60 دقيقة جمعت «المرأة العجوز» بقادة الاحتلال فى غرفة «الانكسار»

جولدا قادت بكائيات لطم الخدود وشق الجيوب بعد انتصارات حرب أكتوبر

عادت عقارب الساعة 52 عامًا إلى الوراء مع إفراج أرشيف جيش الاحتلال عن مواد نادرة، عكست مدى لطم خدود، وشق جيوب، ودعوى جاهلية قادة جيش الاحتلال بعد انتصار المصريين فى حرب أكتوبر 1973.. جرت وقائع الجلسة لمدة 60 دقيقة فى غرفة مغلقة، جلست إلى ناصية طاولتها رئيسة الوزراء جولدا مائير، وإلى جانبها وزير الدفاع موشى ديَّان، ورئيس الأركان ديفيد (دودي) أليعازر، بالإضافة إلى أركان المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

المادة المفرج عنها عبارة عن تسجيل صوتي، حوى تفاصيل محضر اجتماع «غرفة الانكسار»، وناقش مآلات الحرب، وانعكاساتها على صورة جيش الاحتلال لدى العرب والولايات المتحدة، علاوة على تأثيرات يوم الغفران على جبهة إسرائيل الداخلية، والجنود المهزومين، ونظرائهم القابعين فى الأسر لدى المصريين والسوريين.

كأنها كانت البارحة .. لا يزال صوت جولدا المتحشرج بفعل إفراط صاحبته فى التدخين، ينعق عبر أثير تسجيل قديم، وتكاد نبرة موشى ديَّان المنكسرة، تحرض كل مصرى وعربى على استدعاء نشوة الانتصار رغم تقادم الحدث. أما صوت ديفيد أليعازر، فكان أكثر من غيره تعبيرًا عن السقوط من علياء النرجسية، التى صاغتها على مدار 6 سنوات أساطير جوفاء، روَّجت لعجز المصريين والعرب أمام ذراع إسرائيل الطول، وجيشها الذى لا يقهر.

بعد اتفاق فض الاشتباك الأول بين الجيشين المصرى والإسرائيلي، دعت رئيسة الوزراء جولدا مائير إلى الاجتماع بقادة جيش الاحتلال، وفى غرفة ضيقة تسع الحضور بالكاد، وفقًا لتعبير صحيفة "معاريف"، استهلت حديثها المنفرد بعبارات درامية، تشى بمرارة الهزيمة أمام العرب فى سابقة هى الأولى من نوعها.

 شعب حزين

وحسب تفريغ نص اجتماع الـ60 دقيقة، قالت جولدا والدهشة تعتلى جبينها: «ماذا حدث فى البلاد، ماذا حدث للشعب؟ قلتُ: هذا شعب حزين. بعد الحرب، كل ضحية بيننا ليست سببًا فى حزن ذويها فقط، وإنما أضحت سببًا فى حزن شعب بأكمله، وهذا الشعب – لبالغ الأسف والحسرة – لم يعد لديه أفق لتحديد مصيره. أتمنى لو نستطيع القول بأن هذه الحرب (أكتوبر 73) ستكون آخر الحروب التى تخوضها إسرائيل، لكن مجرد فكرة العودة إلى الأمن أضحت مستحيلة».

ميلودراما جولدا لم تسمح لأى من حضور الاجتماع بالمقاطعة، مما أعطى «المرأة العجوز» مساحة للإضافة: «ربما تغفر لنا أجيال الحاضر والمستقبل الأخطاء والقصور الذى اعترى أداءاتنا فى الحرب، لكن اعترافنا بالضعف هو الخطيئة الكبرى، التى لن تحظى بصك الغفران إلى الأبد. فى البنتاجون وفى كل مكان على وجه المعمورة، لن يغفر لنا أحد تفريطنا فى الهيبة وقوة الردع الإسرائيلية أمام العرب».

وأضافت جولدا وهى تشعل كعادتها سيجارة من أخرى: «لا أقبل الصيغة التى نعيشها الآن، لا سيما وهى تذكرنى بوضع ما قبل 6 أكتوبر: لا حرب ولا سلم. ما دام السلام بعيد المنال، فنحن فى حالة حرب، والحرب قد تندلع مجددًا وفى أى لحظة. لطالما قلت فى اجتماعات سابقة ولم تقتنعوا بكلامى حينها، إن الحرب قد تندلع بعد ساعة، وهو ما حدث بالفعل».

 الزوجة والأبناء

وأوضحت بحسرة: «لا أعتقد أننا نستطيع إبلاغ الجنود بزوال هذه الحالة بعد شهر أو شهرين أو حتى سنة. لا يمكننا خداع المقاتلين، فمنهم من تعلقت فى رقبته مسؤولية زوجة وأبناء، وهناك من ترك عمله من أجل الحرب، بالإضافة إلى طلاب يرغبون فى العودة إلى الجامعات.. لا خيار أمام كل هؤلاء، وأعى ما يعنيه ذلك جيدًا. لن نستطيع معايشة ظروف الحرب والحياة الطبيعية معًا».

وتابعت: «مهما كانت القسوة التى آلت إليها الأوضاع فى الداخل الإسرائيلي، يجب مصارحة الناس بالحقيقة، هذه مهمة الحكومة، لابد من استمرار حالة التعبئة العامة بين صفوف الجيش لفترة، لا يمكننى تحديد هذه الفترة، لكن الأمر ليس مسألة أيام أو حتى أسابيع».

ووسط حديث جانبي، أقرت جولدا مائير بنقطة ضعف إسرائيل، ومدى إدراك العرب لها، فضلًا عن علاقتها بحتمية استمرار حالة الطوارئ العسكرية، مشيرة إلى لقائها بأحد كوادر الأمم المتحدة العائد من دمشق، بعد جلسة تفاوضية حضرها أمين عام المنظمة الأممية، حول قضية تبادل الأسرى مع سوريا، وتأكيده علم السوريين بعمق الجرح الإسرائيلي، وحجم الضغوطات الداخلية التى تتعرض لها حكومة تل أبيب من أجل عودة أسرى الجيش الإسرائيلى لدى سوريا.

 إعادة الأسرى

لكن جولدا توقفت فجأة عن حديثها الجانبي، وقالت بصوت مرتفع، بعد شرود استمر دقائق: «وماذا فى ذلك؟ إذن لابد من وقف العمل ولو لفترة قصيرة على إعادة أسرانا لدى السوريين والمصريين. لابد أيضًا من احتمال ضغوطات ذوى الأسرى، لتفويت فرصة تحقيق القاهرة ودمشق مكاسب تفاوضية من وراء هذه القضية».

بعد جولدا، حصل وزير الدفاع موشى ديَّان على دوره فى «حديث الهزيمة»، وقال: «اعتمدنا فى السابق على قوة ردعنا للعرب. افترضنا لبالغ الأسف أنهم لن يبادروا بحرب شاملة، واعتقدنا أن العرب يظنون الهزيمة أمام إسرائيل فى أى حرب مقبلة. علمنا أيضًا أن الروس والعالم أجمع حذرهم من العواقب الوخيمة إذا بادروا بقتال إسرائيل، لكن دوافع حرب يوم الغفران لدى المصريين والسوريين كانت أيديولوجية فى المقام الأول والأخير».

وأضاف: «اعتقدنا نحن والعالم هزيمة العرب حال نشوب حرب، وتساءلنا: لماذا يبادرون بالحرب إذن؟ اسمحوا لى بالتعبير عن مخاوفى من الإصابة بـ«هوس الردع العكسي»، وهو ما يعنى سقوط الردع الإسرائيلى على صخرة قوة وجرأة العرب، وبدلًا من تحرك العرب بحسابات الخوف من إسرائيل، يصبح العكس هو الصحيح».

 انكسار الطاووس

وانكسرت طاووسية رئيس الأركان الإسرائيلى ديفيد أليعازر حين جاء دوره فى الكلام. تجاوب مع التفاتة جولدا مائير، واستهل هو الآخر «حديث الهزيمة»: «لا أستطيع التقليل من حجم الخسائر الفادحة التى تكبدناها فى يوم الغفران وما تلاه، فهى ثمن باهظ جثم على صدر الشعب الإسرائيلي، بالإضافة إلى خسارة مفهوم القيادة القوية. لا أنكر تلقى الجيش الإسرائيلى ضربة موجعة، ولن أخجل إذا اعترفت بأننا فى حاجة إلى شهور طويلة من أجل التعافي، سواء كان ذلك على المستوى العسكرى أو على المستوى النفسي».

وأضاف: «القادة الذين سقطوا فى الحرب، سقطوا لأنهم يستحقون السقوط، ولا بد من الاعتماد على قادة من الشباب عند إعادة بناء الجيش؛ وما دام العرب بخير، فلا يمكن الثقة فى إمكانية وقف إطلاق النار، ويحتم علينا الوصول إلى مستوى يفرض على العرب وقف الحروب».

أما الجنرال شموئيل (جورديش) جونين، قائد جبهة إسرائيل الجنوبية، فحذر من التنازل أمام العرب، وأضاف: «من أجل الأجيال القادمة لابد من التئام جراح الهزيمة سريعًا، وتفادى نقاط الضعف التى أسقطت إسرائيل بين أنياب المصريين والسوريين فى يوم الغفران. إذا انهارت إسرائيل اكثر من ذلك، فلن تصبح قادرة على إصلاح أو ترميم جيشها مجددًا».

 لملمة الجراح

التقط الجنرال يسرائيل (طاليك) طال، نائب رئيس الأركان، طرف الحديث من جونين، قائلًا: «خرجت إسرائيل من هذه الحرب وهى مجروحة من جميع النواحي، وبهذا المعنى، لابد من الاعتراف أيضًا بجرح الشعب اليهودي، بالإضافة إلى اعتراف لا يقل أهمية باهتزاز إسرائيل اجتماعيًا، واقتصاديًا، وسياسيًا، علاوة على انهيار الثقة فى القادة السياسيين والعسكريين، وهو ما يحول دون القدرة على الاستعداد السريع لحرب جديدة أمام المصريين أو العرب بشكل عام».

وأقر نائب رئيس الأركان الإسرائيلى حينئذ بأن الجيش الإسرائيلى لن يستطيع العودة إلى قوته السابقة قبل اندلاع حرب يوم الغفران، وأضاف: «نحتاج إلى عام على الأقل من أجل التعافي؛ فحتى لو حصلت إسرائيل على مزيد من الطائرات المقاتلة والدبابات لن يمكنها لملمة جراحها سريعًا، خاصة مع انكسار جبهتها الداخلية، وانهيار الموارد البشرية فى مختلف أسلحة الجيش الإسرائيلى».

وأردف يسرائيل طال: «لا يمكننى التصالح مع وجهات النظر السائدة فى أروقة النقاش المجتمعي، التى تنادى بضرورة تفادى ما حدث فى حرب يوم الغفران، وفتح صفة جديدة لتجاوز الأزمة. هذا التفكير يجافى الواقع، فلم تمر على إسرائيل منذ تأسيسها فترة حالكة السواد كالتى نعيشها حاليًا. سجلات التاريخ لن تتجاوز هزيمة وانكسار وحرج قادتنا أمام العالم. لابد من الاعتراف ومواجهة دراما الواقع الأليم، إذا كانت هناك رغبة حقيقية فى النهوض مجددًا».

 استقبال الأسرى

ولم تختلف بكائيات قائد سلاح البحرية الجنرال بنيامين تيليم عن سوابقها فى الاجتماع، لكنه أقر بأن ما يثير قلقه هو انتشار 200 ألف جندى إسرائيلى على الجبهة أمام المصريين والسوريين، ولا يتضح متى يعود هؤلاء إلى ذويهم بعد التنكيل بزملائهم فى حرب يوم الغفران. أما قائد الفرقة 146، الجنرال موشى بيليد، فأطال النظر إلى الحضور وقال: «لم يعد مصيرنا فى أيدينا، وفقدنا بوصلة قيادة السفينة بعد تمزيق الشراع».

وفى محاولة لمواجهة أزمة وشيكة، انتفض رئيس قسم الموارد البشرية فى الجيش الإسرائيلي، الجنرال هرتزل شابير، مقرًا بافتقار إسرائيل إلى برنامج واضح حول كيفية استقبال الأسرى العائدين من مصر وسوريا، وأضاف: «أكثر مشاكلنا تعقيدًا فى هذا الخصوص، هى أننا لا نعلم من يعود من هؤلاء. كل ما فعلناه هو إعداد كتيب تحت عنوان «مرحبًا بالعائدين»، وهو محاولة لامتصاص الأزمة التى تعرض لها هؤلاء الجنود، سواء خلال القتال أو فى مراحل الحرب المريرة». 

 	محمد نعيم

محمد نعيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

زكريا حمزة: «البورصة السلعية» حائط الصد الأول ضد «مافيا السوق»

نظام المزايدة الإلكترونية يكسر حلقات الاحتكار ويوفر أسعارًا عادلة لجميع السلع

السيسي: جيشنا على قدر المسئولية.. ويُساند فى توفير الحياة الكريمة للمواطنين

متابعة على مدار الساعة لمنافذ بيع السلع.. ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار «حوكمة» المنظومة التعليمية .. وعقوبات رادعة ضد المتلاعبين بالامتحانات

محاضر اجتماعات كيسنجر السريَّة فى حرب العاشر من رمضان

كشفت أكاذيب العدو عن قدرات المصريين ..

حرب العاشر من رمضان فى ميزان التحليل الاستراتيجى

عبقرية التخطيط وروعة التنفيذ.. وثيقة خاصة بتوقيع 3 من أبطال نصر أكتوبر عن أهم جولات الصراع العربى الإسرائيلى نتائج الدراسات...


مقالات