د. أسامة الأزهرى: الإرهابى فى مختلف الديانات هو نفسية محتقنة تبحث عـــن تبرير

أداء المسلمين بمواجهة الاستهلاكية والإباحية والإلحاد شديد التواضع الإسلام يواجه انتشار الاستهلاكية وشره التسوق بالتعفف وأن يكون الشراء على قدر الاحتياج

تحت شعار "الإسلام والعالم" حل وزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهرى ضيفاً على صالون ماسبيرو الثقافى  باستديو أحمد زويل، بحضور الكاتب الكبير أحمد المسلمانى رئيس الهيئة الوطنية للإعلام ونخبة من كبار الإعلاميين والصحفيين وقيادات مبنى ماسبيرو.

وتحدث الأزهرى  فى عدد من القضايا الملحة وتعامل الإسلام معها، مثل فكرة الاستهلاكية التى سادت العالم، والإباحية والإلحاد وفكرة فلسفات الموت ورؤيتها.

عن فكرة الإستهلاكية قال الأزهرى : مفترض أن  علاقة الإنسان بالسلعة هى علاقة وظيفة، أى لا تلجأ لشراء سلعة جديدة ما دامت السلعة الأولى قائمة بأداء وظيفتها، فقد أشترى "بدلة" مثلاً  وأستخدمها لعشر سنوات لا مانع، ولا أفكر فى الإستغناء عنها وشراء أخرى جديدة إلا حين تُستهلك، ولا تعد صالحة لأداء وظيفتها، وكان هذا المنطق الحاكم بعقل البشر عموماً فى التعامل مع السلعة، وكان هذا هو التحدى الذى أراد الفيلسوف "إدوارد برنيز" أن ينسفه نسفاً، وهو المنطق الذى انعكس انعكاساً شديداً على الاقتصاد والبنية الإجتماعية ومختلف صور النشاط البشري.

وأضاف الوزير: قال "برنيز 1891-1995" لا أريد أن تظل علاقة الإنسان بالسلع علاقة الوظيفة، فيستخدم السيارة مثلاً سنوات طوال ما دامت صالحة للاستخدام، وكذلك البدلة والتليفون وماكينة الخياطة .. وغيرها ما دامت تعمل وتؤدى وظيفة حتى لو احتاجت إلى صيانة أو إصلاح أو تغيير قطعة من قطع الغيار، لكنها تظل سارية وعاملة لعشرات السنوات ما دامت تؤدى نفس الوظيفة.

برنيز قال لا بد من تغيير هذا المنطق البشرى فى التعامل مع السلع حتى تعمل شركات التجارة بمعدل أكثر تسارعاً، وتحقق ربحاً وعائداً أكبر وأعلى بكثير، فتغيير فلسفة التعامل مع السلع وإلغاء نظرية الوظيفة ليحل محلها "الحاجة"، فلا أشترى السلعة مثلاً لأن القديمة استهلكت وفقدت أهميتها، وأُجريت دراسات إعلامية وفى التسويق وفى فنون "البروباجندا" والأداء الإعلامى على نحو معين، تجعله يقنع الإنسان أنه أشد ما يكون احتياجاً إلى شراء السلع الجديدة، وتقديمها للإنسان بصورة شديدة الإغراء تثير شهيته، وتجعله يقتنع بالفعل – من خلال مدخلات علم النفس الخاصة بخاله الفيلسوف سيجمون فرويد – أنه يحتاج هذه السلعة، وأنه لم يعد منطقى التعامل مع السلعة القديمة بمنطق الوظيفة.

وتابع الوزير: بالتالى بدأ "برنيز" تقديم عدد كبير من الدراسات والبحوث والبرامج الناجحة، ويتعامل مع شركات السجائر والصابون والسيارات ليقدموا مبالغ ضخمة فى الترويج الإعلامى المستقبل لهذه الفلسفة والرؤية فى مقابل أن زيادة السلع المباعة لأضعاف يخصص منها نسبة لبرامج بيرنيز، والباقى للشركات المنتجة.

روجت هذه الألية من العشرينات، وما بعدها وأُسس فيها علوماً، وصنع فيها مؤسسات، وأكبر القوى وهى الولايات المتحدة الأمريكية نجحت فى ذلك نجاحاً كبيراً، وانطلق معها سيل من الأعمال المختلفة. بعد ذلك قال "برنيز" إنه ستحول نظرة الإنسان للسلعة من الوظيفة إلى الحاجة من خلال التركيز على الاحتياجات الخاملة داخل النفس البشرية، مع أن هذه الاحتياجات قد تكون خاملة وراكدة وساكنة ولا تحرك الإنسان وتسليط الضوء على هذه الاحتياجات لتكون المحرك الإنسانى الأساسي، فبدلاً من شراء "بدلة" مثلاً منذ سنة، وقد اشترى بدلة أخرى بعد 10 سنوات، أصبحنا نشترى "بدلة" ونفاجأ بنزول بدلة الشتاء، ثم مع نزول بدلة جديدة للصيف فهنا نتحلص من بدلة العام الماضى تماشياً مع الموضة الجديدة، وهكذا فى كل السلع، وهذا يعنى تسارع رهيب فى حركة البيع والشراء، وتسارع فى حركة التسلية، والهاء مركز ومدروس ودقيق السلعة سأتوفق أسس علم النفس على إقناع الإنسان أنه يحتاج هذه السلعة احتياج قاهر وطاغي.

وتابع وزير الاوقاف: إذا لم أشتر هذه  السلعة سأتحول إلى مظهر مؤلم جداً لى فى الوسط الإجتماعى الذى أعيش فيه، فصنع قوة اجتماعية ضاغطة على الإنسان أن يشترى السلعة الجديد، واذا حل منطق ادوارد برنيز نجد أنه مهما كان قيمة الدخل فلن يستطيع أن يكفى شراء كل متطلبات الحياة فى كل موسم.

 وواصل الأزهرى: بعد فترة قال برنيز إنه لا يكفى تعامل الإنسان مع السلعة من الوظيفة إلى الحاجة، بل قال إنه سيقوم بعمل نقلة أخرى وتحويل فلسفة تعامل الانسان من السلعة من الحاجة الحقيقية إلى وهم الحاجة، فتحولت فلسفة البشر فى أوروبا وأمريكا وفى العالم بأكمله  فى التعامل مع السلع من منطق الوظيفة إلى الهدف المسرع لرحة البيع والشراء، ثم انتقل من الحاجة إلى وهم الحاجة، أى الانتقال إلى الدفع فى الوهم.

وقال الوزير: هذه هى ثمرة حياة "ادوارد برنيز 1891-1995" فالعالم شهد منذ القرن الماضى تسارعاً رهيباً فى فلسفة وفكرة الاستهلاكية،  وحركت النفس البشرية للنهم بالشراء بعشرات الصيغ  تؤدى إلى نهم الشراء، للسلع الأساسية وغير الأساسية، وبعد أن يشتريها  عدة شهور ثم يشتريها مرات أخرى، بدون نهاية، وهنا الإنسان صار مجرد أداة فى شبكة هائلة الانتشار، والالحاح على النفس البشرية بعلم مخصوص ودراسة عميقة للنفس البشرية، لتحويلها للشره والشراء اللامحدود، فتحول الإنسان إلى أداة فى شبكة هائلة الانتشار والضغط والالحاح على النفس البشرية بعلم مخصوص ودراسة عميقة لتحويلها إلى سياق الشره والشراء اللامحدود واللامنقطع.

عن كيف تعامل الإسلام مع هذه الفلسفة، أجاب وزيرالاوقاف قائلا: نعمٌ... هى فلسفة وفكر وليس مجرد نشاط تسويقي، والإسلام يُلزم بالتقلل والتعفف والشراء قدر الاحتياج، مع الرخاء والوفرة والحفاظ على الأرض، وألا تقع النفس البشرية فى شره الشراء، وتحويل الاحتياجات المتوهجة إلى احتياجات خافتة، ووهم الاحتياج إلى الاحتياج الحقيقي، فالبعض شكى من غلاء بعض السلع فقال عمر رضى الله عنه "أو كلما اشتهيت اشتريت" .. فهنا نمط يعظم من شره الشراء، ونمط آخر يدعو لتهدئة النفس، والدعوة لشراء ما يؤدى الوظيفة والتوسعة على النفس البشرية دون شره، فهنا فلسفة ما تبنى  النفس البشرية فى عكس خط  سير واتجاه "ادوارد برنيز" ، والإسلام الذى هو خطاب قيادى بشرى يخاطب 8 مليارات إنسان على وجه الأرض بالرشد والتعفف والقناعة والشبع، وهذا انعكاسه مهم  على مختلف الأصعدة، فكما قلت إن الشاب الذى يتراوح دخله الشهرى من 10-20 ألف جنيه إذا تعامل بمبدأ الوظيفة سيجد الكفاية، أما إذا تعامل بوهم الاحتياج فلن يصل أبداً إلى نهاية يصل معها للرضا والسرور والفرح بالحياة لأنه يلهث دون أن يدرى وراء نمط متسارع ومُلح يتسلل لوعى الإنسان من حيث يدرى أو لا يدرى للشره.

بشأن معالجة الإسلام لظاهرة الاستهلاك المفرط قال الوزمير: هذا سؤال نطرحه نحن كمسلمين،  من الطرح الأخلاقى والروحى والنفسى والعلمى والفلسفى والمعرفى الذى يواجه هذه الفلسفة، وهذا سؤال أعتقد أنه ملح، وإجابته تؤدى إلى رسم تضاريس الواقع – دون ذكر ايجابيات أو سلبيات أو وضع المسلمين عدديا- أريد فقط أن ألفت النظر وأدق الناقوس، فهذا وضع تعاملنا الفكرى والثقافى مع العالم، ولا أتحدث عن العالم من حيث المنجز، بل من حيث التمدن والمدينة والاختراع والذكاء الإصطناعي.

فى 1939 قامت الحرب العالمية الثانية واستمرت حتى عام 1945، وخرج المجتمع العالمى وقد شهد أكثر من 60 مليون قتيل، ومثلهم من مصابى الحرب والمدمرين فيها بإصابات مختلفة، ودمار هائل فى البنية التحتية والمدن، سواء فى باريس أو موسكو أو أوروبا وضربت اليابان بالنووي.

وتاب الوزير: بعد الحرب العالمية وجدت أنماط فلسفية تحاول التوازن النفسى لهذا الإنسان الخارج من الحرب بجرعات متسارعة من الثقافة الجنسية التى امتزجت مع حركة التسويق التى  أطلقها برنيز، فقد رأى انه يستطيع التسويق للسلع باللجوء إلى ايحاءات جنسية فى الإعلام، والشعار الذى بدأ صكه أن الجنس يبيع، ويحقق قدر كبير من المبيعات والترويج للسلع، وهى الفلسفة الأساسية عند برنيز، فتواكبت الفلسفة الاستهلاكية مع الاحتياج الملح لإطلاق العنان للإباحية الجنسية.

وواصل الوزير قائلاً: فى عام 1960 بدأ ينتشر ما يعرف ب "الثورة الجنسية الكبرى ليس كنمط تسويقى فقط ولا نمط سينمائي، ولا مجلات تروح للإباحية الجنسية ثم تحولت فيما بعد إلى مواقع إباحية الكترونية بل بدأت تشهد تقسيم فلسفى يؤصل فلسفياً للإباحية الجنسية على يد "برتراند أرثر ويليام راسل و"ميشيل فوكو"  وكتابه عن "الجنسانية"، فى 3 مجلدات، فتحولت فكرة الإباحية من مجرد غواية او تجارة إلى تأصيل فلسفى يحاول الابقاء على العقل أنه لا سبيل إلى استقرار الإنسان مجتمعياً إلا الاباحية الجنسية المطلقة، ويمكن لنا أن نرصد الآن تسارع الاباحية الجنسية وقضية المثلية بكل ما حولها من لغط وجدل، وما يتولد عنها من ظواهر مثل التنمر والتحرش، ورؤية العديد من مشكلات العالم من حولنا على ضوء هذا البعد، الذى هو فى الأساس بعد فلسفى يؤصل له فيلسوف كبير مثل "فوكو"، ويتحول إلى صنعة ترويج عند "برنيز" ويؤصل له "فرويد" ويتحول إلى آلية بعد ذلك، فنحن أمام فلسفة الاستهلاكية ثم الإباحية.

وعرج وزير الأوقاف خلال صالون ماسبيرو إلى قضية أخرى شديدة الحساسية ألا وهى الإلحاد، وقال:

العالم من حولنا يشهد نشاطاً متسارعاً منذ سنوات فى  ظاهرة الإلحاد، شهدت تسارعاً فى 2012 – 2013 وما بعدها، وفى فترة السبعينات والثمانينات كان لدينا موجة من الإلحاد شهدها عدد من الكتاب والمثقفين، ثم الموجة المعاصرة من الإلحاد التى نستطيع أن نرصد فيها صراعاً جباراً بين منطق الإيمان والألوهية والوحى والتشريع وبين منطق الإلحاد، وهناك معاقل فلسفية تنظر للإلحاد تنظير فلسفى عميق، على يد فلاسفة من الطراز الثقيل.

وأضاف عبر سنوات ماضية وبالتشاور مع الصديق على الجفرى قد نشرنا استبيانًا حول علاقة شباب الألفية بنظرتهم للدين والأولوهية، أجريت على 6 آلاف شاب من دول عربية وإسلامية منها مصر،  تضمن الاستبيان 70 سؤالاً، تُرد إلى 3 أصول معرفية: الفيزياء الكونية لدى كثيرين من منظرى الالحاد يستندون على الفيزياء ونشأة الكون، وفلسفة الوعى والإدراك.

وتناول الأزهرى فى صالون ماسبيرو قضية فلسفة الموت، وقال: كانت المرحلة الرئيسية لهذه الفلسفة هو  "نيتشه" وفلسفته، وهو أكثر البشر تأثيراً، ثم التعامل مع النص المجرد، وقضية موت اللغة، والنموذج المعرفى وصولاً لفكرة موت الإنسان.

اليوم كمسلم أريد تقديم جوهر وحقيقة هذا الدين فى التعامل مع الاستهلاكية، والتعامل مع التسليع والاباحية والالحاد وفكرة فلسفات الموت،  وقد هدف الاسلام للإحياء قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله ولرسوله إذا دعاكم لما يحييكم"، وقال تعالى: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً" أى حماية الانسان من الموت ، وامداده بالأمل والكفاية، والاسلام هو الإحياء والرشد والتعفف فى مواجهة الإباحية.

وقال وزير الاوقاف: نحن الآن 2 مليار مسلم إذا قيمنا أداءانا فى مواجهة الاستهلاكية والاباحية والالحاد وفلسفة الموت، فأداءنا شديد التواضع، وحتى رصدنا لكل هذه الأمور متواضع جداً، اشتباكنا معها علمياً وفلسفياً فما زلنا غارقين فى مواجهة الإرهاب وفلسفاته واطروحاته المختلفة، من اخوان إلى داعش، بدافع الفهم المغلوط لنص الدين، فقد عانى المسلم والمسيحى واليهودى والهندوسى من الإرهاب.

والارهابى اليوم – فى تفسيري- أنه نفسية محتقنة منفجرة تبحث عن أى تبرير أو غطاء فكرى فى كلمة أو شطر آية أو جزء من نص انجيلى يبرر به.

 	أميرة حمدى

أميرة حمدى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

زكريا حمزة: «البورصة السلعية» حائط الصد الأول ضد «مافيا السوق»

نظام المزايدة الإلكترونية يكسر حلقات الاحتكار ويوفر أسعارًا عادلة لجميع السلع

السيسي: جيشنا على قدر المسئولية.. ويُساند فى توفير الحياة الكريمة للمواطنين

متابعة على مدار الساعة لمنافذ بيع السلع.. ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار «حوكمة» المنظومة التعليمية .. وعقوبات رادعة ضد المتلاعبين بالامتحانات

محاضر اجتماعات كيسنجر السريَّة فى حرب العاشر من رمضان

كشفت أكاذيب العدو عن قدرات المصريين ..

حرب العاشر من رمضان فى ميزان التحليل الاستراتيجى

عبقرية التخطيط وروعة التنفيذ.. وثيقة خاصة بتوقيع 3 من أبطال نصر أكتوبر عن أهم جولات الصراع العربى الإسرائيلى نتائج الدراسات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م