تحركات ترامب الحاسمة لإنهاء ملف الحرب الأوكرانية

السفير معتز أحمدين: الاتفاق المطروح يحقق مكاسب تجارية وشخصية ويراعى المصالح الاستراتيجية الأمريكية

مرة آخرى يتصدر الرئيس الأمريكى المشهد الدولى.. مدفوعًا هذه  المرة بتصريحات قوية عن موعد نهائى لحسم خطة سلام تنهى الحرب الأوكرانية، ويأتى ذلك بالتزامن مع تصريحات مطمئنة للرئيس الروسى بوتين تحمل موافقة ضمنية على قبول المقترح الأمريكى للتسوية.. بينما يواجه الرئيس الأوكرانى زيلينسكى ضغوطا كبيرة بفعل تزايد الحديث عن إتهامات فساد تطال عدد من قياداة إدارته لبلاده.

الجهود المكثفة للرئيس الأمريكى يراها المختصون وخبراء العلاقات الدولية.. تحمل أبعادا سياسية واستراتيجية.. ومحاولات لتطويع المشهد الأوربى لصالح الموقف الأمريكي.. فضلا عن كونه  مدفوعا بأسباب شخصية لـ «ترامب».

فى البداية، أكد الدكتور هانى الجمل، الباحث فى الشؤون الإقليمية والدولية، أن الخطة التى طرحتها إدارة ترامب بشأن الأزمة الأوكرانية تسعى لإرساء نوع من التوازن بين المصالح الأمريكية والروسية، وأن الجانب الأمريكى يركز على استغلال الموارد المعدنية النفيسة فى أوكرانيا، فى حين يصر الرئيس الروسى فلاديمير بوتين على حماية مصالح بلاده الاستراتيجية، بما فيها السيطرة على عمقها الجيوسياسى والأراضى التى يعتبرها ضرورية لأمن روسيا القومي، مشيرًا إلى أن بوتين لن يتنازل عن البنود الجوهرية التى وضعها فى الوثيقة الخاصة بهذه الأزمة، ولا يعترف بأى اتفاقية إلا برعاية أمريكية وأوروبية وموافقة البرلمان الأوكراني، الذى يمثل الشرعية الوحيدة فى البلاد حتى الآن.

وأوضح الجمل أن العلاقات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية شهدت بعض التوترات بعد إدارة ترامب، خاصة فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية والرسوم الجمركية، ما دفع ترامب لمحاولة الحفاظ على النفوذ الأمريكى ومنع أى توجه أوروبى للاستقلال الاستراتيجى عن واشنطن، وأن الخطة الأمريكية تسعى لإيجاد توافقات تحقق المصالح الروسية فى الأراضى والاستراتيجية، مع مراعاة مصالح أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، فضلًا عن تأكيد النفوذ الأمريكى فى المشهد الدولي.

وحول مشاركة المسؤولين الروس، قال الجمل، إن الإعلان الرسمى عن مشاركتهم لم يتم بعد، إلا أن التوافقات التى جرى التوصل إليها من خلال اللقاءات الأمريكية الروسية تُظهر أن البنود الأساسية تتوافق مع رغبات موسكو، بما فى ذلك التبادل الجزئى للأراضي، وتجميد بعض الأصول الروسية المجمدة لدى البنوك الأوروبية، وتنظيم بعض المطالب الاقتصادية مقابل التنازلات الأمنية، موضحًا أن إدارة ترامب تركز على البعد الاقتصادى أكثر من البعد السياسي، محاولةً خفض أصوات البنادق فى مناطق النزاع بما يعود بالنفع على المصالح الأمريكية، وأن أوكرانيا قد توافق على دخول الاتحاد الأوروبى دون الانضمام إلى الناتو، ما يتيح نشر صواريخ دفاعية ويحافظ على مصالح روسيا الاستراتيجية، خصوصًا فى مناطق مثل شبه جزيرة القرم والأقاليم الروسية المتنازع عليها.

وتناول الجمل أيضًا ملف الجيش الأوكراني، مشيرًا إلى أن الخطة تتضمن خفض أعداد الجنود إلى نحو 600 ألف، مع استمرار الخلاف حول نوعية التسليح المسموح به، وأن الاتفاقات المحتملة بين أوكرانيا وأمريكا للتنقيب عن الموارد النادرة قد تشمل ترتيبات أمنية ودفاعية لتعزيز النفوذ الأمريكى فى المنطقة.

وحول موقف حلف الناتو، أوضح الجمل أن الحلف يواجه إشكاليتين رئيسيتين، إذ تتعلق الإشكالية الأولى  بالوجود الاستراتيجى فى مناطق النفوذ الروسي، والثانية بالتوسع نحو دول كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي، حيث يسعى الحلف إلى نشر الدفاعات الصاروخية الباليستية على أطراف روسيا وتحجيم دورها الإقليمي، مما يجعل أى تنازلات أوكرانية مسألة حساسة بالنسبة له، مشيرًا إلى أن خطة ترامب، رغم تعقيداتها، تعكس قدرة الولايات المتحدة على الجمع بين مصالحها الاقتصادية والسياسية، وتحقيق نوع من التوازن مع روسيا، مع الحفاظ على دورها المركزى كفاعل رئيسى فى المشهد الدولي، وسط تراجع القدرة الأوروبية والصينية على أن تكون وسيطًا نزيهًا فى الأزمة.

ولفت الجمل إلى أن أن حلف شمال الأطلسى (الناتو) يراقب تطورات الأزمة الأوكرانية عن كثب، لكنه لن ينخرط فى حرب مباشرة مع روسيا، وأن الدول الأوروبية تعتبر أن إدارة ترامب تسعى إلى إضعاف النفوذ الأوروبى من خلال سياستها المستمرة تجاه أوكرانيا وصراعها مع موسكو، كما أن الولايات المتحدة ترى عدوها الأساسى فى الصين وتسعى لإبعاد بكين عن روسيا ضمن التحالفات الدولية، ما يجعل موقف أوروبا أكثر حذرًا واستراتيجية أكثر تحفظًا.

وأكد أن الضمانة الوحيدة لكل الأطراف فى هذه الحرب تتمثل فى وجود ترامب كوسيط قادر على منع العودة إلى التصعيد المسلح، لافتا إلى أن أى اتفاق مستقبلى سيعتمد على دوره فى الحفاظ على التوازن بين القوى.

وحول انعكاسات وقف الحرب على المنطقة، قال الجمل إن توقف النزاع بين روسيا وأوكرانيا سيكون له تداعيات مباشرة وإيجابية على دول الشرق الأوسط، لاسيما على الداخل المصري، بالنظر إلى أن مصر تعتمد بشكل كبير على واردات القمح من روسيا وأوكرانيا وأن استقرار الإمدادات الغذائية والموارد الأساسية سيخفف من ضغوط السوق المحلية ويساعد على ضبط معدلات التضخم، فضلًا عن دعم الأمن الغذائى والاستقرار الاقتصادى فى مصر.

وأضاف الجمل أن استقرار الأزمة الأوكرانية سيكون له أثر غير مباشر على أسعار الطاقة والأسواق العالمية، ما يعزز قدرة الدول المستوردة على تخطيط ميزانياتها وتفادى أى صدمات اقتصادية مفاجئة. منوها إلى أن أى اتفاق يتوصل إليه ترامب مع الأطراف المعنية من شأنه أن يخلق حالة من الطمأنينة فى أسواق المال والسلع الأساسية، ويتيح للدول العربية والإقليمية إعادة تقييم سياساتها الاقتصادية والاستثمارية بعيدًا عن التوترات الجيوسياسية.

من جانبه أكد السفير معتز أحمدين، المندوب الدائم الأسبق لمصر لدى الأمم المتحدة، أن الخطة الأخيرة التى طرحتها إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بشأن أوكرانيا ترتكز على نفس المنطق الذى تم اتباعه فى اتفاقات غزة، موضحًا أن الهدف الرئيس هو التوصل إلى اتفاق مع الطرف الأقوى فى النزاع بما يحقق مكاسب شخصية وتجارية، على حساب الطرف الأضعف، وأن الخطة تقوم على توجيه استثمارات مباشرة لشركات يمتلكها ترامب، مع إفراز مصالح لعائلته وأفراد معاونيه.

وأشار السفير معتز أحمدين إلى أن الجانب الروسى قدم خطة مشابهة أعدها مستشارو الرئيس فلاديمير بوتين، تضمنت تنازلات من أوكرانيا بشأن أراضٍ تحت سيطرة روسيا وخفض حجم الجيش الأوكراني، إلا أن الدول الأوروبية، وأعضاء حلف شمال الأطلسي، رفضوا قبول هذه التنازلات، معتبرين أنها تمثل حدودًا واقعًا وليس حدودًا قانونية معترفًا بها دوليًا، وأن الخطة تشير بوضوح إلى أن أوكرانيا بعيدة عن الانضمام إلى الناتو، حتى فى حال إلغاء البند المتعلق بعدم الانضمام، وأن التحفظ الأوروبى يعود لاختلافات النظام السياسى والمخاطر التى ينطوى عليها انضمام أوكرانيا للحلف وسط مواجهة مسلحة مستمرة منذ عام 2022.

عن انعكاسات وقف الحرب بين روسيا وأوكرانيا على المنطقة، خاصة الشرق الأوسط ومصر، يرى السفير معتز أحمدين أن ذلك يعكس عدم احترام الولايات المتحدة للقانون الدولى وحقوق الإنسان، مؤكدًا أن التجربة تشبه ما حدث فى غزة، حيث فرضت الإدارة الأمريكية اتفاقًا على الأطراف العربية دون مراعاة مصالحهم، وأنه يجب على الدول العربية إلى عدم قبول ما يُفرض عليها بل إلى السعى لفرض مصالحها الاستراتيجية.

فيما يخص مستقبل الرئيس الأوكراني، أوضح السفير معتز أحمدين أن الخطة تتضمن تنظيم انتخابات بعد 100 يوم من وقف إطلاق النار، فى وقت تنتهى فيه ولايته، معتبرًا أن موقفه أصبح ضعيفًا بسبب الفضائح المالية والإدارية، مما يجعل احتمالية الإطاحة به مسألة وقت، لكنه شكك فى أن يؤدى ذلك إلى وصول رئيس موالٍ لروسيا، مشيرا إلى أن الواقع الحالى يظهر أن الخطط الكبرى تُصاغ وفق مصالح القوى العظمى، وأن تجربة غزة تشكل درسًا للدول العربية حول كيفية حماية مصالحها فى ظل الضغوط الدولية.

وفى سياق متصل قال الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، إن الجهود التى يبذلها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لإيقاف الحرب فى مناطق النزاع، بما فيها أوكرانيا وغزة، تهدف بشكل أساسى لتحقيق السلام، لكنها لم تسفر حتى الآن عن نتائج ملموسة أو حلول كاملة، مشيرا إلى أن ترامب يحاول منذ فترة طويلة الوصول إلى تسويات سلمية متعددة فى الكثير من الملفات، إلا أن النجاح الكبير لم يتحقق بعد، مستشهدًا بما يحدث فى غزة التى لا تزال آثار اتفاقياتها الجزئية قائمة حتى اليوم، وأن الحال مشابهة فى أوكرانيا، حيث تواصل الجهود الأمريكية محاولة إيجاد صيغة توقف النزاع، لكنها لم تصل بعد إلى حلول شاملة ومستقرة.

وأوضح الدكتور إكرام بدر الدين أن دوافع ترامب فى الدفع بهذه الجهود لا تقتصر على السياسة الدولية فقط، بل تشمل الجانب الشخصي، إذ أنه يسعى لتحقيق إنجاز قد يعزز فرصه فى الفوز بجائزة نوبل للسلام فى العام المقبل، وهو ما يحفزه على الاستمرار فى هذه المبادرات رغم التحديات.

وحول مشاركة المسؤولين الروس فى هذه الخطة، قال الدكتور إكرام بدر الدين إن ذلك الأمر محتمل، وأن أى مشاركة إيجابية من الجانب الروسى يمكن أن تساعد على تحقيق تقدم ملموس والوصول إلى حلول أكثر جدية، مشيرًا إلى أن موقف حلف شمال الأطلسى من أى تنازلات محتملة تقدمها أوكرانيا يرتبط بعلاقات الدول الأعضاء مع الولايات المتحدة، والتى شهدت بعض التوتر بعد إدارة ترامب، وأن الحلف يعتمد على الولايات المتحدة فى حماية الدول الأعضاء، خصوصًا عسكريًا، فى حين يسعى ترامب لتجنب الانغماس الكامل فى النزاع، ما قد يخلق نوعاً من التوتر بين الطرفين.

رشا حافظ

رشا حافظ

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

زكريا حمزة: «البورصة السلعية» حائط الصد الأول ضد «مافيا السوق»

نظام المزايدة الإلكترونية يكسر حلقات الاحتكار ويوفر أسعارًا عادلة لجميع السلع

السيسي: جيشنا على قدر المسئولية.. ويُساند فى توفير الحياة الكريمة للمواطنين

متابعة على مدار الساعة لمنافذ بيع السلع.. ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار «حوكمة» المنظومة التعليمية .. وعقوبات رادعة ضد المتلاعبين بالامتحانات

محاضر اجتماعات كيسنجر السريَّة فى حرب العاشر من رمضان

كشفت أكاذيب العدو عن قدرات المصريين ..

حرب العاشر من رمضان فى ميزان التحليل الاستراتيجى

عبقرية التخطيط وروعة التنفيذ.. وثيقة خاصة بتوقيع 3 من أبطال نصر أكتوبر عن أهم جولات الصراع العربى الإسرائيلى نتائج الدراسات...


مقالات

المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م
سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص