تسريبات استخباراتية تكشف مصير قواعـد روسيا فــى سوريا

الجولانى يراهن على تسليم الأسد أو نقل ثروته مقابل الإبقاء على القواعد الروسية قاعدة «الخادم» فى ليبيا أقوى المواقع المرشحة لاستيعاب قاعدتى طرطوس وحميميم

أمام أكثر من سيناريو، تورطت موسكو فى معضلة اختيار موقع مناسب، يمكنه استيعاب قاعدتيها العسكريتين فى طرطوس وحميحيم السوريتين، خاصة إذا فشلت جهود الإبقاء على القوات فى مواقعها بعد سقوط نظام بشار الأسد؛ وبينما رفض السودان إتاحة موطئ قدم روسى على ساحل البحر الأحمر، أفادت تسريبات استخباراتية باعتزام فلاديمير بوتين التباحث مع ليبيا لتأهيل قاعدة «الخادم» الجوية واستيعاب قوات بلاده الرابضة فى قاعدة حميحيم. ورغم عدم اكتمال المباحثات، كشفت التسريبات عن استعدادات تجرى فى ميناء بنغازى الليبى لاستقبال سفن البحرية الروسية. وتعد الخطوة، المعروفة بـ«الخطة B» بديلًا استراتيجيًا حال فشل «الخطة A»، الهادفة إلى الحفاظ على الوجود العسكرى الروسى فى سوريا.

وحسب مراقبين، يضع الخياران تحديات كبيرة أمام روسيا، ويبدو أن أيًا منهما ليس مثاليًا؛ فمن غير المستبعد أن يستغل النظام السورى الجديد الفرصة، ويفرض على موسكو إملاءات غير مسبوقة نظير الموافقة على بقاء القوات الروسية فى مواقعها على ساحل البحر المتوسط، لا سيما بعد انهيار نظام الأسد، وسيطرة سلطة الجولانى بحكم الأمر الواقع على طرطوس وحميحيم. على سبيل المثال، قد يطالب نظام سوريا ما بعد الأسد موسكو بتسليم بشار وعائلته وقادة نظامه البائد، أو على الأقل نقل أصوله الاقتصادية الهائلة وإعادتها إلى سوريا.

فى المقابل، وحال رفض روسيا التجاوب مع مطالب دمشق الجديدة، تتجاوز تقديرات تكلفة نقل القاعدة الروسية من سوريا إلى ليبيا استثمارات هائلة، خاصة أن إنشاء البنية التحتية اللازمة فى القواعد الليبية، على غرار العملية التى جرت فى سوريا، يكلف المليارات، لا سيما إذا تعلق الأمر بإعادة البناء من الصفر.

 المنشأة الوحيدة

والقاعدة البحرية الروسية فى طرطوس هى المنشأة البحرية الروسية الوحيدة فى منطقة البحر المتوسط، وهى فى الواقع المنشأة العسكرية الوحيدة المتبقية خارج الاتحاد السوفييتى السابق. وكان موقع المنشأة البحرية فى طرطوس عاملًا مهمًا فى دعم روسيا لاستقرار إدارة الأسد. ووفقًا لاتفاقية عام 1971 بين سوريا والاتحاد السوفييتي، أقيمت هناك قاعدة يديرها أفراد من البحرية الروسية.

خلال السنوات الأخيرة، كانت سفينة الورشة النموذجية Amor PM-138 موجودة فى القاعدة. الورشة قادرة على توفير الصيانة الفنية للسفن الحربية الروسية الموجودة فى البحر المتوسط. وتتسع المنشأة فى طرطوس لأربع سفن متوسطة يقل طولها عن 100 متر. يوجد رصيف عائم على الجانب الداخلى لحاجز الأمواج الشمالي، وهذا الرصيف لا يمكنه استقبال السفن الرئيسية الحالية للبحرية الروسية.

وكان السودان أعلن رسميًا منتصف ديسمبر 2024 رفض طلب روسيا إنشاء قاعدة بحرية فى ميناء بورتسودان، بعد سنوات من المفاوضات والمقترحات بشأن مساعدات عسكرية واقتصادية متقدمة. ويمثل هذا القرار انتكاسة كبيرة لطموحات موسكو لتوسيع نفوذها فى أفريقيا وإقامة وجود استراتيجى فى البحر الأحمر، خاصة على خلفية تزايد عدم الاستقرار فى الأصول العسكرية الروسية فى سوريا. وكان من المفترض أن تمنح القاعدة البحرية المقترحة روسيا إمكانية الوصول المباشر إلى المحيط الهندى ونقطة استراتيجية للسيطرة على ممرات الشحن الحيوية، مثل قناة السويس. ورغم أن موسكو حاولت إغراء السودان بعروض لتزويده بأنظمة عسكرية متقدمة، بما فى ذلك منظومة S-400 الصاروخية الدفاعية، إلا أن السودان رفض العرض بسبب مخاوف من ردود فعل غربية، حسب تقديرات.

 موسكو والخرطوم

ورغم رفض اقتراح القاعدة الدائمة، إلا أن العلاقات العسكرية والاقتصادية بين موسكو والخرطوم ظلت قائمة. وفى يونيو 2024، اتفق ممثلو السودان وروسيا على التعاون العسكري، بما فى ذلك الوصول إلى محطة للتزود بالوقود للسفن الروسية على ساحل البحر الأحمر مقابل توريد الأسلحة إلى السودان.

ويؤكد قرار السودان تجنب التحالف الكامل مع روسيا سياسة الحذر عند إدارة الضغوط الجيوسياسية، خاصة فى منطقة تضم قوى عالمية مثل الولايات المتحدة والصين. ولا يزال البحر الأحمر محورًا لصراعات النفوذ، ويحاول السودان الحفاظ على استقلاله الاستراتيجى مع الموازنة بين المصالح المتعارضة.

ووفقًا لمراقبين، يعد ما يوصف بفشل بورتسودان عطلًا لخطط روسيا الرامية إلى تعزيز مكانتها العالمية، لكن من المتوقع أن تبحث موسكو عن المزيد من فرص التعاون فى أفريقيا والشرق الأوسط. وسوف تجذب تحركات روسيا المقبلة فى المنطقة الاهتمام العالمي، خاصة وسط التوترات الجيوسياسية والصراع من أجل السيطرة على طرق التجارة الرئيسية.

ولا يزال صداع الرأس جاسمًا على الكرملين نتيجة التحولات الحاصلة فى سوريا، خاصة فيما يتعلق بتأمين مواقعها العسكرية فى البلد ذاته، إذ حذر جهاز مخابرات الخارجية الروسية قبل أيام من تأهب أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية لمهاجمة القواعد العسكرية الروسية الموجودة فى سوريا، كما أفادت التقارير أن قادة تنظيم «داعش» حصلوا على طائرات بدون طيار لهذا الغرض، حسب وكالة «سبوتنيك انترناشينوال».

 قادة داعش

ونقلت الوكالة عن بيان الاستخبارات الروسية أن واشنطن ولندن تعملان على التخطيط لـ«هجمات إرهابية على القواعد العسكرية الروسية فى البلاد». ووفقًا لبيان الاستخبارات الروسية غير التقليدي، استلم  قادة تنظيم «داعش» الميدانيون طائرات مسيَّرة لتنفيذ العمليات، كما لوحظ أن الإدارة الأمريكية المنتهية ولايتها والقيادة البريطانية تسعى لمنع استقرار الأوضاع السياسية والأمنية فى سوريا. 

ولا تمل روسيا دعوة إسرائيل إلى تفادى قصف المواقع القريبة من قاعدة «حميميم» قرب مدينة اللاذقية فى سوريا. وتقول موسكو إن إسرائيل تهاجم القاعدة الروسية خاصة مع اندلاع حربها ضد «حزب الله»، وهو ما يعرَّض قواتها هناك للخطر. وفى رد على مزاعم إسرائيلية، نفى ألكسندر لافرنتييف، مبعوث الرئيس الروسى فلاديمير بوتين إلى سوريا، فى مقابلة مع وكالة «سبوتنيك» للأنباء، استخدام قاعدة «حميميم» الجوية كموقع لنقل الأسلحة الإيرانية إلى «حزب الله».

وفيما لا تتنازل تل أبيب عن ضلوع فى المشهد السوري، تراقب عن كثب تطورات التواجد الروسى فى البلد ذاته، ويطرح الكاتب يائير نافوت تساؤلًا فى هذا الخصوص: هل تعرضت روسيا لهزيمة استراتيجية فى سوريا؟ وقال إن السقوط النهائى لنظام الأسد خلال الأيام الأخيرة، فى أعقاب هجوم المتمردين الذى استمر أقل من أسبوعين، يعرض روسيا لاحتمال بأن تضطر إلى التخلى عن قواعدها الاستراتيجية على طول الساحل السوري. وهذه هى القاعدة البحرية فى طرطوس، نقطة الانطلاق الرئيسية للنشاط البحرى للبحرية الروسية فى الحوض الشرقى للبحر المتوسط، والقاعدة الجوية شمالها فى حميميم جنوب مدينة اللاذقية الساحلية المهمة.

 قاعدة وحيدة

ويستند الكاتب الإسرائيلى إلى تقارير سورية، بالإضافة إلى صور للأقمار الاصطناعية تؤكد تركيز الروس خلال الأسابيع الماضية على الإخلاء السريع لقاعدتيهم على الشريط الساحلى السوري، ربما بعد الإنذار الذى قدمته لهم قوات المتمردين السوريين. ويلفت الكاتب إلى الفارق بين القواعد الروسية فى سوريا؛ فهناك قاعدة ميناء طرطوس البحرية التى تخدم البحرية السوفيتية منذ سبعينيات القرن الماضي، وهى القاعدة الوحيدة فى البحر الأبيض المتوسط التى ترسو فيها السفن الحربية والغواصات الروسية بمختلف أنواعها بشكل دائم. وتزايدت أهميتها مع بداية التدخل العسكرى الروسى فى سوريا فى سبتمبر 2015، وكانت بمثابة قاعدة انطلاق مهمة للنشاط البحرى العسكرى الروسى فى الحوض الشرقى للبحر المتوسط، فالوجود الروسى فى القاعدة هو نتاج اتفاق ثنائى بين روسيا ونظام الأسد البائد.

وتدرب الروس على القاعدة الجوية فى حميميم، جنوب اللاذقية، فى صيف عام 2015، وفى سبتمبر من ذلك العام، تمركزت هناك طائرات مقاتلة وقاذفات قنابل ووسائل نقل وجمع استخبارات، مما ساعد النظام السورى على صد المتمردين والقوات المسلحة. واستنادًا إلى صور الأقمار الاصطناعية، أرسل الروس السفن الحربية الراسية فى قاعدة طرطوس إلى البحر، ورست ثلاث منها على الأقل على بعد حوالى 13 كيلومترًا من الساحل. وفى صور الأقمار الاصطناعية، اختفت الطائرات القاذفة والمروحيات التى كانت متوقفة هناك من قبل مرئية. وستكون الخسارة المحتملة لهاتين القاعدتين، اللتين تتمتعان بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لروسيا، بمثابة ضربة كبيرة لموسكو والرئيس فلاديمير بوتين شخصيًا. وخلص الكاتب إلى أنه من الممكن أن تُطالب روسيا حاليًا بالتوصل إلى اتفاق مع نظام الجولاني، لضمان أمن وسلامة قواعدها الاستراتيجية فى سوريا.

 	محمد نعيم

محمد نعيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

القواعد العسكرية الروسية تبحث لها عن موطئ قدم فى المنطقة

المزيد من سياسة

مصر تعيد لم شمل أهالى غزة بعد فتح الجانب الفلسطينى من معبر رفح

تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج

7 محاور أساسية لتحسين أوضاع المواطنين.. ضمن أهداف الحكومة الجديدة

3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...

مصر وتركيا..شراكة استراتيجية لتوحيد جهود حماية الاستقرار ودعم القضيةالفلسطينية

خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى

إنذارات الرئيس «السيسى» للمتلاعبين فى القرن الأفريقى.. والطامعين فى دول الجوار

لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م