نتائج المكايدات السياسية.. الاقتصــــاد الأمـريكى على حـافة الهاوية

السفير شامل ناصر: الجمهوريون فى مأزق شعبى.. والديمقراطيون ينتظرون ظهور منافس ترامب الدكتور محمد سعيد إدريس: الحزبان الكبيران يخوضان معركة النفس الطويل لفرض الإرادة السياسية

إغلاق حكومى هو الأطول فى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وتأثيره بدأ يطال قطاعات عديدة.. داخليًا وخارجيًا، فضلًا عن كونه يرفع وتيرة المكايدات السياسية بين الحزبين الجمهوريين والديمقراطي، ويرفع وتيرة المعارضات لسياسات الرئيس الأمريكى ترامب.

تداعيات استمرار هذا الإغلاق ونتائجه يكشفها المختصون، بالإضافة إلى مدى تأثيره على الساحة الدولية سياسيا واقتصاديا.

البداية مع السفير شامل ناصر مساعد وزير الخارجية سابقا، وقال: "هذه ليست المرة الأولى التى يحدث فيها ما يعرف بالإغلاق الحكومى داخل الولايات المتحدة الأمريكية، إذ حدث الأمر مرات عديدة حتى إن هناك بعض الرؤساء الأمريكيين قد عانوا من الأمر عدة مرات خلال فترة رئاسية واحدة، ولكن هذا الإغلاق أعتقد أنه الأطول فى التاريخ الأمريكي، إذ إنه بدأ فى مطلع أكتوبر الماضي، والإغلاق هنا يحدث بسبب عدم الإتفاق على ميزانية الدولة، والتى يقرها الكونجرس من خلال مجلسى النواب والشيوخ، وبرغم أغلبية الحزب الجمهورى فى المجلسين.. إلا أن الميزانية لاقت معارضة من الديمقراطيين المتواجدين فى الشيوخ، حيث صوت الجمهوريون لتمرير تلك الميزانية بنسبة تفوق نسبة الديمقراطيين، ولم تصل للنسبة المطلوبة لتمريرها، وهى نسبة الستين بالمائة.

 وأضاف ناصر: معنى هذا أن الميزانية ما زالت قيد التفاوض، لأن هناك الكثير من الموظفين والإدارات الفيدرالية تعتمد كليا على تلك الميزانية، فقد تم توقف العمل بها جزئيا لحين الوصول لصيغة تفاهم بين الحزبين، وتمرير الميزانية وإنقاذ الموقف، والديمقراطيين هنا اعترضوا بسبب تقليل نسبة بعض البرامج الصحية والاجتماعية، وهو ما يضع الجمهوريين فى مأزق بسبب الغضب الشعبي، ولكن هذا لا يعنى أن الديمقراطيين بمنأى عن هذا الغضب، لأن نقص الخدمات الواضح منذ بداية الإغلاق قد بدأ يؤدى إلى التدهور الخدمي، والمعروف هنا أن الصراع ما بين الحزبين لاختبار النفس الأطول وقياس مدى رضاء الداخل الأمريكى عن كل منهما.

 وتابع: مع بداية الإغلاق بدأ تخفيض الخدمات مؤثرا بشكل نسبي.. سواء فى حركة الطيران ومألاتها من رقابة جوية وجمارك وغيرها، بينما هناك مصالح لا يمكن المساس بها حتى مع الإغلاق أو تأثر الميزانية، وهى تلك التى تمثل تهديدا للأمن القومى الأمريكي، والخلاف بين الحزبين هنا لا يعد دلالة على انهيار اقتصادى أمريكي، ولكن ليرى كل حزب من يستسلم أولا.. بحسب معتقداته حول تلك الميزانية وقناعاته حول أوجه الصرف، وإن كان الأمر يؤكد على زيادة الفجوة بين الحزبين، وكذلك بين الرأى العام الأمريكى وإدارة ترامب، فيبدو أن بداية ولايته وما حظى به من دعم لن يكون بنفس الشكل عند إنتهاء تلك الولاية، خاصة أن المعارضة لسياساته لم تتوقف عند قراراته الداخلية على المستوى الإقتصادى أو السياسي، ولكن سياساته الخارجية فى العديد من القضايا والمناطق فى العالم.. ومنها منطقة الشرق الأوسط.

فى سياق متصل، يقول الدكتور محمد سعيد إدريس أستاذ العلوم السياسية، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن "الإغلاق الحكومى الأمريكى هو بمثابة مناكفات ما بين الجمهوريين والحزب الديمقراطي، ويرى فيها كل منهم قناعاته التى يريد فرضها لصالح المواطن الأمريكى من وجهة نظره، وهذا الإغلاق الأطول داخل أمريكا، وجزء من بدايات انحصار التفرد "الترامبي" بالقرارات، ربما لا يكون الإغلاق نفسه هو مصدر الخطر الحقيقى على الإقتصاد الأمريكي، ولكنه أحد دلائل اتساع الفجوة بين الإدارة الأمريكية والرأى العام، وكذلك الحزب المنافس وهو الديمقراطي، فالإغلاق سينتهى عاجلا أو آجلا بمساومات بين الحزبين حول أولويات الإنفاق.. حتى وإن تأثر الاقتصاد داخليا فهو لن يكون كارثيا كما يعتقد البعض، ولكنه مؤشر ضمن العديد من المؤشرات التى بدأت فى الظهور كبداية النهاية لسياسات ترامب، والذى أصبح يلاقى معارضة قوية على أصعدة مختلفة، وكمثال ما تنظر إليه المحكمة الأمريكية حاليا من إلغاء قرارات ترامب فيما يخص التسعيرة الجمركية، وتجارة أمريكا الخارجية، والتى فرضها ترامب على دول العالم، معتقدًا بأنه سيحصل على إيرادات ضخمة، ولكن لا تزال المحكمة تنظر فى هذا القرار، حيث يرى البعض أنها سوف تبطل قرارات ترامب، وهو ما يجعله يهتز داخليا، ويقوى من شوكة معارضيه، كما أن فوز المسلم زهران ممدانى بمنصب عمدة مدينة نيويورك يمثل صفعة قوية لترامب.. كأحد المسلمين والشباب أصحاب الرؤى المختلفة التى تحمل نبرة يسارية ليبرالية داخل الحزب الديمقراطي، وهذا أيضا مؤشر على أن الحزب الديمقراطى بدأ فى التعافي، ويستعد لانتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر المقبل، بحيث لو استطاع أن يحصل على أغلبية فى أحد المجلسين.. فهو بالتأكيد سيمنع ترامب من التفرد بالقرارات النرجسية أو تلك التى يمكن إطلاق مصطلح السياسات الترامبية عليها، والتى تفرد بها نظرا لوجود حزبه وداعميه داخل المجلسين.

 وأضاف أدريس: يعد فوز ممدانى دليلا على الإختلاف والفجوة بين الرأى العام الأمريكى والإدارة الأمريكية، لاسيما وأن الآلة الإعلامية الإسرائيلية بدأت فى مهاجمته، واتهامه بمعاداة السامية، وغير ذلك من أكاذيب، وهناك صدام آخر تواجهه الإدارة الأمريكية من جانب ما يعرف برابطة أو جماعة "ميجا – أمريكا أولًا"، والتى ترى انصياعا فى الإدارة الأمريكية لصالح إسرائيل، وذلك من منطلق ديني، إذ يرون أن ما تقوم به إسرائيل هو بمثابة جرائم حرب ضد مسيحيى فلسطين، وفى المقابل هناك ما يعرف بالمسيحية الصهيونية داخل الولايات المتحدة الأمريكية، والتى يدعم أنصارها إسرائيل فيما تقوم به، وهؤلاء متعاطفين مع إسرائيل ليس حبا فى دولة الاحتلال، ولكن لكتابات مكذوبة منسوبة إلى الإنجيل، مفاداها أنه لكى يرضى عنك المسيح يجب أن تكون خادما لإسرائيل، وآخر المستجدات الترامبية تأتى فى حديثه حول إجراء تجارب وتفجيرات نووية جديدة.. برغم توقيع أمريكا على اتفاق بمنع مثل تلك التفجيرات مع العديد من الدول النووية، وهو ما يجعل الصين وروسيا قيد الأمر نفسه.. إذا ما بادر ترامب بتنفيذ ما تحدث عنه، وهو ما يشكل قلقا عالميا وينذر بحرب باردة قد تتصاعد، ولكن هناك أيادى أمريكية ترفض هذا الكلام حتى الآن، والخلاصة أن الإغلاق الحكومى الأمريكى وحده لا يُعد مؤشرا كارثيا على الولايات المتحدة، خاصة أنه يمكن تسويته بحسب أولويات الإنفاق، ويمكن تمريرة بين الحزبين، ولكن هناك مؤشرات عديدة تؤكد على أن الداخل الأمريكى لا يبدو فى حال أفضل، وأن الهوة تتسع بين إدارة ترامب المتمرد وبين شعبه، وهو ما يمثل فرصة للديمقراطيين للصعود، وإن كان ينقصهم وجود الشخصية الكاريزمية.. فإن القادم سيسمح بظهور تلك الشخصية من الحزب الديمقراطى قريبا، وأعتقد أنه سيكون حاكم كاليفورنيا، وهى الولاية الأكبر والأغنى، والذى بدأ بطرح نفسه، وانتقاد ترامب فى العديد من القضايا.. منها قضايا المهاجرين، وأيضا استخدام الحرس الوطنى لفض المظاهرات.

ويضيف الدكتور محمد سعيد إدريس  أن البعض يرى الإغلاق الحكومى يصاحبه  مردودات اقتصادية وسياسية عالمية، وهذا صحيح، ولكنها تأثيرات لا يمكن وصفها بالكبيرة، ولكن مع تلك المعطيات السابقة حول بدء تحول الأوضاع تدريجيا، وخروج الأمر من بين يدى الإدارة الأمريكية، فيمكن الإستفادة من ذلك من خلال موقف عربى موحد ضاغط على الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة أن أمريكا لن تتخلى عن إسرائيل إلا إذا استشعر المواطن الأمريكى بأن إسرائيل أصبحت عبئًا عليه.. من خلال تأثر المصالح الأمريكية سلبا، وهذا لن يحدث إلا بموقف عربى موحد، وللأسف ما يحدث هو العكس.. فهناك دولا عربية تطالب بسحب السلاح من حماس وحزب الله.. غير مدركين أن حدوث ذلك يعنى انتهاء المقاومة لتتفرغ إسرائيل بعدها لدول الجوار، وما تطاله يدها من أراضى عربية.

فى السياق ذاته، يقول الدكتور جمال سلامة أستاذ العلوم السياسية بجامعة السويس، إنه رغم قوة الولايات المتحدة الأمريكية الاقتصادية.. إلا أن هذا الإغلاق يمثل عثرة قوية فى ولاية ترامب، مشيرا إلى أنه برغم كون الإغلاق ليس الأول من نوعه، إذ حدث الأمر مرات عديدة، حتى إنه حدث لثمانى مرات فى عهد الرئيس "ريجان"، كما أنه حدث فى ولاية ترامب الأولى، إلا أن طول المدة هذه المرة يكشف عن ثغرات واتساع الهوة بين الجمهوريين وترامب من جانب، وبين الرأى العام الأمريكى والديمقراطيين من جانب آخر، وهذا لا يعنى أن الديمقراطيين بمنأى عن المحاسبة حال التضرر من هذا الإغلاق، ولكن المسئولية هنا تقع على عاتق الجمهوريين بنسبة أكبر،  وأرى أن تسريح ٨٠٠ ألف موظف حصلوا على إجازة إجبارية هى أزمة لن تمر بهدوء، صحيح أن الأمر سينتهى بالمساومات حول تلك الميزانية، ولن يتضرر الإقتصاد بالشكل الكارثى أو الشكل الذى ينبئ ببداية النهاية لدولة عظمى مثل امريكا، إلا أنه سيؤثر على حركة الطيران والتجارة وغيرهما، وقد يتسبب بخسارات تقديرية تربو على العشرين مليار دولار، إذ صرح وزير النقل الأمريكى بأن استمرار الإغلاق يؤثر على حركة السفر ومعاناة المواطن الذى بدأ يستشعر خطورة الوضع، مما قد يصل بالأمر للإغلاق الجزئى للمجال الجوى الأمريكي، لاسيما وأن هناك الكثير من الموظفين يعملون بدون أجر لتفادى الأزمة، وهو ما يجعلنا ننتقل إلى المواطن الأمريكي، والذى بدأ هو الآخر فى تقليل نفقاته لحين مرور الأزمة، وتأثرت الأسواق المحلية والحركة الداخلية بهذا الانكماش، والمواطن الأمريكى لا ينسى أنه فى ولاية ترامب الأولى تم الإغلاق ثلاث مرات، وكانت إحداهم هى أطول فترة إغلاق حكومى عاشها الأمريكان، إذ وصلت إلى خمسة أسابيع، بينما زادت هذه المرة لتكون الأطول على الإطلاق، مما يضع ترامب وحزبه الجمهورى فى مساءلة أمام الرأى العام الأمريكي، حيث إن الرئيس الأمريكى يتعامل بسياسة تقليل الإنفاق الحكومي، وتقليص نسبة أو عدد الموظفين الفيدراليين على طريقة رجال الأعمال، وهو ما لم يعتد عليه المواطن الأمريكي، وإن كان الجميع يدرك أنها فترة المساومات على أولويات الإنفاق الحكومى بين الجمهوريين والديمقراطيين، وأنها ستنتهى قريبا إلا أن هذا الإغلاق يبدو مؤشرا واضحا حول بداية الضعف لدى ترامب وإدارته وحزبه، خاصة إذا ما ربطنا تلك الفجوه بفوز زهران ممدانى عمدة مدينة نيويورك، وهى عاصمة المال ورجال السياسة المخضرمين، فهو نجاح بمثابة صفعة على وجه ترامب وداعميه من اليهود، فيتأكد لنا أننا قد نكون أمام واقع سياسى أمريكى جديد، بدأ من الداخل الأمريكي، وربما لا يؤثر على سياستها أو اقتصادها الخارجى فى الوقت الحالى، ولكنه بالتأكيد يغير التفكير النمطى للمتعجرف ترامب والجمهوريين وداعميهم من الصهيونية العالمية.

Katen Doe

أحمد جمال

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر والسعودية جناحا الأمة وركيزة استقرار الأمـن القـومى العربى

جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...

الاعتـراف بـ«صومالى لانـد».. حماقــة إسرائيلية جديدة.. والعواقب وخيمة

شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...

العالم يترقب طبول الحرب العالمية الثالثة والصين تتخلى عن هدوئها

السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...

وسط اشتعال الصراعات بين الأقطاب الكبرى.. حدث ضخم ينتظــر العالم

الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...


مقالات