مصر لا يزال بإمكانها الريادة الفكرية فى العالم العربى فى ظل حرب الشاشات والمنصات «الأزهر» الكلمة الساحرة التى يجتمع أكثر من مليار مسلم على الثقة الكاملة بها لا يوجد مثقف فى العالم لم يدرس أو لم يقرأ فى علم المصريات الإيجيبتولوجى
القوة الناعمة ببساطة هى استخدام «الجاذبية» بدلاً من «السلاح».. من أجل تعزيز مكانة الدولة. وفى تقديري.. فإن هناك ما يمكننى تسميته «المربع الذهبى للقوة الناعمة المصرية». وفى هذه السطور بعض ملامح هذا المربع الأسطوري
الضلع الأول:
الريادة الفكرية.. الحديث إلى نصف المليار نسمة
تولت مصر منفردة القيادة الفكرية للعالم العربى طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين. كانت هناك بالطبع إضاءات عظيمة فى العواصم العربية قاطبة، وكانت هناك معالم جهود ثقافية حاضرة وإبداعات فكرية صاعدة.. من المحيط إلى الخليج، إذْ كان المشرق والمغرب معًا مضاءً بمفكرين ومثقفين من اتجاهات شتى. لكن ذلك كله كان فى إطار التسليم بالقيادة الفكرية المصرية للعالم العربي..
ولمّا جاء القرن الحادى والعشرون، وجاءت معه التكلفة الهائلة فى تمويل الصحف الكبرى ومحطات التليفزيون المؤثرة، فضلاً عن الإنتاج السينمائى والدرامي، ثم لحقت بذلك تحديات وسائل التواصل، وضرورات الإنفاق الضخم من أجل ترويج المحتوى، وجدت مصر نفسها إزاء وضع لم تشهده من قبل.
واليوم.. وفى سباق الإعلام؛ قديمهُ وجديدهُ، وفى ظل حرب الشاشات والمنصات، فإنّ مصر، التى لم تعد منفردة بقيادة الإعلام، لا يزال بإمكانها الريادة الفكرية فى العالم العربي.
إن «الحداثة» التى قادتها مصر لأكثر من قرنين، لا تزال هى المدخل لمخاطبة نصف المليار عربي. وبينما لا يزال ربع المليار عربى وفيًا لميراث المائتى عام السابقة.. من الشيخ حسن العطار إلى نجيب محفوظ، ومن رفاعة الطهطاوى إلى أحمد زويل.. ومن صحيفة الأهرام إلى أم كلثوم، فإن ربع المليار الآخر - وهو الأقل سنًّا - يحتاج إلى جهد أكبر، إذ إنه تأثر بأوروبا أكثر مما تأثر بمصر، أو أنه يرى أن بداية الخليقة جاءت بعد الهاتف المحمول.
إذا أمكن للفكر المصرى أن يعيد التموضع الثقافى من جديد، ومن وراء التموضع الثقافى يأتى التموضع الإعلامي.. فإنه يمكن لمصر أن تستأنف ريادتها الفكرية فى العالم العربى فيما بقى من القرن الحادى والعشرين.
لا يزال كل ما يخرج من مصر هو الأكثر تأثيرًا فى المحيط العربي، لكن جزءًا منه لا يليق بمصر، ولا يناسب دورها ولا مكانتها، وهو الجزء الأكثر تسويقًا وترويجًا، وأما الجزء الأفضل فقد خضع للقاعدة المخيفة.. «طردُ العملة الرديئة للعملة الجيدة».
بعد قليل سيصبح عدد سكان العالم العربى (600) مليون نسمة، وبعدها بقليل سيصل تعداده عام 2050 إلى (750) مليون نسمة، وسيكون عدد سكان أوروبا وقتها (450) مليون نسمة. وعلى ذلك فإن عودة الريادة الفكرية فى العالم العربى منتصف هذا القرن إنما يعنى نفوذًا هائلاً لدى عدد من السكان يفوق عدد سكان أوروبا بكثير.
الضلع الثاني..
القيادة الأزهرية للفكر الإسلامي.. الحديث إلى (1,8) مليار نسمة
حين زرتُ نيجيريا مع وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي.. سألت أحدهم عن «أليكو دانجوتي» أغنى رجل فى أفريقيا، وكان أول ما سمعت: إنه غاضب منكم، هل تعلم أنه خريج كلية التجارة جامعة الأزهر، ولكنكم لم تهتموا به.
لقد تخرج فى جامعة الأزهر رؤساء ووزراء ورجال أعمال، وفى معظم نخب العالم الإسلامى يشكل الأزهريون مكونًا رئيسيًا فى أكثر من خمسين دولة. ولقد التقيتُ بعدد منهم.. من جاكارتا إلى داكار.
كانت رؤية الفيلسوف الإسلامى «مالك بن نبي» أن منارات الفكر الإسلامى الكبرى فى العالم كانت ثلاثا: دلهى وإسطنبول والقاهرة، ولم يبقَ من الثلاث إلا منارة الأزهر.
يمكن لمصر - وفى إطار رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسى لتجديد الخطاب الدينى - أن تخاطب (1,8) مليار مسلم حول العالم باسم الأزهر الشريف.
إن «الأزهر» هو الكلمة الساحرة التى يجتمع أكثر من مليار مسلم على الثقة الكاملة بها. ولن تجد مصر حضورًا فى العالم الإسلامى بطريق أفضل ولا أعظم من طريق الأزهر، ولطالما كان الأزهر جزءًا كبيرًا من السياسة والمكانة. وهذا هو الضلع الثاني.
الضلع الثالث..
رحلة العائلة المقدسة.. الحديث إلى ملياريْ مسيحي
فى عام (60) ميلادية تأسست كاتدرائية القديس مرقس فى الإسكندرية، وفى مصر عدد من أعرق الكنائس فى العالم. ويزور المسيحيون الأجانب الكنيسة المعلقة وكنيسة أبو سرجة، ودير سانت كاترين، والمتحف القبطي.. فى رحلاتهم الدينية.. بكل إيمان وإعجاب.
وتحظى الكنيسة الأرثوذكسية المصرية بنفوذ كبير ومكانة خاصة لدى أرثوذكس العالم، وإذْ يشكل الأرثوذكس أغلبية فى البلقان والقرن الأفريقي.. فإن استثمار هذا الضلع فى هذه المنطقة الاستراتيجية القريبة منّا والملهمة لنا.. يمثّل فرصة كبيرة.
إن من أهم المعالم فى تاريخ المسيحية.. زيارة السيد المسيح والسيدة العذراء والقديس يوسف النجار إلى مصر، فقد تشرفت مصر بزيارة العائلة المقدسة التى استغرقت أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة.
فى عهد الرئيس السيسى تم إحياء مسار رحلة العائلة المقدسة، فى سيناء والشرقية والغربية وكفر الشيخ والقاهرة والصعيد.. وصولاً إلى أسيوط.
فى هذه الرحلة المقدسة من «الفرما» فى سيناء إلى «درنكة» فى أسيوط.. تم إحياء معالم الزيارة التى تُعد شرفًا عظيمًا اختصّ به الله مصر. يمكن مخاطبة (2,2) مليار مسيحى فى العالم - الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس - بأنّنا البلد الذى زاره السيد المسيح، وبارك العديد من مدنه ومحافظاته، وأنه لا دولة أخرى فى العالم نالت شرف الزيارة والإقامة غيرنا.
وهكذا فإن كاتدرائية القديس مرقس، ورحلة العائلة المقدسة، فضلاً عن موقع «التجلى الأعظم» حيث البقعة الوحيدة فى كوكبنا التى تجلى فيها الله عز وجل.. تمثل جميعها ركيزة أساسية فى هذا الخطاب.
الضلع الرابع..
الحضارة الفرعونية.. الحديث إلى (8) مليارات نسمة
لا يوجد مثقف فى العالم لم يدرس أو لم يقرأ فى علم المصريات (الإيجيبتولوجي)، ولا يوجد شخص فى العالم لا يعرف الفراعنة أو الأهرامات، أو طالعَ التاريخ العظيم للمصريين القدماء. وقد أدّت الاحتفالات الثلاثة العالمية: موكب المومياوات، وطريق الكباش، والمتحف الكبير.. إلى ترسيخ المكوّن الفرعونى فى الشخصية المصرية، وإعادة تسويق الحضارة المصرية عالميًا كما لم يحدث من قبل.
لقد تضمنت تحيّة الرئيس السيسى فى حفل افتتاح المتحف الكبير «تحيا مصر.. وتحيا الإنسانية» ذلك الربط بين ما ورثه (100) مليون مصرى من أجدادهم، وما ورثه (8) مليارات إنسان من حضارة خالدة.. تحمل الإبداع والقيم .. معًا.
** وهكذا يتشكل المربع الذهبى للقوة الناعمة المصرية، التى يمكنها إعادة تموضعنا فى القرن الحادى والعشرين.
أنْ نخاطب نصف المليار عربى بالحداثة المصرية، وأنْ نخاطب (1,8) مليار مسلم بالأزهر الشريف، وأن نخاطب (2,2) مليار مسيحى برحلة السيد المسيح، وأن نخاطب (8) مليارات إنسان بالحضارة الفرعونية.
تحتاج مخاطبة العالم العربي.. ولا سيما الأجيال الجديدة.. إلى فتح الطريق أمام موجات الروائيين الجدد والفلاسفة الجدد والمؤرخين الجدد، وذلك لقيادة موجة فكرية معاصرة، تصل اليوم بالأمس.
كما تحتاج إلى استيعاب العلماء الجدد، لا سيما فى حقل الرياضيات والرقمنة ممن امتازوا خارج البلاد، وذلك لتأسيس ظهير رقمى يحمى الوجود ويوسع الحدود.
وأما مخاطبة العالم الإسلامى فإنها تحتاج إلى تفعيل المنظمة العالمية لخريجى الأزهر لتكون منظمة دولية حاضرة ونافذة، وإطلاق منصة رقمية كبرى تخاطب ذلك المجتمع المليارى بأكبر لغاته؛ كالبنغالية والأردية والإندونيسية والفارسية والتركية والهاوسا والسواحلية.. فضلاً عن الإنجليزية والفرنسية التى يجب أن تكونا الأداة الأكبر فى المربع بأكمله.
يحتاج كل ضلع من ذلك المربع إلى مؤتمر فكرى بمفرده.. كيف نضع هذه العناوين فى إطار نظرى ورؤية تطبيقية. وكيف نستثمر هذا النجاح العالمى لحفل المتحف الكبير، من أجل التمدد الثقافى والحضور المستدام.
إن الريادة الفكرية هى مدخلنا للنفوذ فى الشرق الأوسط الجديد، وهى طريقنا الثابت فى نظام إقليمى متغير، وفى عالم يتخبّط فى اللايقين.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
نظام المزايدة الإلكترونية يكسر حلقات الاحتكار ويوفر أسعارًا عادلة لجميع السلع
متابعة على مدار الساعة لمنافذ بيع السلع.. ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار «حوكمة» المنظومة التعليمية .. وعقوبات رادعة ضد المتلاعبين بالامتحانات
كشفت أكاذيب العدو عن قدرات المصريين ..
عبقرية التخطيط وروعة التنفيذ.. وثيقة خاصة بتوقيع 3 من أبطال نصر أكتوبر عن أهم جولات الصراع العربى الإسرائيلى نتائج الدراسات...