تفاصيل الدور المصرى الخفى لنزع فتيــل الانفجار الكبير فى المنطقة

وساطات هادئة وتحركات دبلوماسية مكثفة.. البرديسى: القاهرة لا تبحث عن مكاسب دعائية أو حضور إعلامى فى إدارة الأزمات فرحات: مصر تمتلك رصيداً من الثقة.. يؤهلها لتقريب وجهات النظر

فى وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية وتتشابك فيه ملفات الصراع فى الشرق الأوسط من الخليج إلى شرق المتوسط، يبرز الدور المصرى كأحد أكثر الأدوار ثباتًا واتزانًا فى إدارة أزمة الولايات المتحدة وإيران وبين الأخيرة ودول الخليج ومحاولة منع انزلاق المنطقة نحو مواجهات أوسع، فبين وساطات هادئة وتحركات دبلوماسية غير معلنة، تتحرك القاهرة وفق مقاربة تقوم على خفض التصعيد وتثبيت الاستقرار، بعيدًا عن الضجيج الإعلامى أو الاستعراض السياسي.

عن الدور المصرى المؤثر بالمنطقة أكد الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية أن الدور الذى تلعبه الدولة المصرية فى الإقليم والعالم العربى يتسم بدرجة عالية من الوضوح والاتزان والاتساق، مشيرًا إلى أن هذا الدور لا يقوم على ردود الأفعال أو التحركات اللحظية، وإنما يستند إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى قوامها الهدوء والعقلانية والثقة فى القيادة السياسية المصرية، إلى جانب ما وصفه بـ"الثقل التاريخى والاستراتيجي" للدولة المصرية فى محيطها الإقليمي.

وأوضح البرديسى أن مصر تمتلك ما يمكن وصفه بـ"رصيد متراكم من المصداقية السياسية والدبلوماسية"، وهو رصيد لم يتشكل فى لحظة أو أزمة بعينها، وإنما عبر عقود طويلة من الانخراط الفاعل فى قضايا المنطقة، سواء عبر الوساطات السياسية أو المفاوضات أو إدارة الأزمات المعقدة، وهذا التراكم فى المصداقية هو الذى منح القاهرة هذا الوزن الخاص فى ملفات المنطقة، وجعلها طرفًا محوريًا فى جهود تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، سواء فى أزمة الحرب الأمريكية الإيرانية أو فى مراحل سابقة، بما فى ذلك ما يتعلق بترتيبات ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار فى غزة، وكذلك فى مختلف محطات الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، أو حتى فى إدارة التباينات داخل البيت الفلسطينى نفسه.

وأضاف أن مصر لم تكن يومًا طرفًا يبحث عن مكاسب دعائية أو حضور إعلامى فى إدارة الأزمات، وإنما كانت تتحرك دائمًا من منطلق تحقيق الاستقرار الحقيقي، وتثبيت التهدئة، ومنع الانزلاق نحو الفوضى، وهو ما جعل دورها محل تقدير حتى من أطراف دولية وإقليمية متعددة، كما أن من بين أهم عناصر القوة المصرية فى هذا السياق موقعها الجغرافى الفريد، وارتباطها المباشر بالملف الفلسطينى عبر معبر رفح، إضافة إلى الأعباء التاريخية والسياسية التى تحملتها الدولة المصرية على مدار عقود طويلة، فضلًا عن مشاركتها فى حروب ومفاوضات شاقة ومعقدة، سواء فى الصراع العربي–الإسرائيلى أو فى إدارة الخلافات الفلسطينية الداخلية.

وأشار خبير العلاقات الدولية أن هذه التجربة الطويلة أكسبت الدبلوماسية المصرية خبرة نادرة فى التعامل مع الملفات شديدة التعقيد، وجعلتها قادرة على إدارة التوازنات الدقيقة بين الأطراف المختلفة، عبر مقاربات سياسية لا يجيدها إلا من يمتلك تراكمًا تاريخيًا وخبرة مؤسسية عميقة، فالقوة المصرية لا تقتصر على البعد الجغرافى أو السياسى فقط، وإنما تشمل أيضًا القوة البشرية، والقوة العسكرية، والقوة الناعمة، إلى جانب دبلوماسية رصينة استطاعت أن تبنى شبكة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية.

ولفت البرديسى إلى أن الدبلوماسية الرئاسية التى يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسى أسهمت فى فتح قنوات اتصال واسعة مع مختلف الأطراف شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، بما عزز من مكانة مصر كفاعل رئيسى فى النظام الإقليمى والدولي، وساهم فى تعزيز فرص التهدئة فى أكثر من ملف ساخن.

كما تطرق إلى طبيعة العلاقات الدولية فى المنطقة، موضحًا أن العلاقات الشخصية بين القادة قد تلعب دورًا مساعدًا فى تسهيل بعض الملفات، إلا أن الأساس الحقيقى يظل قائمًا على المصالح الاستراتيجية للدول، وليس على الاعتبارات الشخصية وحدها.

وفيما يتعلق ببعض التصريحات المنسوبة إلى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، والتى أشار فيها إلى أطراف وصفها بـ"الدجالين" فى سياق بعض الأزمات الإقليمية، قال البرديسى إن مثل هذه التصريحات يمكن فهمها فى إطار سياسى واسع، وقد تعكس انتقادات لمن يحاولون جنى مكاسب دون تحمل أعباء أو مسؤوليات حقيقية، سواء على مستوى التمويل أو المشاركة الفعلية فى إدارة الأزمات، محذرًا من الحملات المتصاعدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أنها أصبحت أحد أخطر أدوات الصراع غير المباشر فى المنطقة، وأن كثيرًا منها يتم توظيفه بشكل مدروس ومخطط له، بهدف إثارة البلبلة وإحداث فجوات بين الدول العربية، لا سيما بين مصر وبعض الدول الشقيقة فى الخليج.

وتابع أن هذه الحملات "لا تعمل بشكل عفوي"، وإنما تتحرك فى إطار ما وصفه بـ"حروب إدراك ووعي"، تستهدف ضرب الثقة بين الشعوب والأنظمة، وإثارة الشكوك المتبادلة، مشيرًا إلى ضرورة التعامل معها بوعى سياسى وإعلامى متقدم، وعدم الانجرار وراء محتوى غير موثق أو موجّه، مشددًا على أن أحد أهم أهداف هذه الحملات هو محاولة تفكيك الصف العربى وإضعاف التنسيق الإقليمي، عبر بث الفتنة وإثارة الخلافات، مؤكدًا أن مواجهة ذلك تتطلب تعزيز الوعى العام، وتحصين المجال الإعلامي، وتبنى خطاب عقلانى يرسخ الاستقرار بدلاً من الصدام.

وفى سياق متصل، أكد البرديسى أن نجاح أى مسار للتهدئة أو التوصل إلى اتفاقات دائمة فى المنطقة، سواء بين القوى الإقليمية أو الدولية، يتوقف بالأساس على وجود إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف المتصارعة، وعلى رأسها واشنطن وطهران، إلى جانب قدرتها على إعادة صياغة العلاقات على أسس جديدة قائمة على المساواة والاحترام المتبادل، والالتزام بقواعد القانون الدولي، وعدم المساس بالسيادة الوطنية للدول، مشيرًا إلى أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق دون وقف دعم الميليشيات المسلحة، واحترام مؤسسات الدول الوطنية، والابتعاد عن التدخل فى الشؤون الداخلية للدول، وهذه المبادئ تمثل حجر الأساس لأى نظام إقليمى مستقر.

ودعا البرديسى إلى تبنى مقاربة عربية أكثر واقعية تقوم على "وحدة الرؤى" بدلًا من طرح فكرة الوحدة السياسية الشاملة، التى وصفها بأنها لم تحقق نتائج عملية فى السابق، بينما يمكن تحقيق تقدم حقيقى عبر تنسيق المواقف، وتعزيز التعاون الاقتصادى والاستثمارى والتجارى بين الدول العربية، فهذا النوع من التكامل التدريجى من شأنه أن يمهد لاحقًا لتقارب سياسى أوسع، ويخلق شبكة مصالح مشتركة تسهم فى تعزيز الاستقرار الإقليمي، وتقلل من فرص التصعيد والصراع.

وأشار البرديسى إلى أن مصر تمتلك رؤية استباقية فى قراءة المشهد الإقليمي، مشبهًا دورها بـ”زرقاء اليمامة” التى ترى ما لا يراه الآخرون، مشيرًا إلى أن كثيرًا من التحذيرات التى أطلقتها القاهرة قبل سنوات بشأن اتساع رقعة الصراع فى المنطقة باتت اليوم واقعًا ملموسًا، وأن مصر، بما تمتلكه من خبرة تاريخية ورؤية استراتيجية، لا تتحرك برد الفعل، وإنما تقدم مقاربات سياسية تستشرف المستقبل، وهو ما يجعله أحد أهم أعمدة الاستقرار فى المنطقة العربية.

من جانبه أكد الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، أن مستقبل العلاقات الإيرانية الخليجية بعد وقف الحرب سيظل مرهونا بمدى قدرة الأطراف المعنية على الانتقال من مرحلة التهدئة المؤقتة إلى بناء مسار مستدام للثقة المتبادلة، ولا يعنى وقف العمليات العسكرية بالضرورة انتهاء أسباب التوتر، بل يمثل فقط فرصة لإعادة تقييم السياسات وتغليب الحلول الدبلوماسية.

وأوضح فرحات أن العلاقات بين إيران ودول الخليج شهدت خلال السنوات الماضية مستويات غير مسبوقة من التوتر نتيجة تراكمات سياسية وأمنية، أبرزها التدخلات الإقليمية، والملف النووي، والهجمات التى استهدفت منشآت حيوية، وهو ما يجعل إعادة بناء هذه العلاقات عملية معقدة تحتاج إلى ضمانات واضحة وآليات رقابة فعالة تضمن عدم تكرار تلك التهديدات.

وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن طهران ستكون مطالبة خلال المرحلة المقبلة بتقديم مبررات وتفسيرات مقنعة بشأن الاستهدافات التى طالت بعض دول الخليج، إلى جانب اتخاذ خطوات عملية تعكس حسن النية، مثل الالتزام بمبدأ عدم التدخل فى الشؤون الداخلية، واحترام سيادة الدول، والدخول فى ترتيبات أمنية إقليمية تضمن الاستقرار الجماعى مضيفا بأن أى محاولة لتجاوز هذه الملفات دون معالجتها بشكل جذرى قد تؤدى إلى عودة التوتر سريعًا.

وفيما يتعلق بالدور المصري، أكد فرحات أن مصر تمتلك رصيدًا كبيرًا من الثقة لدى مختلف الأطراف الإقليمية، فضلا عن خبرتها الطويلة فى إدارة الأزمات واحتواء الصراعات، وهو ما يؤهلها للعب دور محورى فى تقريب وجهات النظر بين إيران ودول الخليج حيث يمكن للقاهرة أن تتحرك عبر قنوات دبلوماسية هادئة، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة، لتشجيع الحوار وبناء تفاهمات تدريجية تركز على الملفات الأمنية والاقتصادية.

وأضاف فرحات أن الدور المصرى لن يقتصر فقط على الوساطة، بل سيمتد إلى دعم أى ترتيبات إقليمية جماعية تهدف إلى تحقيق الاستقرار، خاصة فى ظل التحديات المشتركة التى تواجه المنطقة، مثل أمن الطاقة، وحماية الممرات الملاحية، ومكافحة الإرهاب مشددًا على أن المرحلة الحالية تمثل اختبارًا حقيقيًا لجميع الأطراف، فإما أن يتم استثمار فرصة وقف الحرب لبناء نظام إقليمى أكثر توازنا واستقرارًا، أو العودة إلى دائرة التصعيد التى أثبتت فشلها فى تحقيق الأمن لأى طرف.

وفى سياق متصل أكد الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، أن العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجى تعرضت لاهتزازات عميقة خلال التصعيد العسكرى الأخير، مشيرًا إلى أن استهداف طهران لعدد من الدول العربية يُعد تطورًا خطيرًا ستكون له انعكاسات ممتدة على مستقبل العلاقات الإقليمية.

وأوضح الرقب، أن التصعيدات الأخيرة ساهمت فى توسيع فجوة الثقة ومثل هذه التحركات تُلحق ضررًا مباشرًا بعلاقات الجوار وتزيد من تعقيد المشهد السياسى فى المنطقة.

وفيما يتعلق بمستقبل العلاقات، أشار إلى أن مرحلة ما بعد الحرب ستتطلب جهودًا دبلوماسية مكثفة لإعادة بناء جسور الثقة، موضحًا أن مسار التقارب الذى استمر لسنوات قبل التصعيد الأخير تعرض لانتكاسة حادة خلال فترة وجيزة من المواجهات، وهو ما سينعكس على مواقف دول الخليج تجاه إيران خلال المرحلة المقبلة، كما أن التطورات الأخيرة ستدفع نحو إعادة صياغة المواقف الخليجية والعربية بشكل أوسع، بعد فترة من التهدئة النسبية، مؤكدًا أهمية بلورة رؤية عربية موحدة للتعامل مع التحديات الإقليمية المتصاعدة.

ودعا الرقب إلى ضرورة تنويع الشراكات والتحالفات الدولية وعدم الاعتماد بشكل كامل على الولايات المتحدة، مشددًا على أهمية توسيع دوائر الانفتاح تجاه قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا، بما يحقق توازنًا أكبر فى العلاقات الخارجية للدول العربية ويعزز استقلالية القرار السياسي.

وفيما يخص الدور المصري، أشار إلى أن الدبلوماسية المصرية تلعب دورًا مهمًا فى تقريب وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة، كما طرحت مبادرات لتعزيز التعاون العربى المشترك وبناء منظومة أمن إقليمى بين الدول العربية، إلا أن هذه الجهود لم تكتمل بالشكل المطلوب فى حينه، معتبرًا أن المرحلة الحالية تستدعى إعادة إحياء فكرة العمل العربى المشترك بصورة أكثر فاعلية، بما يضمن تحقيق توازن استراتيجى فى المنطقة ويحول دون تراجع الدور العربى أمام التفاعلات الإقليمية والدولية.

وشدد على أن إعادة بناء الثقة بين إيران ودول الخليج لن تكون سريعة، بل قد تمتد لسنوات طويلة، فى ظل ما وصفه بالشرخ العميق الذى خلفته التطورات الأخيرة، ما يتطلب تحركًا عربيًا منظمًا ورؤية استراتيجية طويلة المدى لتجاوز تداعيات المرحلة الراهنة.

رشا حافظ

رشا حافظ

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

شقيق سارة نتنياهو ساعد الحـــرس الثورى فى تمويل حرب إيران

أصدقاء ترامب جمعوا مليارات الدولارات خلال حرب الـ40 يومًا بتواطؤ الموساد والـCIA أبرز أصدقاء ترامب حوَّل رواتب ضباط وجنود قوات...

تفاصيل خطة إسرائيل الخبيثة لإعـــادة تشكيل المنطقة وتدمير لبنان

د. محمد عثمان: العدوان على لبنان يمثل تهديدًا كبيرًا للتهدئة الإقليمية الأوسع تمارا حداد: الاحتلال يرى أن أى وقف للحرب...

تفاصيل الدور المصرى الخفى لنزع فتيــل الانفجار الكبير فى المنطقة

وساطات هادئة وتحركات دبلوماسية مكثفة.. البرديسى: القاهرة لا تبحث عن مكاسب دعائية أو حضور إعلامى فى إدارة الأزمات فرحات: مصر...

الباحث الرئيسى لمشروع الجينوم المصرى: تحول علمى ينهى تهميش البصمة الجينية

بشرى لأصحاب الأمراض النادرة.. بعد التوصل لبصمة قدماء المصريين