تخفيض معدلات الدين العام بنسب غير مسبوقة.. وتوسيع الإنفاق على الخدمات العامة من حق المواطن مساءلة الحكومة.. وعلينا التعامل مع هذه الأمور بشفافية وعمق اختزال أزمة الدّيْن فى مشروعات «الطرق والكبارى» ليس صحيحًا
72 ساعة فقط؛ كانت هى الفترة الزمنية الفاصلة بين العرض الذى قدّمَه الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء بشأن رؤية حكومته لإدارة الدّيْن (الداخلى والخارجي)، وبين اللقاء الذى جمَعه بالرئيس "السيسي" فى حضور وزير المالية أحمد كجوك، وحسن عبد الله محافظ البنك المركزي؛ ذلك الاجتماع الذى تم خلاله استعراض آليات تعزيز الاستقرار المالى والنقدي، وكذا جهود تدبير الاحتياجات المالية للقطاعات الأساسية، بما يضمن توفير متطلبات السوق المحلية، ودعم بيئة الأعمال، وتلبية احتياجات الإنتاج والتشغيل.
البعض رأى أن البيان أو "المقال" الذى نشره الدكتور "مدبولي" عن رؤية وزارته لإدارة أزمة الدّيْن فى هذا التوقيت كان بمثابة محاولة لتجديد الثقة فى حكومته؛ المُنتظر تقديم استقالتها عقب تشكيل البرلمان الجديد فى يناير الجارى (وفق الدستور)، فيما رأى البعض الآخر أن حديث رئيس الوزراء عن إشكالية الدّيْن قبل أيام من إعلان تشكيل الحكومة الجديدة جاء تمهيدًا لمجموعة من الإجراءات التى ستتخذها الحكومة خلال أيام قليلة، والمتعقلة بنوعية وطبيعة الطروحات الجديدة التى قد تثير بعض الجدل، خاصة أن "مدبولي" أتبع ذلك بتصريح آخر قال فيه: "إن معدلات الديون السيادية سنخفض إلى مستويات لم تشهدها مصر منذ 50 عامًا".
بعيدًا عن الهوى والغرض، وأيًا كانت نوايا رئيس مجلس الوزراء؛ فإنه لا يسعنا إلا أن ندقق ونحلل ما جاء فى بيان أو "مقال" "مدبولي" بشأن الدِيْن، قبل 72 ساعة فقط من اجتماعه بالرئيس "السيسي" لاستعراض السياسات المالية والنقدية للحكومة الحالية.
ولنبدأ من عند الاجتماع الذى عقده الرئيس "السيسي" برئيس الحكومة ووزير المالية أحمد كجوك، ومحافظ البنك المركزى حسن عبد الله، والذى قد يكشف جانبًا من أسباب حديث رئيس مجلس الوزراء عن إشكالية الدين فى هذا التوقيت، حيث حرص الرئيس "السيسي" على استعراض الحكومة لتعزيز الاستقرار المالى والنقدي، وكذا جهود تدبير الاحتياجات المالية للقطاعات الأساسية، بما يضمن توفير متطلبات السوق المحلية، ودعم بيئة الأعمال، وتلبية احتياجات الإنتاج والتشغيل، كما اطّلع الرئيس "السيسي" خلال الاجتماع على المؤشرات الخاصة بتدعيم احتياطات الدولة من النقد الأجنبي.
توجيهات رئاسية عاجلة
فى هذا الصدد، أكد الرئيس "السيسي" على ضرورة استمرار التنسيق المشترك بين الحكومة والبنك المركزى لمتابعة أولويات المرحلة المقبلة، بما يُحقق تكاملًا يضمن استدامة المؤشرات الإيجابية للاقتصاد المصري، ويُعزّز قدرته على الصمود والمرونة فى مواجهة التحديات، مشدّدًا على أهمية استمرار الجهود لضمان توفير الاحتياجات المالية المطلوبة لدعم النشاط الاقتصادى وتحقيق الاستقرار المالي.
الاجتماع ناقش أيضًا آليات الحفاظ على المسار النزولى لمعدل التضخم، بعد انخفاضه خلال شهر نوفمبر ٢٠٢٥ على أساس شهرى وسنوي، وذلك من خلال المتابعة الدائمة للسياسات والإجراءات المستهدفة لضبط الأسواق، وتعزيز توافر السلع الأساسية، وضمان استقرار الأسعار، كما تركزت النقاشات على تطورات السياسة المالية وتحسن مؤشرات الموازنة، سواء بتحقيق الفائض الأولى المستهدف وخفض دين الموازنة للناتج المحلي.
وشدّد الرئيس "السيسي" على أهمية تكاتف كافة جهات الدولة للعمل على خفض وتحسين مؤشرات دين أجهزة الموازنة العامة، وكذلك فاتورة خدمة أعباء الدين، موجهًا بتسريع مسار الاستدامة المالية، وتعزيز الانضباط المالى وتحسين هيكل المديونية، بما يضمن توجيه موارد أكبر للقطاعات الخدمية ولجهود تعزيز التنمية البشرية، إضافة إلى التركيز على زيادة مستويات الاحتياطى من النقد الأجنبي، وتلبية الاحتياجات التمويلية اللازمة لتعزيز الجهود التنموية.
وفى ضوء مخرجات هذا الاجتماع، نخلص إلى أن السيطرة على "الدين العام"، والعمل على تخفيضه بكافة السبل هو سياسة دولة، وعلى الحكومة الحالية أو غيرها أن تلتزم بتنفيذها أيًا كانت التحديات أو المعوقات، خاصة بعد أن تخطت الدولة المصرية المرحلة الأصعب فى تاريخها، وأصبحت أكثر رسوخًا فى مواجهة الأنواء التى كانت تستهدف بقاءها من الأصل. ويدعم هذا الطرح؛ الاجتماع اللاحق الذى عقده الدكتور مصطفى مدبولى بمقر الحكومة بالعاصمة الجديدة، لمتابعة خطة التوسّع فى طرح المزيد من الشركات بالبورصة المصرية خلال العام الجديد، بحضور الدكتور محمد فريد، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، والدكتور إسلام عزام رئيس البورصة المصرية، ومحمد الصياد، نائب؛ ذلك الاجتماع الذى استعرض "مدبولي" خلاله آخر المستجدات المتعلقة بخطة التوسّع فى طرح المزيد من الشركات الحكومية بالبورصة المصرية خلال 2026، فى إطار برنامج الطروحات الحكومية، وبما يُعزّز السيطرة على نسبة الدين العام إلى الناتج المحلى الإجمالي، وزيادة احتياطى البنك المركزى من النقد الأجنبي، الذى وصل إلى معدلات غير مسبوقة فى تاريخ الدولة المصرية.
(3) ثوابت لا حياد عنها
عود على بدء، وبالرجوع إلى مقال رئيس الحكومة، المعنون بـ"الدّيْن بين لحظة الذروة ومسار التصحيح.. كيف تقرأ الدولة عبء اليوم؟"، سنجد أن الدكتور مصطفى مدبولي، أكد فى بداية حديثه على مجموعة من الثوابت التى لا يجب الحياد عنها عند الحديث على قضية الدين العام أو غيرها من القضايا التى تشغل بال المواطنين، أولها: إنه من حق هذا الشعب أن يسائل حكومته عن أسباب ارتفاع معدلات الدّيْن وخدمته، خاصة أنه يتحمل الضغوط المعيشية المتزايدة بسبب السياسات الاقتصادية والمالية التى تنتهجها الحكومة.
ثانيًا: أكد "مدبولي" أن مسئولية الحكومة تقتضى التعامل مع تساؤلات المواطنين بقدر من الشفافية والعمق.
ثالثاً: الاقتصادات لا تدار بمنطق الاختزال ولا يمكن فهم مسارها بمعزل عن السياق الدولى والصدمات المتلاحقة التى أعادت تشكيل أولويات التمويل والنمو فى العلم خلال السنوات الأخيرة.
وفى ذلك قال "مدبولي": "ندرك تمامًا أن قضية الدّيْن العام وخدمة الدّيْن فى مصر لم تعد مجرد أرقام تُتداول فى تقارير اقتصادية، بل أصبحت سؤالًا مشروعًا لدى المواطنين عن القدرة على الاستمرار وحدود الاحتمال فى ظل ضغوط معيشية متزايدة. ويزداد هذا القلق كلما ارتفعت كُلفة الحياة أو ضاقت هوامش الإنفاق العام، فيبدو المشهد مُختزلًا فى معادلة مباشرة بين ديون مرتفعة وضغوط يومية محسوسة. غير أن مسؤولية الحكومة تقتضى التعامل مع هذا السؤال بقدر من الشفافية والعمق، لأن الاقتصادات لا تُدار بمنطق الاختزال، ولا يمكن فهم مسارها بمعزل عن السياق الدولى والصدمات المتلاحقة التى أعادت تشكيل أولويات التمويل والنمو فى العالم خلال السنوات الأخيرة".
أسباب التوسع فى الاستدانة
بعد ذلك تطرق "مدبولي" إلى الأسباب التى دفعت حكومته إلى التوسع فى الاستدانة خارجيًا وداخليًا، قائلاً: "منذ عام 2020، لم تتحرك مصر فى فراغ أو فى ظرف داخلى معزول، بل واجهت، شأنها شأن العديد من الاقتصادات النامية، بيئة دولية شديدة الاضطراب، بدأت بجائحة عالمية غير مسبوقة(كورونا)، ثم صدمة تضخمية حادة، أعقبتها أسرع دورة تشدد نقدى عرفها الاقتصاد العالمى منذ عقود".
وأضاف: فى هذا السياق، جاءت الضغوط المرتبطة بارتفاع الدّيْن وخدمته انعكاسًا لكُلفة الحفاظ على الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى ومنع الانكماش، لا نتيجة مسار منفصل عن هذه الصدمات، قبل أن تبدأ الدولة اليوم، وبصعوبة، مرحلة الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة ضبط المسار.
وراح "مدبولي" يدافع عن سياسات حكومته، والجهود التى بذلتها فى مواجهة التحديات التى فرضتها علينا الظروف الجيوسياسية من حولنا، قائلاً: قد يبدو للبعض أن الأرقام الحالية تُمثل نهاية الطريق، بينما تُظهر الحالة المصرية أن جوهر التحول الجارى لا يتحدد بحجم الدّيْن وحده، بل باتجاه حركته ومصادر تمويله وهيكل آجاله"، موضحًا أنه "فى عام واحد، سدّدت الدولة 3.4 مليار دولار من الدين الخارجي، رغم بقاء الرصيد الكلى مرتفعًا بفعل تراكمات سابقة، كما جرى تحويل التزامات قائمة بقيمة 11 مليار دولار إلى استثمار مباشر طويل الأجل".
واصفًا تلك الخطوة بأنها "تعكس تغيرًا مقصودًا فى السلوك المالى من الاعتماد على الاقتراض قصير الأجل إلى شراكات أطول أمدًا وأكثر ارتباطًا بالقدرة الإنتاجية"، مضيفًا: يُعزّز هذا الاتجاه أن الديون طويلة الأجل أصبحت تُمثل نحو 81٪ من إجمالى المديونية، بما يقلل ضغوط إعادة التمويل ويمنح المالية العامة مساحة زمنية أوسع للإدارة"، مشيرًا إلى أن "هذا التحول قد لا يظهر فى رقم الدّيْن المجرد، لكنه يتضح عند تتبع حركة الأموال الداخلة والخارجة، وما إذا كانت الموارد الجديدة تضيف أعباء سداد مستقبلية أم تسهم فى تخفيفها عبر الاستثمار والنمو".
إعادة ضبط المسار
بشأن الانتقادات التى طالت حكومته بعد إبرام إحدى الصفقات الضخمة، واتهامها بالتفريط فى أصول الدولة، دافع "مدبولي" عن مسألة مبادلة الديون، قائلاً: يكتمل التحول( من إدارة الأزمة إلى إعادة ضبط المسار) باستخدام أدوات غير تقليدية لإدارة الدّيْن، من بينها آلية مبادلة الديون، التى شهدت مصر خلالها دورًا بارزًا فى عام 2024. فقد كانت مصر إحدى سبع دول فقط نفّذت اتفاقات مبادلة أسهمت فى خفض الالتزامات الخارجية مقابل إعادة توجيه الوفورات إلى مشروعات تنموية وقطاعات اجتماعية وبيئية، كما تُعد العملية التى شاركت فيها مصر الأكبر عالميًا خلال العام، وهو ما يعكس اعتماد الدولة على أدوات مُعترف بها دوليًا لتخفيف العبء المالي، وتحويل جزء من التزامات الدّيْن إلى موارد تُستخدم مباشرة فى دعم أولويات التنمية، بدلًا من استمرار استنزافها فى خدمة الدّيْن وحدها".
وتابع "مدبولي": من هنا يصبح السؤال الحقيقى أقل ارتباطًا بكم بلغ الدّيْن؟، وأكثر اتصالًا بكيف يُدار؟، ولأى غرض يُستخدم؟، وكيف تُوزَّع كُلفته عبر الزمن؟، مشدّدًا على أن "الدّيْن الذى يضغط على الموازنة ويزاحم الإنفاق الاجتماعى يختلف جذريًا عن دَيْن يُعاد توجيهه أو يُستبدل بتدفقات استثمارية تخفف عبء السداد وتدعم النمو. وبين هذين النموذجين تعمل الدولة اليوم، فى مسار معقد لا يخلو من كُلفة، لكنه يعكس توجهًا مقصودًا للانتقال من منطق التمويل الطارئ إلى منطق الاستدامة والانضباط المالي".
مسار أعمق لم تكتمل نتائجه
فى محاولة لوضع النقاط فوق حروف المصطلحات التى يستخدمها البعض لتضخيم أزمة الدين وأثارها على مستقبل الدولة المصرية والأجيال القادمة، تحدث "مدبولي" بصراحة مطلقة، قائلاً: "تدرك الحكومة أن الجدل الدائر حول الدّيْن يرتبط بلحظة زمنية بعينها، تتقاطع فيها استحقاقات سابقة مع محاولات تصحيح لاحقة، فتظهر الأرقام فى أقصى درجات حدتها قبل أن تبدأ بالانحسار"، مؤكدًا أن التجارب الدولية تشير إلى أن "كُلفة التحول غالبًا ما تتجسد أولًا فى صورة ضغوط مالية مرتفعة، قبل أن تنعكس آثار إعادة الهيكلة وتغيير أدوات التمويل على مؤشرات الاستدامة والقدرة على الحركة"، مؤكدًا أنه "من هنا تتحدد عدالة التقييم بين قراءة آنية للأعباء، وقراءة أعمق لمسار يجرى العمل عليه ولم تكتمل نتائجه بعد".
وأضاف: إن تعامل الحكومة مع ملف الدّيْن لا يقوم على ثنائية الدفاع أو الإدانة، بل على قراءة أكثر تركيبًا، تُميّز بين الضغوط الظرفية والاختيارات الاستراتيجية، فالدولة التى تمر بذروة فى خدمة الدّيْن ليست بالضرورة دولة تسير فى اتجاه خاطئ تمامًا، كما أن تحسن الأرقام فى الأجل القصير لا يعنى بالضرورة ترسخ الأسس الاقتصادية، ولهذا يظل المعيار الأهم فى تقييم السياسات هو اتجاه الحركة: هل يتغير هيكل التمويل؟.. هل تتراجع الاعتمادية على الديون قصيرة الأجل؟، وهل تُستبدل الالتزامات المالية بتدفقات قادرة على توليد قيمة مضافة مستدامة؟.. عند هذا الحد، يصبح التقييم موضوعيًا، وينتقل النقاش من صخب الأرقام إلى جوهر السياسات وأثرها الحقيقي.
بحديث الواثق فى قدرة وكفاءة وزارته على إدارة الأزمة، قال الدكتور مصطفى "مدبولي": من هذا المنطلق، ترى الحكومة أن المرحلة الراهنة تمثل اختبارًا لصلابة الاختيارات أكثر مما هى اختبار لسلامتها النظرية. فالانتقال من اقتصاد يعتمد على تدفقات دَيْن سريعة إلى اقتصاد يجذب استثمارًا أطول أمدًا، ويُعيد توزيع أعباء التمويل عبر الزمن، لا يتم دون كُلفة، ولا يمر دون ضغوط اجتماعية ومالية محسوسة؛ غير أن الفارق الجوهرى يكمن فى أن هذه الكُلفة، على قسوتها، ترتبط بمحاولة واعية لكسر حلقة الاستدانة المتكررة، لا بإدامتها، وبإعادة بناء علاقة أكثر توازنًا بين التمويل والنمو، لا بالهروب المؤقت من الاستحقاقات.
وأضاف: يبقى التحدى الأكبر أمام الحكومة هو كيفية إدارة هذه اللحظة مع الرأى العام، ليس عبر التقليل من حجم العبء أو إنكاره، بل عبر وضعه فى سياقه الصحيح، وشرح أسبابه وحدوده، والمسار المتوقع لتفكيكه. فالأزمات المالية لا تُقاس فقط بحدّة أرقامها، بل بقدرة الدولة على تحويلها من نقطة ضعف إلى دافع لإعادة الانضباط، ومن ضغط آنيِّ إلى مسار تصحيحى طويل النفس، يُقاس نجاحه بمرور الوقت وبالأثر الحقيقي، لا بلحظة واحدة.
خلط الأوراق فى سردية الأزمة
تطرق "مدبولي" إلى الانتقادات التى طالت توجه الحكومة بشأن تركيزها على إقامة مشروعات بنية تحتية وعقارية استنزفت موارد الدولة، وزادت مديونيتها داخليًا وخارجيًا، قال "مدبولي"، بكل ثقة: خلال السنوات الأخيرة، برز فى النقاش العام طرح يربط ملف الدّيْن العام بتمويل مشروعات بعينها، ويقدمه فى صورة سردية واحدة تختزل الأزمة فى مشروعات يُقال إنها بلا جدوى اقتصادية، مثل الطرق والمدن الجديدة، مقابل إهمال ما يُعرف ببناء الإنسان، وقد وجد هذا الطرح صدى لدى قطاعات واسعة من الرأى العام، لما يُقدّمه من تفسير مباشر ومبسّط لقضية معقدة، ويحوّل نقاشًا اقتصاديًا متشابكًا إلى سبب واحد سهل التداول؛ غير أن هذه القراءة، على بساطتها، لا تعكس الصورة الكاملة؛ فهى تخلط بين العائد المالى المباشر والعائد الاقتصادى الكلى طويل الأجل، وتتجاهل أن مشروعات البنية الأساسية لا تُقام باعتبارها مشروعات ربحية، بل كاستثمارات تُخفض تكاليف الإنتاج والنقل، وترفع إنتاجية العمل، وتزيد القيمة الاقتصادية للأصول، وهى شروط لا غنى عنها لتحسين التعليم، والصحة، وخلق فرص عمل مستدامة، كما أن بناء الإنسان ذاته لا يتحقق فى فراغ، بل يحتاج إلى بيئة عمرانية وخدمية قادرة على استيعاب النشاط الاقتصادى وجذب الاستثمار".
وتابع: يغفل هذا الطرح أن الدّيْن لم يكن نتاج هذه المشروعات وحدها، بل تَشكّل فى سياق صدمات خارجية متلاحقة فرضت على الدولة تمويل فجوات قائمة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادى والاجتماعي. فضلًا عن ذلك، لم يتوقف الإنفاق الاجتماعي، لكنه تعرض لضغوط قللت من أثره الظاهر بفعل التضخم والنمو السكاني. ومن ثم، فإن اختزال أزمة الدّيْن فى «طرق وكباري» لا يقدم تشخيصًا دقيقًا بقدر ما يُبعد النقاش عن السؤال الأهم: كيف نُحوّل ما أُنجز من استثمارات مادية إلى قاعدة إنتاجية حقيقية تعزز بناء الإنسان، بدل وضع الاستثمار فى الحجر والاستثمار فى البشر فى مواجهة زائفة.
إشارات إلى إعادة الثقة فى الحكومة
وأَضاف "مدبولي": فى هذا السياق، تلتزم الحكومة بأن يكون مسار إدارة الدّيْن جزءًا من رؤية أوسع للإصلاح، لا هدفًا قائمًا بذاته. فالمعيار الحقيقى لنجاح السياسات الاقتصادية لن يكون فى مجرد تراجع الأرقام، بل فى قدرتها على الانعكاس على حياة المواطنين، من خلال اقتصاد أكثر قدرة على خلق فرص العمل، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز العدالة فى توزيع أعباء التحول. وواجبنا فى هذه المرحلة هو الاستمرار فى هذا المسار بقدر عالٍ من الانضباط والشفافية، مع الاعتراف بالكُلفة الاجتماعية والمالية، والعمل على تخفيفها قدر الإمكان، حتى يصبح الإصلاح مسارًا مفهومًا ومقبولًا، لا عبئًا غامضًا يُضعف الثقة بين الدولة والمجتمع".
واختتم "مدبولي" تعليقه على ما يثار بشأن الدين العام، قائلاً: فى النهاية، فإن الحكم على مسار الدين لا يكون عند لحظة الذروة، بل عند ما يليها، فالدول لا تُقاس بقدرتها على تجنب الأزمات دائمًا، بل بقدرتها على إدارتها وتحويلها إلى مسارات تصحيح أكثر توازنًا واستدامة، ومسؤوليتنا أن نستمر فى هذا الطريق بوضوح وانضباط، وأن نربط إدارة الدّيْن بالنمو الحقيقى وبناء الإنسان، حتى يصبح ما نتحمله اليوم عبورًا ضروريًا نحو اقتصاد أقوى وأكثر قدرة على تلبية تطلعات المواطنين، لا عبئًا دائمًا يُقيّد المستقبل".
وفيما اعتبره البعض إشارة إلى تجديد الثقة فى حكومته بعد الانتهاء من تشكيل البرلمان، تحدث "مدبولي" عن المستقبل القريب، قائلاً: "انطلاقاً من هذا الالتزام، تعمل المجموعة الاقتصادية على دراسة وتنفيذ حزمة من الحلول الاستثنائية الهادفة إلى خفض أعباء الدّين، وتسريع مسار الاستدامة المالية، من خلال إجراءات متكاملة يجرى الانتهاء من ملامحها النهائية، وسيتم- تنفيذا لتوجيهات فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، رئيس الجمهورية- الإعلان عن عدد من هذه الإجراءات خلال الأيام المقبلة، فى إطار رؤية واضحة تستهدف تخفيف الضغوط على المالية العامة، وتعزيز قدرة الاقتصاد على النمو، بما ينعكس بصورة مباشرة على تحسين أوضاع المعيشة، وتوسيع هامش الإنفاق على الخدمات الأساسية التى تمس حياة المواطنين".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
السفير الصومالى: الاعتراف الإسرائيلى ليس مجرد قرار دبلوماسى بل خطوة تهدد استقرار القرن الإفريقى
مصر استخدمت ثقلها الدولى لحشد التوافق الدولى لمشروع إعادة إعمار غزة مصر تتحرك وفق خطة متكاملة لحماية حقوها وحفظ أمنها...
فكري: البيع الكامل يعرض هذه الأصول ذات الأهمية الوطنية والتراثية إلى مخاطر حقيقية سعيد: أى تغيير محتمل فى الحكومة عقب...
تخفيض معدلات الدين العام بنسب غير مسبوقة.. وتوسيع الإنفاق على الخدمات العامة من حق المواطن مساءلة الحكومة.. وعلينا التعامل مع...