تعد حرية الصحافة من أبرز ركائز الديمقراطية وحقوق الانسان، غير أن الواقع في الاراضي الفلسطينية بصفة عامة، وغزة بصفة خاصة يكشف صورة قاتمة عن حجم الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون الفلسطينيون والدوليون حتى أصبحوا أهدافاً مباشرة لجنود الاحتلال الاسرائيلي رغم وضوح هويتهم الصحفية.
وهذا الأسبوع اغتالت اسرائيل بدم بارد الصحفي الفلسطيني من جباليا أنس الشريف وعدد من زملاؤه عندما قصفت خيمة الصحفيين الموجودة بالقرب من مستشفى الشفا.
وأثار اغتيال الشريف موجة من المطالبات الدولية بضرورة محاسبة إسرائيل على جرائمها وتوفير حماية حقيقية للصحفيين الذين يعتبرون شاهد عيان على ما تفعله إسرائيل في غزة ضد المدنيين العزل.
وقد دفع هذا الأمر أصحاب الضمائر الحية في العالم أن يدينوا ما تقوم به إسرائيل، بل إن الصحفي المعروف في صحيفة هاآرتس الاسرائيلية جدعون ليفي كتب هذا المقال عن الشريف فجاء فيه:
"إذا وصلتكم هذه الكلمات فاعلموا أن إسرائيل نجحت في قتلي، وإسكات صوتي" هذا ما كتبه في وصيته الصحفي أنس الشريف، وأضاف أن "الله يعلم أني بذلت قصار جهدي، وما أملك من قوة كي أكون دعامة وصوت يتحدث باسم شعبي، منذ أن فتحت عيوني على الحياة، في أزقة مخيم جباليا للاجئين. كان جُل أملي أن يطيل الله في عمري حتى أعود مع أسرتي وأحبائي إلى مدينتي الأصلية عسقلان- المجدل. لكن إرادة الله فوق كل شيئ وأمره نفد.
ليست إرادة الله هى التي حسمت هذا الأسبوع مصير الصحفي أنس الشريف، ومعه أربعة من طاقم الإعلام في خيمة الصحفيين، التي كانت بالقرب من مستشفى الشفا في غزة. بل طائرة مُسيرة مجرمة تابعة لجيش الاحتلال الاسرائيلي، حيث استهدفت مراسل قناة الجزيرة البارز أنس الشريف خلال تغطية الحرب الاسرائيلية على غزة.
ليست إرادة الله بل إرادة إسرائيل في اغتياله بزعم أنه "قائد خلية في حماس" من دون أن تقدم أى دليل على ذلك. صدًّق العالم هذه الرواية الاسرائيلية تماماً، كما صدقوا في السابق بأن جيش الاحتلال الاسرائيلي لم يقتل الصحفية شرين ابو عقل في جنين. إن من يريد أن يصدق أن أنس الشريف كان "قائد خلية في حماس" عليه أن يسال نفسه: ماذا عن القتلى الآخرين؟ هل كانوا نواب قائد الخلية؟ إن الجيش الذي يقتل صحفيين بصورة بشعة كهذه، والدولة التي لاتسمح بتغطية صحفية حرة لهذه الحرب، لايمكن تصديقهم في اي شيء، وأيضا لايمكن تصديق قصصهم بشأن قائد الخلية من جباليا.
لايمكن تصديقهم، ربما ليس من الصعب تصديقهم كيف مر خبر قتل هؤلاء الصحفيين مرور الكرام، لقد انقسمت الصحافة الاسرائيلية الى قسمين، الاولى تجاهلت الامر تماماً، والثانية قالت إن اسرائيل قتلت "مخربين" دون محاولة الحصول على معلومات حول هذا الأمر، جميعهم تقريباً اعتمدوا على الرواية التى املاها عليهم الجيش، ولتذهب الحقيقة الى الجحيم. ليس الحقيقة فحسب، وإنما التضامن مع زميل شجاع ومهنى.
إن الدليل الوحيد الذي قدمته إسرائيل كان صورة جمعت أنس الشريف بيحي السنوار، حقا إنها ذريعة قوية لاغتياله على يد جنود جيش الاحتلال.
أنس الشريف شجاع أكثر من مليون مراسل إسرائيلي، ومجند أقل لخدمة دعاية بلاده وشعبه، من كل من نير دبورى وأور هيلر، إن الشريف علم الصحافة الاسرائيلية أسس ومبادئ الصحافة الحقيقية، وليست الدعاية الكاذبة والوقاحة قد تعدت الحدود . هل قناة الجزيرة قناة دعائية؟ يصرخ مراسلوا القنوات الاسرائيلية بالدعاية الكاذبة وهم في الأساس يخفون الحقيقة. هل الجزيرة قناة دعائية؟ وماذا عن القنوات 12 ، 11، 13، 14، 15 الاسرائيليية ؟ هل لهم اي علاقة بمبادي وأسس الصحافة في هذه الحرب؟
مع موت الصحافة ماتت أيضاً الحقيقة ومات التضامن مع زميل شجاع ومهني. إن من قُتلوا خلال هذه الحرب من الصحفيين عددهم أكبر بكثير ممن قتلوا في أي حرب أخرى في التاريخ. قتل بحسب لجنة حماية الصحفيين (cpj) 186 صحفياً، وبحسب منظمة بيتسليم 263. من الصعب أن نعرف كيف أن الصحفيين الاسرائيليين يمكنهم استيعاب ذلك. ربما لانهم يعتزمون مواصلة الخنوع وخدمة آلة الدعاية الاسرائيلية، التي من وجهة نظرهم بأن الصحافة هكذا . قصف هذا الاسبوع جيش الاحتلال خيمة الصحفيين، والمشاهد التى لم تشاهدوها كانت مرعبة ومخيفة. لقد أخرجوا من الخيمة المشتعلة جثث المراسلين. فيما هتف زملائهم الاسرائيليين فرحاً لما حدث، وصمت البعض الاخر. هذا عار إنساني ومهني. لايقل صدمة عن قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي. هل لأن جثة أنس الشريف لم تقطع الى أجزاء.
قال أصدقاء الشريف وطاقمه إنه كان على علم أنه مستهدف من قبل جيش الاحتلال الاسرائيلي، عندما بدأ هدده الجيش الاسرائيلي في شهر أكتوبر. وقالت إيرين خان، مقررة الأمم المتحدة والمعنية بحرية الصحافة إنها قلقة بشأن مصيره، وكان أنس الشريف هو آخر المراسلين الذي بقي على قيد الحياة في شمال غزة. لذلك قتلته إسرائيل بالتحديد. " كانت أخر كلمات الشريف في وصيته "لاتنسوا غزة".
نُشر المقال بصحيفة هاآرتس الاسرائيلية، وترجمه للعربية الإذاعي محمد كامل .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أصدقاء ترامب جمعوا مليارات الدولارات خلال حرب الـ40 يومًا بتواطؤ الموساد والـCIA أبرز أصدقاء ترامب حوَّل رواتب ضباط وجنود قوات...
د. محمد عثمان: العدوان على لبنان يمثل تهديدًا كبيرًا للتهدئة الإقليمية الأوسع تمارا حداد: الاحتلال يرى أن أى وقف للحرب...
وساطات هادئة وتحركات دبلوماسية مكثفة.. البرديسى: القاهرة لا تبحث عن مكاسب دعائية أو حضور إعلامى فى إدارة الأزمات فرحات: مصر...
بشرى لأصحاب الأمراض النادرة.. بعد التوصل لبصمة قدماء المصريين