كلمة السر فى نصر العاشر من رمضان

كانت مصر لم تزل فى غمرة الاحتفال بأصداء الانتصار المدوى لحرب رمضان، بينما التقارير الإعلامية تتوالى، وتحليلات أجهزة الاستخبارات الدولية تسعى للإجابة عن تفاصيل السؤال الصعب: كيف أمكن لجيش الصائمين عبور المستحيل؟ وبأى تكتيك استطاعوا غزو اسرائيل وهى نائمة ؟!

 

تبارت الصحف الإسرائيلية فى جمع ما تيسر من شهادات الهزيمة، وما لبثت أن ارتفعت أصوات المنادين بمعاقبة القادة المتسببين فى "التقصير".. وهى الكلمة التى صارت بمثابة العنوان الأبرز لهزيمة جيش الدفاع الإسرائيلى فى حرب رمضان.

توالت شهور الحزن فى تل أبيب.. اندلعت المظاهرات، وكيلت الاتهامات، وسيق عدد من كبار الجنرالات إلى "لجنة أجرانات".. وفى أول أبريل من عام 1974 صدر تقريرها الخاص بتقصى حقائق ما جرى فى تلك الحرب، الذى وصفه المراقبون الإسرائيليون بـالتقرير "الأشد دوياً من القنبلة".. اليوم نعود لنتذكر ونكتب بمِداد الفخر بعضاً من نتائج هذا التقرير الخطير باحثين عن كلمة السر فى نصر العاشر من رمضان.

"حرب رمضان" كان عنوان أحد أهم الكتب العسكرية التى أصدرتها القوات المسلحة المصرية بعد أن سكت هدير المدافع وبدأت مصر حصاد انتصارها التاريخي.. وكان طبيعياً أن تتوج فصول الكتاب الختامية بأهم العبر والدروس المستفادة التى  لخصها خبراء الحرب المصريين.. أما مستهل الكتاب البالغ الدلالة فتمثل فى صفحة الإهداء:  "إلى شهداء العرب.. كل شهداء العرب.. من بدر الأولى إلى بدر الثانية (حرب رمضان) وما سوف يتلوها من حروب"!

وبالعودة إلى الكتاب، نقف على أهم ما ورد بخصوص (لجنة أجرانات) والتى حللت أسباب هزيمة اسرائيل فى تلك الحرب الفاصلة.. وهى اللجنة التى تشكلت برئاسة الدكتور "شمعون أجرانات" رئيس المحكمة العليا، وعضوية "موشيه لنداو" قاضى المحكمة العليا، والدكتور "اسحاق نفتالي" مراقب الدولة، والجنرالين "يجال ايادين" و"حاييم لاسكوف" رئيسى الأركان العامة السابقين، كان ما وجهته اللجنة من اتهامات خاصة بأوجه القصور التى تسببت فى هزيمة القوات المسلحة الاسرائيلية فى الحرب كالتالي:

إن مصر وسوريا فاجأتا إسرائيل بالحرب يوم السادس من أكتوبر الساعة الثانية ظهراً، وذلك لأن القيادة الإسرائيلية العليا السياسية والعسكرية لم تقدر حتى ساعات الصباح الباكر ذلك اليوم أن حربًا شاملة على وشك الاندلاع.. وفى الصباح، عندما أصبح واضحًا أن الحرب سوف تشتعل فورًا، افترضت هذه القيادة العليا خطأً أن الحرب لن تبدأ قبل الساعة 1800 (السادسة مساءً).. وتقع هذه الأخطاء الجسيمة فى التقديرات على عاتق شعبة المخابرات برئاسة الأركان العامة، وعلى قسم الأبحاث فى المخابرات الحربية، إذ أخفقا فى توفير الإنذار الكافى للقوات المسلحة الاسرائيلية على نوايا العدو (مصر وسويا).

عندما أعلن رئيس المخابرات الحربية الاسرائيلية أن مصر وسوريا تزمعان شن الحرب فى الساعة السادسة مساءاً على الجبهتين الشمالية والجنوبية، لم يمكن هذا الإنذار القصير المدى أجهزة التعبئة الاسرائيلية من حشد الاحتياط بصورة منظمة، واقتضى العمل بسرعة دون التقيد بالجداول الزمنية مسبقة التجهيز، وأدى هذا الخطأ الثانى إلى مزيد من الارتباك فى استعداد القوات الاسرائيلية النظامية على مختلف الجبهات، وكذا الارتجال والعفوية فى نشرها فى المسرح وخاصة على جبهات قناة السويس.

كانت هناك فى الواقع ثلاثة أسباب جوهرية لهذا الفشل الجسيم انبعثت كلها من تمسكنا بذلك التصور الخاطئ، والذى لم يكن هناك فى الحقيقة ما يبرره.. أما السبب الأول فتمثل فى الآتي:

أ- مصر لن تشن حرباً على إسرائيل إلا بعد أن تضمن لنفسها مهاجمة مطارات وقواعد إسرائيل فى العمق، وخصوصاً مطارات إسرائيل الرئيسية وقواعدها الجوية حتى تتمكن من شل سلاح إسرائيل الجوي.

ب- سوريا لن تشن هجوماً شاملاً على إسرائيل إلا فى وقت واحد مع مصر، وطالما أن مصر لم تتوفر لها القدرة الجوية على مهاجمة مطارات وقواعد إسرائيل فى العمق، فإنها -أى سوريا- بالتبعية لن تجرؤ على خوض القتال.

أما ثانى الأسباب للفشل الإسرائيلى بحسب التقرير فيتمثل فى الثقة المفرطة لدى جهاز المخابرات فى قدرته على إعطاء الإنذار المسبق للتعبئة.. وثالث الأسباب أن المخابرات العسكرية الإسرائيلية فشلت فى تقدير المعلومات وتحليل حشود العدو (مصر وسوريا) بالحجم الذى لم يسبق له مثيل، وراحت تؤكد أن كل هذه الإجراءات إنما هى استعدادات دفاعية من جانب سوريا، وإجراءات مناورة الخريف المعتادة من جانب مصر.. وبهذا تمادى جهاز المخابرات الإسرائيلية فى الخطأ، واستطاع العدو تضليل جيش إسرائيل ومفاجأته تحت قناع مناورة الخريف المزعومة.

لم تكن أخطاء جهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلية هى الأخطاء الوحيدة التى أربكت تحركات جيش الدفاع الإسرائيلى فى بداية الحرب، بل أضيفت إليها أخطاء فى استعداد الجيش خلال الأيام القليلة السابقة على السادس من أكتوبر أدت إلى الآتي:

- تأخير الاحتياط بصورة لا مبرر لها.

- إهمال إعداد خطة دفاعية مسبقة التحضير يصير اتباعها فى حالة الاضطرار إلى الاعتماد على القوات النظامية فقط فى هجوم العدو – مصر وسوريا- إذا ما نجحتا فى مفاجأتنا قبل أن نستكمل تعبئة قواتنا الاحتياطية.

- قصور نشر القوات المدرعة على جبهتى القناة وتقاعس قائد المنطقة العسكرية الجنوبية (سيناء) عن إصدار توجيهاته إلى المرؤوسين بالقدر الذى يرشدهم إلى مهامهم القتالية وتأهبهم لمواجهة الهجوم.. الأمر الذى ترتب عليه أن ساد الغموض أرجاء الجبهة كلها.

وفى رأى هذه اللجنة أن رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية يتحمل كل المسئولية عن الخطأ الفادح الذى ارتكبه جهاز المخابرات، ولهذا السبب لا يصح أن يبقى فى منصبه بعد اليوم.

كما توصلت اللجنة إلى اتفاق على أن رئيس الأركان الجنرال دافيد أليعازر يتحمل بدوره مسئولية شخصية لما حدث عشية الحرب بالنسبة للخطأ فى تقدير الموقف والقصور فى تعبئة وحشد القوات المسلحة الإسرائيلية والإهمال فى وضع خطة منفصلة تكون معدة مسبقاً لمقابلة أى هجوم تشنه مصر وسوريا ضدنا على أساس تقدير واضح لقوات العدو وتأهبه ونواياه.

لقد وثق رئيس الأركان العامة بصورة مبالغ فيها وبأنه سوف يحصل دائما على إنذار كاف لتعبئة الاحتياط، وإذا ما أضفنا إلى ذلك التصور الخاطئ الذى لم يكن هناك فى الواقع ما يبرره وتلك الثقة المفرطة المبالغ فيها فى قدرة القوات المسلحة الإسرائيلية على صد وتدمير أى هجوم عربى شامل ضدها على الجبهتين بواسطة القوات النظامية.. وإزاء هذا الإهمال والتصور الذى نرى من واجبنا التوجه بإنهاء تولى الجنرال دافيد أليعازر منصب رئيس الأركان العامة لإسرائيل.

وفى رأى اللجنة أيضاً أن الجنرال شموئيل جونين قائد المنطقة الجنوبية (سيناء) لم يمارس سلطاته أو مسئولياته ويتحمل جزءاً كبيراً من المسئولية عن الوضع الخطير الذى دهم فيه العدو - مصر- قواتنا فى الجبهة الجنوبية يوم الغفران عندما بدأت مصر هجومها.. وينطبق على الجنرال "جونين" نفس القرار الذى اتخذناه حيال رئيس الأركان العامة.. إن إهماله وتقصيره قبل الحرب ويوم اندلاعها تجبرنا على اتخاذ القرار الخطير بإعفائه من منصبه.

إن الحقيقة التى توصلت إليها اللجنة هى أنه حتى بدء إطلاق النار على امتداد جبهة القناة، لم تكن القوات الإسرائيلية انتشرت أو اتخذت أوضاع المعركة بعد.. وعندما اشتعلت الحرب كانت قواتنا على مسافة بعيدة من خط انتشارها النهائى فى الأمام.. وعندما بدأت مدرعاتنا تتقدم نحو القناة اصطدمت بكمائن من مشاة العدو المسلح بالمدافع والصواريخ المضادة بالدبابات كان أفرادها قد تمكنوا من اتخاذ مواقعهم بمهارة بين دباباتنا وخط المياه، كما احتلوا الجانب الشرقى للقناة وصبوا نيرانهم المحكمة على دباباتنا فعطلوها وضربوها بشدة.. لقد برر الجنرال شموئيل جونين ذلك الأمر البائس بعدم نشر مدرعاته كما ينبغى وفى الوقت الملائم بخوفه من استثارة العدو ودفعه إلى بدء القتال دون تخطيط مسبق.

 وقال أيضًا إنه خشى أن يقصف العدو – مصر – دباباتنا قصفًا مركزاً بالمدفعية لو أنه نشرها مبكراً فى مواقع المعركة.. وفى رأينا أن هذه المخاوف لا تبرر بأى حال من الأحوال تأجيل فتح قوات المنطقة الجنوبية وهو خطأ فاحش ارتكبه الجنرال جونين وأدى إلى نتائج وخيمة جداً.

كان يوم الغفران يوماً حرجا على أى حال، إذ واجه الجيش الاسرائيلى تحديا من أصعب التحديات التى يتعرض لها أى جيش نتيجة الوضع الخطير الذى كان قائماً عندما بدأت الحرب وبسبب الأخطاء التى ارتكبت فى تلك الجولة والتى سبق تفصيلها".

نقد لاذع

وما زلنا نقلب بين صفحات كتاب "حرب رمضان" ونقرأ بين سطوره تقييم كبار الخبراء الإسرائيليين فى مختلف التخصصات عنها، إذ لم تنقطع شكوى إسرائيل من مرارة الهزيمة فور توقف نيران الجولة الرابعة، وبعد مرور عام كامل تحولت الشكوى إلى نقد لاذع مبعثه العاطفة الجريحة، وظهرت آثارها فى كل وسائل الإعلام الإسرائيلية.

ولعل ندوة جريدة ها آرتس التى عقدتها لتقييم نتائج حرب يوم الغفران بمناسبة انقضاء عام كامل عليها، فجمعت لها عشرة من مشاهير قادة وعلماء إسرائيل كفيلة بتوضيح مدى الحزن والخوف الذى انتشر داخل إسرائيل بعد الهزيمة.

يقول الجنرال يشياعو جافيتش - القائد الأسبق لمسرح سيناء أثناء جولة 1967 - يقول تعليقاً عن حرب رمضان: إن العرب قد حققوا أهدافهم وأثبتوا قدرتهم على خوض القتال بشجاعة واقتحام أعصى الموانع مع قيادة قوات كبيرة جدا فى تنسيق حاذق وتخطيط استراتيجى ممتاز من خلال تعاون سياسى رائع.

ويرى البروفيسور روفائيل موشيه - عالم الطب النفسى - أن حرب يوم الغفران قد فتحت أعين اسرائيل على واقع جديد عندما اكتشفوا أن جنودهم عرضة للهزيمة بعد أن كانوا يظنون أن لديهم مناعة ضدها، بعد أن كانت مبعث فخارهم قبل هذه الحرب.

ويشير البروفيسور نوح ميلجرام إلى أن الاسرائيليين كانوا على يقين قبل الحرب أنهم أعظم قوة عسكرية فى المنطقة، وأن قدرتهم على الردع سوف تمنع العرب من مجرد التفكير فى شن القتال، لأنهم إذا ما أقدموا على ذلك فسوف يدق جيش إسرائيل عظامهم.. ولكن العرب خاضوا الحرب فكسروا عظام إسرائيل، وبرهنوا أن حياتها سوف تستمر فى تعبئة دائمة وخوف مستمر.

ويعترف البروفيسور بوعز عفرون أن هناك شهورًا بالكآبة والحزن نجم عن اكتشاف الإسرائيليين فجأة أنهم لا يعيشون فى فراغ القوة كما ظنوا بعد حرب 67، وأن هناك قوة مضادة لهم هم العرب تحظى بتأييد الرأى العام العالمي، وتشكل قوة سياسية واقتصادية وعسكرية رهيبة، فى الوقت نفسه الذى خربت حرب يوم الغفران اقتصاد إسرائيل وسببت افلاس سياستها.

 يضيف البروفيسور ميخائيل فيلدمان - الأستاذ بمعهد وايزمان - سبباً آخر للأزمة التى تعيشها إسرائيل بعد الحرب، فيعزوها إلى أنها دولة من المهاجرين الجدد الذين تنقصهم التقاليد العريقة التى تساعد على امتصاص الهزائم والتغلب على الأزمات مثل العرب.

ويؤكد البروفيسور اليعاذر شفاير - أستاذ الفلسفة اليهودية بالجامعة العبرية - أن إسرائيل تجابه شعورًا أليمًا بأنها تقف أمام مشاكل عسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية طاحنة لا تعرف ما ينبغى عليها أن تفعله حيالها، ولا كيف يجب عليها أن تستعد.

ويوضح البروفيسور آمنون كابيلوك - خبير الشئون العربية - أن العوامل السياسية والاقتصادية والعسكرية قد طوعها العرب فى حرب يوم الغفران بشكل فعال ومنسق ضد اسرائيل، بحيث كانت هذه الحرب هى المرة الأولى التى أحسن فيها العرب الاستعداد والتخطيط والأداء، وقد كسب العرب عطف الرأى العام الذى اقتنع بحقهم فى تحرير أرضهم المحتلة، أما سلاح البترول فقد استخدموه بمهارة وجدارة، فدفعت اسرائيل ثمنا فادحا نتيجة ذلك.

ويشعر البروفيسور رئيف ليف - أستاذ العلوم الطبيعية بالجامعة العبرية - أنه وزملاءه من رجال العلم أمام حالة طوارئ، كتلك التى واجهت بريطانيا بعد مأساة معركة "دنكرك" بعد عام 1940، لأن هناك أمرًا فظيعًا قد حدث يوم الغفران نتيجة القوة والمهارة التى أصبح العرب يتصفون بهما.

ثم يجمل البروفيسور شمعون شامير - مدير معهد شلواح للدراسات الشرقية بجامعة تل أبيب - انجازات العرب الرائعة فى حرب يوم الغفران فيما يلي: إنهم - أى العرب - استطاعوا تغيير سياسة الولايات المتحدة الأمريكية للمرة الأولى فى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلي.. وأنهم أثبتوا أن الحل العسكرى ليس وقفًا على إسرائيل وحدها.. وأنهم برهنوا على قدرة عالية على التنسيق السياسى والعسكرى والاقتصادى والإعلامى فى الأعمال المشتركة بينهم.. وأنهم استعادوا القدرة على الحركة السياسية بين مجموعة الدول بعد أن فقدوها عام 1967.. وأنهم هدموا نظرية الأمن الإسرائيلى من أساسها.

بقى أن نشير إلى أن كتاب "حرب رمضان" تأليف ثلاثة من كبار المتخصصين فى التأريخ للشأن العسكرى المصرى وهم: اللواء حسن البدرى واللواء طه المجدوب والعميد ضياء الدين زهدي.

محمد مسعد

محمد مسعد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

زكريا حمزة: «البورصة السلعية» حائط الصد الأول ضد «مافيا السوق»

نظام المزايدة الإلكترونية يكسر حلقات الاحتكار ويوفر أسعارًا عادلة لجميع السلع

السيسي: جيشنا على قدر المسئولية.. ويُساند فى توفير الحياة الكريمة للمواطنين

متابعة على مدار الساعة لمنافذ بيع السلع.. ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار «حوكمة» المنظومة التعليمية .. وعقوبات رادعة ضد المتلاعبين بالامتحانات

محاضر اجتماعات كيسنجر السريَّة فى حرب العاشر من رمضان

كشفت أكاذيب العدو عن قدرات المصريين ..

حرب العاشر من رمضان فى ميزان التحليل الاستراتيجى

عبقرية التخطيط وروعة التنفيذ.. وثيقة خاصة بتوقيع 3 من أبطال نصر أكتوبر عن أهم جولات الصراع العربى الإسرائيلى نتائج الدراسات...


مقالات

المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م
سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص