القاهرة ومدريد.. أهم جسور دعم القضية الفلسطينية

من مدريد بدأت صيغة الأرض مقابل السلام وفى القاهرة يجرى التحضير لإعلان الدولة الفلسطينية

زيارة استثنائية فى كل تفاصيلها.. بداية من التوقيت وصولًا لمراسم الاستقبال وأجندة اللقاءات وتنقلات الضيف فى عدة مناطق أثرية.. هكذا وصف خبراء العلاقات الدولية زيارة ملك إسبانيا فيليب السادس إلى مصر برفقة زوجته الملكة ليتيزيا.

وكشف الخبراء عن حجم التقارب المصرى الإسباني، ومدى تأثيره فى دعم القضية الفلسطينية، ورغبت القاهرة ومدريد فى تنمية العلاقات الثنائية فى العديد من المجالات.. وتوحيد رؤيتهما السياسية فى عدد من الملفات المهمة.

البداية مع السفير السيد أمين شلبى المدير التنفيذى  للمجلس المصرى للشئون الخارجية سابقا  الذى قال: العلاقات المصرية الأسبانية علاقات تاريخية تذهب إلى التاريخ البعيد فى عصر الأندلس، وتطورت إلى ما هى عليه اليوم من علاقات بدأت بشكل خاص منذ الثمانينات.. عندما ارتبطت مصر بتكوين الاتحاد الأورو متوسطي، وأسبانيا كانت عنصرًا مهمًا فى ذلك الاتحاد، الذى تطور حتى الآن إلى قوة إقليمية فاعلة، وأسبانيا عندما تذكر اليوم يذكر معها موقفها الشجاع والنبيل من القضية الفلسطينية، فتكاد تكون هى الدولة الأوروبية الوحيدة التى تسمى إسرائيل باسمها.. وتدفع وتطالب بتوقيع العقاب، وتتزعم اتجاه توقيع الاتحاد الأوروبى على وقف اتفاق المشاركة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، فحقيقة موقف أسبانيا موقف مشرف سياسيا وأخلاقيا، والزيارة تشكل إضافة وتأكيدًا على قوة العلاقات الثنائية بين البلدين، وكان واضحًا من التصريحات السابقة تطابق الموقف المصرى الأسبانى من القضية الفلسطينية والعدوان على غزة، هذا فضلا على الدفع بالعلاقات الاقتصادية والثقافية والعلمية لتعاون أكثر رحابة وشراكة.

من جانب آخر، قال د.طارق فهمى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة: "هذه الزيارة مهمة جدًا لاعتبارات متعلقة  بدور أسبانيا فى عملية السلام، وفى مدريد بدأت الصيغة التى نادت بالأرض مقابل السلام، وأسبانيا دولة داعية للسلام، ولها مواقف إيجابية من القضية الفلسطينية منذ بدء عملية السلام فى التسعينيات، والزيارة الحالية لها دلالات رمزية كثيرة، وأكثر منها دلالات سياسية، فالزيارة بطريقة ترتيبها تروج للعلاقة الثنائية، وهى تؤكد على أهمية مصر كمقصد سياحي، والتأكيد على أن مصر دولة محورية داعمة ـ وطبعًا معروف موقف أسبانيا تجاه إسرائيل، وهى منتقدة لمواقف وسياسات الاحتلال الإسرائيلى بصورة كاملة، وتقديرى أن هذه الزيارة مهمة وتعكس خصوصية العلاقة بين مصر وأسبانيا، والتصريحات التى جاءت فى متن الزيارة تؤكد انفتاح مصر على غيرها من الدول الأوروبية، والمكاسب السياسية من هذه الزيارة تؤكد على عمق العلاقات بين البلدين، وتصب فى خدمة القضية الفلسطينية، ومصر تجنى  الثمار الجيدة نتيجة لمسارها الدبلوماسى مع الدول الرافضة للسياسات الإجرامية لحكومة دولة الاحتلال، وأسبانيا دولة مهمة فى نطاقها الأوروبي.

فى سياق متصل، قال د.محمد الطماوى الخبير فى العلاقات الدولية: زيارة ملك أسبانيا فيليبى السادس إلى مصر جاءت فى توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد المنطقة تصعيداً عسكرياً غير مسبوق فى غزة، وتبرز هذه الزيارة باعتبارها خطوة سياسية ورمزية عميقة، فهى من ناحية تعكس إدراك مدريد لأهمية الدور المصرى المحورى فى إدارة الأزمات الإقليمية، ومن ناحية أخرى تؤكد حرص أسبانيا على أن تكون صوتا أوروبيا فاعلا فى الضغط من أجل وقف العمليات العسكرية وحماية المدنيين فى غزة.

ويضيف د.محمد الطماوى: "تحمل الزيارة دلالات سياسية واضحة، فهى بمثابة رسالة دعم لجهود الوساطة المصرية ومساعى القاهرة لفتح الممرات الإنسانية، وفى الوقت ذاته تؤشر إلى أن أسبانيا تتحرك لتكون بمثابة رافعة داخل الاتحاد الأوروبى من أجل تبنى مواقف أكثر حزماً تجاه الاحتلال الإسرائيلي، وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة فى ظل الضغوط الشعبية الكبيرة التى تواجهها حكومة بيدرو سانشيث للمطالبة بإجراءات ملموسة ضد الانتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين.

وتابع الطماوى: أسبانيا لم تكتفِ بالمواقف الخطابية، بل اتخذت بالفعل إجراءات تعكس جدية التزامها، إذ أعلنت عن مبادرات سياسية وإنسانية، وأكدت دعمها للتحقيقات الدولية بشأن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين العزل، هذا النهج يضع مدريد فى طليعة الدول الأوروبية التى تنسجم مواقفها مع التحركات المصرية، ويمنح القاهرة شريكا أوروبيا أساسيا فى تعزيز الشرعية الدولية لمطالب وقف إطلاق النار والمساءلة القانونية، مشددًا على عمق العلاقات المصرية الأسبانية.

وأوضح الطماوى بأنه فيما يخص الصعيد الاستراتيجي، فالعلاقات المصرية - الأسبانية تستند إلى قاعدة واسعة من التعاون السياسى والأمنى والاقتصادي، فهناك تنسيق وثيق فى ملفات المتوسط، ومكافحة الهجرة غير الشرعية والإرهاب، إلى جانب شراكات اقتصادية متنامية فى مجالات الطاقة، البنية التحتية، والسياحة، كما يبرز البعد الثقافى والعلمى من خلال برامج التبادل الجامعى والتعاون الأكاديمى والأنشطة الثقافية التى تديرها المؤسسات الإسبانية فى مصر، لافتا إلى أن هذا الدعم الأسبانى للمواقف المصرية فى هذه المرحلة يعزز من زخم الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء معاناة المدنيين فى المنطقة، ويمنح مساعى السلام فى الشرق الأوسط زخماً إضافياً، فمدريد تنطلق من رؤية ترى أن تحقيق الأمن الإقليمى لا ينفصل عن المساءلة الدولية، وأن شراكتها مع القاهرة تمثل ركيزة أساسية فى صياغة موقف أوروبي- عربى مشترك يوازن بين متطلبات الاستقرار ومبادئ العدالة.     

من ناحيته قال د.محمد عثمان الباحث فى العلاقات الدولية: زيارة ملك أسبانيا لمصر يأتى فى توقيت حرج للغاية يمر به الشرق الأوسط، ليبرز عمق ومتانة العلاقة بين القاهرة ومدريد، ويؤكد تناغم المواقف المصرية والأسبانية حيال العديد من الملفات الإقليمية.. وعلى رأسها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ومساعى إسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية، وأسبانيا ومصر لديهما تاريخ طويل من التعاون المشترك حيال الملف الفلسطينى منذ زمن بعيد، حيث بدأت عملية السلام ما بين الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى فى مؤتمر مدريد، الذى استضافته أسبانيا برعاية الولايات المتحدة وروسيا السوفيتية، وبدعم كبير ومحورى من جانب مصر والأردن؛ منذ هذا التاريخ ومصر وأسبانيا على الدوام تنسقان مواقفهما حيال القضية الفلسطينية، وما طرأ عليها من تطورات وتغيرت على مدار أكثر من ثلاثة عقود.

وأضاف عثمان: أسبانيا الآن لديها أكثر المواقف تقدماً بين الدول الأوروبية حيال الأزمة فى غزة، حيث إن الموقف الأسبانى ليس محصورًا فى مربع إدانة السلوك الإسرائيلى أو الاعتراف بدولة فلسطين، ولكنه تجاوز هذه المساحة لتصبح أسبانيا فى طليعة الدول الأوروبية التى تعلق صادرات السلاح إلى إسرائيل، بل وحظرت استخدام موانئها الجوية والبحرية فى تسهيل نقل أى معدات عسكرية لإسرائيل من دول أخري. والآن تنادى أسبانيا بمحاسبة إسرائيل على ما يتم ارتكابه من جرائم حرب وفرض عقوبات أوروبية جماعية على إسرائيل، ولعبت مصر دوراً محورياً فى دفع مدريد لتبنى هذه المواقف، حيث عملت الدبلوماسية المصرية بكل أدواتها بما فى ذلك الدبلوماسية الرئاسية من أجل دفع عدد من القوى الأوروبية الفاعلية لاتخاذ مواقف أكثر عدلاً وانصافاً حيال الشعب الفلسطيني، وبالفعل اثمرت هذه الجهود عن نتائج، أبرزها الموقف الأسبانى التاريخى المتضامن بشكل فعال مع القضية الفلسطينية، ومن شأن زيارة ملك أسبانيا أن تعزز من سبل التنسيق المصرى الأسبانى فى هذا الصدد، لا سيما وأن الطرفين الآن يسعيان إلى تعزيز المواقف الأوروبية المتضامنة مع فلسطين، وإلى نقلها وتطويرها من مرحلة التضامن لمرحلة التدابير التى من شأنها أن تزيد الضغط على إسرائيل التى تتمتع بحالة من الإفلات من العقاب بفضل الدعم الأمريكى اللا محدود واللا مشروط.

فى السياق ذاته، قال السفير معتز أحمدين سفير مصر السابق بالأمم المتحدة: العلاقات المصرية الأسبانية علاقات جيدة للغاية، وهى إحدى أبرز الدول الأوروبية المطلة على البحر المتوسط، وتاريخيًا علاقاتها جيدة مع مصر، وقد توثقت العلاقة  فى السنوات العشر الماضية نتيجة للتعاون الاقتصادي.. ومشاركتها فى قطاع السكك الحديدية فى مصر، بالإضافة إلى أن مصر كانت تصدر الغاز المسال إلى أسبانيا، وكذلك تنقل أسبانيا خبراتها فى مجال البيئة وبصفة خاصة الطاقة النظيفة.. وهذه كلها مسائل اقتصادية عززت من العلاقات بين البلدين، وسياسيًا مواقف أسبانيا متقاربة جدًا من المواقف العربية بشأن القضية الفلسطينية خصوصًا، وأن الحكومة الأسبانية الحالية حكومة يسار وسط، وبالتالى هى تؤيد قضايا التحرر الوطني، وموقفها إيجابى من القضية الفلسطينية، وزيارة ملك أسبانيا الحالية رغم أن الملك دستوريًا لا يتدخل فى المسائل السياسية.. ولكنها تعكس توطد العلاقات بين البلدين.

وأضاف محمدين: كانت الزيارة فرصة لإظهار الموقف الأسبانى المحترم من القضية الفلسطينية، والذى لا يكتفى بالمواقف اللفظية.. وإنما يتعدى مواقف الاتحاد الأوروبى بل والدول العربية.. بفرض عقوبات محددة واتخاذ خطوات عملية للضغط على الكيان الإسرائيلي، فهى قررت وقف تصدير أى أسلحة إلى إسرائيل، وكان هناك اتفاق مسبق أن تقوم أسبانيا بتصنيع منظومة دفاع صاروخى وتُباع إلى إسرائيل، لكن أسبانيا ألغث هذه الصفقة، كما أنها أعلنت أنها ستمنع السفن التى تحمل أى عتاد عسكرى إلى إسرائيل من التوقف فى الموانئ الأسبانية، وأعلنت أنها تفكر فى فرض عقوبات على إسرائيل، وقد أدى ذلك إلى توتر العلاقات بينها وبين إسرائيل، لدرجة أن وزيرى خارجية ودفاع إسرائيل أطلقا تصريحات تتهم أسبانيا بمعادة السامية، كما تم سحب السفير الإسرائيلى من أسبانيا منذ فترة، احتجاجًا على المواقف الأسبانية المتدرجة، وقد قامت أسبانيا مؤخرًا باستدعاء القائم بالأعمال الإسرائيلى احتجاجًا على إتهام أسبانيا بمعادة السامية.

واختتم محمدين بالقول: بالتأكيد هذه الزيارة التى شملت أماكن تاريخية وتراثية عديدة.. تمثل دعمًا للسياحة المصرية، فضلًا عن تعزيز التعاون الثقافى والعلمى بين مصر وأسبانيا، فوجود ملك أسبانيا يعطى إشارة سياسية  للمؤسسات الثقافية والعلمية الأسبانية للمضى قدمًا فى التعاون مع مصر فى مجال التعليم والمناهج الدراسية وغيرها من المجالات الأخرى.

 	 هانم الشربينى

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ملك إسبانيا يزور مصر لتعزيز التعاون المشترك ودعم القضية الفلسطينية
الرئاسة الفلسطينية تشكر السيسى لموقفه الثابت والحاسم ضد مخطط التهجير

المزيد من سياسة

زكريا حمزة: «البورصة السلعية» حائط الصد الأول ضد «مافيا السوق»

نظام المزايدة الإلكترونية يكسر حلقات الاحتكار ويوفر أسعارًا عادلة لجميع السلع

السيسي: جيشنا على قدر المسئولية.. ويُساند فى توفير الحياة الكريمة للمواطنين

متابعة على مدار الساعة لمنافذ بيع السلع.. ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار «حوكمة» المنظومة التعليمية .. وعقوبات رادعة ضد المتلاعبين بالامتحانات

محاضر اجتماعات كيسنجر السريَّة فى حرب العاشر من رمضان

كشفت أكاذيب العدو عن قدرات المصريين ..

حرب العاشر من رمضان فى ميزان التحليل الاستراتيجى

عبقرية التخطيط وروعة التنفيذ.. وثيقة خاصة بتوقيع 3 من أبطال نصر أكتوبر عن أهم جولات الصراع العربى الإسرائيلى نتائج الدراسات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م