بركات الفرا: مع المضى فى الاتفاق واستقرار الوضع الداخلى الفلسطينى يمكن بعدها الحديث عن حل الدولتين
أخيرًا وبعد 466 يومًا ينزل الستار عن الأيام الأسوأ والأطول فى القضية الفلسطينية، فرغم أن طوفان الأقصى أعاد الحياة للقضية الفلسطينية على المستويين الرسمى والشعبى إلا أنه أيضًا كان ذريعة لدولة الاحتلال لإعمال القتل فى المدنيين العزل وتدمير الحياة فى قطاع غزة بلا تناسب للقوى، وبلا وعى بـ : طوفان الأقصى هو قضية شعب محتلة أرضه، اتفاق وقف اطلاق النار الذى جاء بجهود مصرية قطرية أمريكية ودخل حيز التنفيذ 20 يناير، يأتى على مراحل ثلاث، كل منها على مدى 42 يومًا، الأولى وتقضى بأن وقف العمليات العسكرية المتبادلة من قبل الطرفين مؤقتًا، وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلى شرقًا وبعيدًا عن المناطق المأهولة بالسكان إلى منطقة بمحاذاة الحدود فى جميع مناطق قطاع غزة، بما فى ذلك "وادى غزة"، مع عودة النازحين وسيتم الانسحاب لمسافة 700 متر قبل الحدود اعتمادًا على خرائط ما قبل 7 أكتوبر2023.
تخفض إسرائيل قواتها تدريجيًا فى منطقة الممر بمحور فيلادلفيا فى المرحلة الأولى، وفقًا للخرائط التى اتفق عليها الجانبان، تفرج إسرائيل عن نحو ألفى أسير ونحو ألف من المعتقلين بعد 7 أكتوبر، تعليق النشاط الجوى الإسرائيلى للأغراض العسكرية والاستطلاع مؤقتًا فى قطاع غزة بمعدل 10 ساعات يوميًا، و12 ساعة فى أيام إطلاق سراح المحتجزين والأسرى، بعد إطلاق سراح آخر محتجز إسرائيلى فى المرحلة الأولى، فى اليوم الـ42، تبدأ قوات الاحتلال الإسرائيلى انسحابها وتستكمله بما لا يتجاوز اليوم الـ50 من بدء سريان الاتفاق، تخفض إسرائيل قواتها تدريجيًا فى منطقة الممر بمحور فيلادلفيا فى المرحلة الأولى، وفقًا للخرائط التى اتفق عليها الجانبان، فتح معبر رفح بعد 7 أيام من بدء تطبيق المرحلة الأولى، وتدخل كميات كافية من المساعدات الإنسانية ومواد الإغاثة والوقود عبر 600 شاحنة يوميًا، تنقل 50 منها الوقود، وتتوجه 300 شاحنة إلى شمال القطاع، مع السماح للمركبات بالعودة شمال محور نتساريم بعد فحصها من شركة خاصة يحددها الوسطاء مع الجانب الإسرائيلي، بناء على آلية متفق عليها، تبدأ مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، بشأن شروط تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، فى موعد أقصاه اليوم الـ16 من دخول الاتفاق حيز التنفيذ، ويجب أن يتوصل إلى اتفاق قبل نهاية الأسبوع الخامس من المرحلة الأولى وغيرها من البنود التى بموجب تنفيذها يتم الانتقال للمرحلة الثانية، والتى فيها يتم إعلان الهدوء المستدام بوقف العمليات العسكرية والأنشطة العدائية واستكمال تبادل المحتجزين الإسرائيليين المتبقين مع عدد يُتفق عليه من الأسرى الفلسطينيين، وانسحاب قوات الاحتلال بالكامل خارج قطاع غزة، والمرحلة الثالثة فيتم تبادل جثامين ورفات الموتى الموجودة لدى الطرفين، وبدء خطة إعادة إعمار قطاع غزة على مدى 3 إلى 5 سنوات، فتح جميع المعابر والسماح بحرية حركة الأشخاص والبضائع.
بنبرة ارتياح قال السفير الفلسطينى السابق بالقاهرة بركات الفرا: إن جهود مصر والولايات المتحدة وقطر هى ما أدت للوضع الحالي، ومصر مع القضية الفلسطينية منذ 1948 وما زالت كما عهدها دومًا، ودعوتها لمؤتمر لإعادة الإعمار بالقاهرة هو أحد أوجه دعمها للقضية الفلسطينية فى اللحظة الراهنة، لكن المهم أن تلتزم الدول.. تتحدث الولايات المتحدة عن 37 مليار دولار، وكل ما نرجوه أن تسير الجهود فى اطارها الصحيح لإزالة أطنان من الردم وإعادة بناء البنى التحتية ومناحى الحياة فى القطاع.
وتابع: التخوف الحالى هو من رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فعادته نقض الاتفاق بأى ذريعة فى ظل تمسكه بالحكومة، ورفض سموتريتش وبن غفير لوقف الحرب، على جانب آخر فإن وجود منظمة التحرير فى اجتماع القاهرة أمر مبشر لأن حماس كانت ترفض وجودها، كذا اصرار مصر على أن تتولى السلطة الفلسطينية مع البعثة الأوروبية إدارة معبر رفح من الجانب الفلسطينى يشير لتهدئة تحتاج أيضًا من الجميع ومن القوى التى دعمت طوفان الأقصى الابتعاد عن التوترات حتى لا تدفع غزة مرة أخرى مسئولية أى أعمال من قبل الحوثيين مثلًا أو غيرهم، لضمان تنفيذ الاتفاق، أما وضع حماس الفترة القادمة فقولًا واحدًا سيكون تحت مظلة السلطة الفلسطينية، ولن يكون لها الدور الذى كانت تؤديه من قبل دورها سيكون جزءًا من الحياة السياسية وليس من السلطة، نعمٌ لا أحد ينكر لحماس تضحياتها واستشهاد قادتها ووجودهم على الأرض، وأنها سبب فى إعادة الحياة للقضية الفلسطينية بفضل طوفان الأقصى، واعتراف دول أوروبية بالدولة الفلسطينية، لكن أيضًا أهل القطاع ذاته يرون كم التدمير الذى كان، والـ 47 ألف شهيد غير من تحت الانقاض، و١١٠ ألف مصابين، فضلًا عن أنقاض تحتاج لسنوات لإزالتها، حماس فكرة ولا يمكن تجاهلها، لكن ستكون ضمن المكون الفلسطيني، ومع المضى فى الاتفاق ومع استقرار الوضع الداخلى الفلسطيني، يمكن بعدها الحديث عن حل الدولتين، والذى يلاقى حاليًا قوة دفع كبيرة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وقال الخبير الاستراتيجى اللواء رضا يعقوب أن عهدنا فيهم هو نقض الاتفاق، وبالتالى خرق الاتفاق غير مستبعد، ولذا فدورنا هنا هو استغلال التعاطف الدولى الرسمى والشعبى ومتابعته للأحداث ليكون رقيبًا على ما تفعله إسرائيل، نبنى على طوفان الأقصى إعادة الاهتمام بالقضية الفلسطينية، ويتصدى وزراء الخارجية العرب للحديث دومًا عن ذلك وعن الأفعال الإسرائيلية حتى يستمر ويثبت دوليًا ما يقترفه هذا الكيان، من ناحية أخرى عسكريًا لا يتم الانسحاب مرة واحدة؛ لأنه قد يحدث خلل بسبب استقرار الوضع لفترة، لكن المهم أن يتم التشديد على تقيده والتزامه بتوقيتات محددة حتى لا نعود للنقطة صفر، بدلًا من الحديث عن اليوم التالي، لأنه يجب أن نأخذ فى الاعتبار أن رئيس الوزراء الإسرائيلى كان رافضًا لكل المحاولات السابقة لوقف الحرب؛ لأنه يعلم أن اليوم التالى لها – أيما أخذ من الوقت - ستتم محاكمته، من المفترض هنا أيضًا أن بذل الجهود لتطبيق حكم الجنائية الدولية، لكن إذا تدخلت الولايات المتحدة أيضًا فإن المواطن الإسرائيلى سيطالب بمحاكمته سواء قضايا الفساد المتورط فيها، أو ما أدت إليه سياسته من وفاة محتجزيهم وجنودهم فى العمليات، نتنياهو ينتظر مصيرين إما عزله ومحاكمته، أو اغتياله من قبل مواطنيه.
ويرى الدكتور سعيد الزغبى أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، بأن قرار رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بالموافقة على وقف إطلاق النار نتاج أبعاد متعددة منها البعد العسكري، فقد استنزفت العمليات العسكرية الموارد بشكل غير مسبوق، وتشير تقارير وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى أن التكلفة اليومية للحرب تجاوزت 120 مليون دولار، مما دفع القيادة العسكرية إلى تقديم توصيات بضرورة التهدئة ـ أما البعد الدولى فذلك لأن الولايات المتحدة، الحليف الرئيسى لإسرائيل مارست ضغوطًا واضحة على حكومة نتنياهو، وطالبته إدارة بايدن بتسهيل دخول المساعدات الإنسانية لغزة مهددة بمراجعة دعمها العسكرى إذا استمرت العمليات، أما داخليًا، فتواجه حكومة نتنياهو احتجاجات داخلية حاشدة منذ شهور، إذ خرج مئات الآلاف من الإسرائيليين اعتراضًا على الإصلاحات القضائية التى اقترحها والتى اعتُبرت تهديدًا لاستقلال القضاء ووفقًا لاستطلاع الرأى الذى نشرته صحيفة "هآرتس"، وأظهر أن 62% من الإسرائيليين يشعرون بأن الحرب الطويلة أضعفت الاقتصاد الإسرائيلى بشكل كبير، بالتالى من غير المتوقع فى تقديرى فإن التظاهرات الإسرائيلية التى اندلعت منذ بداية العام ليست مرتبطة فقط بالوضع فى غزة بل تتعلق بالدرجة الأولى بالإصلاحات القضائية التى اقترحها نتنياهو وفقًا لاستطلاع أجرته صحيفة جيروزاليم بوست ارى إن 70% من المشاركين أكدوا أنهم سيستمرون فى التظاهر حتى لو توقفت الحرب حيث يعتبرون الإصلاحات تهديدًا مباشرًا للديمقراطية الإسرائيلية.
وأضاف أنه بخصوص مصير نتنياهو وحكومته قضائيًا، فمن حيث الداخل فتطارده قضايا فساد تتعلق برشاوى واحتيال على الرغم من محاولاته لتسييس القضاء إلا أن المحكمة العليا ما زالت تعمل بشكل مستقل وهناك استطلاع للرأى أجراه معهد "بيو" أظهر أن 53% من الإسرائيليين يطالبون بمحاسبته، أما دوليًا، فالجنائية الدولية قد تفتح تحقيقات جديدة يتعلق بجرائم حرب خاصة مع توثيق الأمم المتحدة لمقتل أكثر من 5,000 مدنى فلسطينى خلال العمليات العسكرية الأخيرة، لكن فى ذات الوقت فإن كل التقديرات ترى أن قرار نتنياهو بالموافقة على وقف إطلاق النار قد يرتبط بمحاولة تخفيف الضغوط الدولية والمحلية عليه مع محاولته إسقاط التهم داخليًا، وإن كان ذلك يعتمد على قدرته فى السيطرة على الجهاز القضائي، وهو أمر يواجه معارضة قوية، كما ألاحظ دوليًا أن التحركات نحو محاسبته أمام المحكمة الجنائية الدولية تتطلب إجماعًا دوليًا، وهو ما قد يعطله دعم الولايات المتحدة لإسرائيل كما تشير تقارير منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى أن محاولات المحاسبة الدولية غالبًا ما تواجه عوائق سياسية تعرقل التنفيذ.
وتابع: جاءت بنود القرار هذه المرة مع بعض التعديلات مقارنة بالاتفاقات السابقة، من فتح المعابر وضمان تدفق المساعدات الإنسانية عبر معبرى رفح وكرم أبو سالم تحت إشراف الأمم المتحدة، تبادل الأسرى، فشملت الصفقة إطلاق سراح دفعة جديدة من الأسرى الفلسطينيين مقابل جنود إسرائيليين محتجزين لدى حماس، مع تهدئة طويلة الأمد، فالحديث عن هدنة تستمر 6 أشهر مع ترتيبات لمراقبة التنفيذ وهو ما لم يكن ضمن الاتفاقات السابقة، وهناك ضمانات لذلك دولية فالأمم المتحدة ومصر هما الضامنان الرئيسيان للاتفاق والقاهرة كانت الوسيط المحورى مستفيدة من علاقاتها مع حماس وإسرائيل، مع آليات للمراقبة حيث تم الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن الأمم المتحدة ومصر لمتابعة التنفيذ، كذا تم الاتفاق على ردود فعل سريعة تتضمن بندًا يسمح للطرف المتضرر بالتصعيد المحدود إذا أخلّ الطرف الآخر بالالتزامات، فى القرار ستشرف مصر على تشغيل معبر رفح بالتنسيق مع الفصائل الفلسطينية والأمم المتحدة، أما معبر كرم أبو سالم سيعمل تحت رقابة إسرائيلية مع تسهيلات إنسانية، وستتولى الأمم المتحدة إدارة ملف إعادة الإعمار بالتعاون مع الدول المانحة قطر والسعودية والإمارات التى تعهدت بتقديم دعم مالى كبير، بينما ستكون مصر مسئولة عن التنفيذ اللوجيستى على الأرض، وقد أعلنت قطر عن تقديم مليار دولار، كذلك الإمارات تعهدت بتقديم 500 مليون دولار، وأيضًا فيما خصص الاتحاد الأوروبى 700 مليون يورو، كما أن السعودية تُجرى محادثات لتمويل مشاريع إسكانية كبيرة، أما مصر فتتصدر جهود إعادة الإعمار حيث دخلت شركات بناء مصرية إلى غزة لتقييم الأضرار، كما أرى أن المبادرة المصرية تشمل بناء مستشفيات ومدارس جديدة، وهذا بالإضافة إلى إصلاح شبكات الكهرباء والمياه؛ وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن غزة بحاجة فورية لمساعدات تشمل الغذاء والمياه والأدوية لأكثر من مليونى شخص، حيث تشير البيانات إلى أن 80% من سكان غزة يعتمدون على المساعدات الدولية، وعودة الحياة للقطاع تحتاج لخطة شاملة وفقًا لأحد تقارير معهد السياسات العامة بكاليفورنيا، ووفقًا لتقديرات البنك الدولى فإن تكلفة إعادة بناء البنية التحتية قد تصل إلى 4.5 مليار دولار، وتشمل الأولويات إعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه وإصلاح الطرق والمبانى الحكومية، وهو ما قد يستغرق بين 3-5 سنوات اعتمادًا على سرعة توفير التمويل وتنفيذ المشاريع.
وتساءل أستاذ العلوم السياسية: هل يلتزم الاحتلال بالعودة لحدود ما قبل 7 أكتوبر ؟!، من خلال التجارب السابقة فى 2012، 2014، 2018، 2022، فإن إسرائيل غالبًا ما تماطل فى تنفيذ مثل هذه الالتزامات مستشهدة بالمخاوف الأمنية، وهناك تقارير صادرة عن "مركز أبحاث الأمن القومى الإسرائيلي" توضح أن الانسحاب الكامل قد يكون مرهونًا بضمانات بعدم استخدام الفصائل الفلسطينية للمناطق المحررة فى شن هجمات جديدة، فلو تحدثنا عن حماس وموقعها من المشهد، فيشير تقرير من "معهد الشرق الأوسط" إلى أن حماس تحظى بدعم شعبى كبير فى غزة (تقديرات تصل إلى 47% من السكان)، مما يجعل استبعادها غير ممكن بدون تصعيد داخلى جديد، بالتالى هناك سيناريوهان، الأول إذا نجحت الوساطات الإقليمية قد يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية تشمل حماس والسلطة الفلسطينية، أما الثاني، فلصالح استمرار الانقسام الداخلى الفلسطينى إذا لم يتم التوصل لهذا التوافق، ولو انتقلنا لمصير حل الدولتين فتواجهه تحديات مع استمرار التوسع الاستيطانى الإسرائيلى فى الضفة الغربية، حيث تجاوز عدد المستوطنين 700,000 وفقًا لإحصائيات 2024، ما يبدو معه أن تطبيق حل الدولتين يبتعد عن الواقع، رغم أن المبادرات الدولية من الاتحاد الأوروبى والأمم المتحدة تدعم إعادة إحياء مفاوضاتها، ولكن غياب الإرادة السياسية لدى الطرفين يظل العقبة الرئيسية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...
شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...
السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...
الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...