يدير الملف الإيراني برؤية أمريكية مطلقة بعيدا عن إسرائيل.

قلق من الثقل المصري

وشدد ربايعة على أن الثقل المصري في الإقليم هو مقلق بالنسبة لإسرائيل، فالثقل السياسي والدبلوماسي لمصر بالإضافة للقوة العسكرية هي مساحة تقع في قلب الحسابات الإقليمية بالنسبة لكل الأطراف. وما يحدث من تفاعلات وإعادة تموضع وتشكيل تحالفات على مستوى الإقليم هو مقلق بشكل كبير جدا بالنسبة لإسرائيل. مضيفاً أن المجتمع الدولي يدرك تماماً أن إسرائيل دولة توسعية وتسعى لفرض أمر واقع على مستوى قطاع غزة والضفة ولبنان وسوريا، وأن إسرائيل تحاول تفجير الإقليم بشكل مستدام لأنها تريد حربا دائمة - هذا ما يدركه المجتمع الدولي ولكن الاستجابات ضعيفة في ظل الموقف الأمريكي غير الحازم مع هذه السلوكيات الإسرائيلية. وعاد "ربايعة" ليقول: باعتقادي أن الدعوات المصرية لإنهائ حرب غزة ووقف الاعتداءات الإسرائيلية ستجد أثرا في المرحلة القادمة خاصة بعد الانتخابات الإسرائيلية. وعلينا أن نتذكر أن الموقف المصري، والموقف الأردني، والمواقف العربية والإسلامية من موضوع التهجير كانت ذات أثر كبير في تدخل دولي لفرملة هذا المشروع.

مواجهة متدرجة

من جانبه يقول الخبير الاستراتيجي الدكتور عامر السبايلة إن بوادر المواجهة التركية الإسرائيلية كانت ظاهرة على مدار السنوات الماضية، وأعتقد أنها وصلت إلى نقطة لا يمكن التعايش معها، خاصة مع مواقف حزب العدالة والتنمية الواضحة تجاه أحداث ٧ أكتوبر، وما بعدها، وأيضا في ملف سوريا والقرن الإفريقي. فأعتقد أن المواجهة بين أنقرة وتل أبيب يمكن أن تكون تدريجيا وستأخذ بعين الاعتبار فكرة عدم اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة. لكن أعتقد أن الإسرائيليين يدركوا أن حجم الخطر الأكبر بالنسبة لهم في مرحلة ما بعد إيران هو بقاء "تركيا العدالة والتنمية" بأسلوبها وسياساتها وأجندتها لملء هذا الفراغ الإيراني خصوصا في سوريا وفي مناطق أخرى، فأعتقد تدريجياً الصدام سيأخذ عدة أشكال، لكن من الصعب الوصول إلى المواجهة العسكرية المباشرة، لأنه ليس لدى الطرفين دافع قوي لهذه المواجهة، لكن فعلياً يدرك الإسرائيليون أنه من الصعب التعايش مع حكم العدالة والتنمية في تركيا في المرحلة المقبلة.

وأضاف السبايلة أن إسقاط إيران مهم جدا بالنسبة للإسرائيليين لكنهم أيضا يهتمون بضبط التحرك التركي ومنع أي طموح تركي لسد الفراغ الإيراني سواء في البحر الأحمر وعلاقاتها مع السودان، أو في القرن الإفريقي وعلاقات أنقرة مع الصومال وجيبوتي، وبالطبع يزداد القلق الإسرائيلي من التوسع التركي في سوريا ومحاولة ملء الفراغ الإيراني على الحدود المباشرة لإسرائيل.

وأشار السبايلة إلى أن إسرائيل ما بعد السابع من أكتوبر هي إسرائيل مختلفة فهي تتمسك بأن تؤمن نفسها، لذلك لن تتهاون في فكرة استثمار الجغرافية المحيطة بها خصوصاً أن ٧ أكتوبر هو نتاج لفكرة وحدة الساحات فبالتالي أعتقد أن إسرائيل لن تتوقف عن سياستها العدوانية إلا بإنهائ أخطار الميليشيات المحيطة بها، وكذلك إعادة رسم الجغرافيا الأمنية للمناطق المحاذية له.

وحول الوضع في غزة يقول السبايلة: إن اتفاق وقف الحرب مع بقاء المشكلات الرئيسية على الأرض يعني استمرار القتال، وهذه المنطقة لن تهدأ إلا بإجبار إسرائيل على وقف سياسة الاغتيالات في غزة، وأعتقد أننا ما زلنا بعيدين عن هذه النقطة، فبالتالي حتى لو أراد الرئيس ترامب فرض السلام فإنه يجب أن يتخذ خطوات عملية على الأرض لأن السلام لا يفرض بكلمة أو بقرار.

الوجود التركي في سوريا ليس تهديدا لإسرائيل

من جانبه يقول الخبير الاستراتيجي اللواء الدكتور صالح المعايطة إنني لا أتوقع أن تكون هناك مواجهة عسكرية بين تركيا وإسرائيل، فإسرائيل منهكة عسكريا واقتصاديا ونفسيا، لكن الصراع التنافسي بين الطرفين سيبقى لملء الفراغ الجيوسياسي في سوريا، فإسرائيل تنظر إلى الوجود التركي في سوريا كتحدي ومنافس لها على التمدد في سوريا، وليس تهديداً مباشراً لأمنها، والولايات المتحدة قادرة على "مسك كوابح" الطرفين.

وأضاف المعايطة أن التصعيد الإسرائيلي لا يزال مقيدا لأن نتنياهو يحاول ربط العمليات العسكرية في كل من سوريا ولبنان وغزة ببرنامجه الانتخابي ويريد أن يقدم إنجازات أمنية وسياسية للشعب الإسرائيلي مع الاستمرار في العمليات العسكرية والاستثمار في نقاط الضعف الموجودة في سوريا ولبنان وغزة والضفة الغربية لخلق توازن ردع تمهيداً للوصول الى تفوق الردع، لإجبار سوريا ولبنان على عمل اتفاقيات سلام وبشروط إسرائيلية أهمها الاحتفاظ بهضبة الجولان.

ولفت المعايطة إلى أن الإدارة الأمريكية ملتزمة بأمن إسرائيل وحمايتها من تهديدات ما تسميها بالتنظيمات الإرهابية المتواجدة على الأراضي السورية واللبنانية والعراقية، كما أن أمريكا لا تسمح بتواجد قوات عسكرية أو تنظيمات مسلحة بالقرب من الحدود الإسرائيلية لهذا أعطت واشنطن الضوء الأخضر لإسرائيل لقصف مطار أبو الظهور، وحصلت إسرائيل خلال العملية على دعم لوجستي واستخباري من الإدارة الأمريكية.

 	ناصر حجازي

ناصر حجازي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

بللل

المزيد من سياسة

كواليس الحرب الفاصلة بين أمريكا وإيران.. واقع مخيف ينتظر دول المنطقة

د. طارق فهمى: الهدوء الحالى.. ليس إلا تكتيكاً عسكريا وسياسياً بامتياز اللواء سمير فرج: إيران تمتلك شبكة عنكبوتية من التحصينات...

إسرائيل وتركيا.. صراع على النفوذ وسيناريوهات المواجهة المنتظرة

في الوقت الذي يقترب فيه الكيان الإسرائيلي من التوصل إلى اتفاق وتهدئة مع سوريا نجده يقصف مطار أبو الظهور العسكري...

أبعاد الحملة المسعورة على مشروع الضبعة النووى فى هذا التوقيت

كانت مجلة بوليتيكو قد نشرت تقريرا تحدثت فيه عن وجود أخطاء فنية داخل إنشاءات مفاعل الضبعة النووي، وذكرت الصحفية ان...

10 حقائق موثّقة تكشف مخطط التآمر على مشروعنا النووى السلمى

تقرير «بولوتيكو» المشبوه ليس الأول ولن يكون الأخير.. أهداف سياسية خبيثة وراء التشويه الممنهج لمحطة «الضبعة» فى هذا التوقيت قلب...