مع بداية الولاية الجديدة.. تساؤلات الشعب المصرى إلى الرئيس «السيسي» / مصلحة مصر وليس المجد الشخصى.. هى الشغل الشاغل للرئيس / التعدى على أملاك الدولة.. واحد من أهم الملفات التى اقتحمها الرئيس
مع بداية ولاية جديدة للرئيس عبد الفتاح السيسى لابد أن نتوقف ونرصد بالدرس والتحليل الواقع المصرى على مدار السنوات العشر الماضية والسياسات والإجراءات التى اتخذتها حكومات ما بعد ثورة "30 يونيو" بتوجيهات وتكليفات من القيادة السياسية.
مع بداية ولاية جديدة، علينا أن نتوقف لنرصد ما تحقق من إنجازات ومشروعات على مدار السنوات العشر الماضية ونجيب عن مجموعة من التساؤلات المصيرية: أين كنا؟ وكيف أصبحنا؟ وإلى أين نتجه؟؛ لتكون بمثابة كشف حساب لما تحقق من إنجازات أو إخفاقات خلال فترة حكم الرئيس "السيسي".
قبل عشر سنوات من الآن كانت الدولة على شفا جرف هائل؛ بعد أن خرج الشعب المصرى على حكم جماعة الإخوان الإرهابية، التى كانت تعمل بكل دأب على تغيير هوية الدولة المصرية.. عشر سنوات مضت على نداء الشعب المصرى بنزول الجيش المصرى لحمايته من جبروت وسطوة "الجماعة" رافعًا شعار :" واحد.. اثنين.. الجيش المصرى فين؟".
السياسات الاقتصادية وزيادة أعباء المواطنين
لقد تحمّل المصريون الكثير مقابل الحفاظ على دولتهم من التمزق والانهيار، كما دفعوا ثمنًا غاليًا من أبنائهم وأرزاقهم فى سبيل تحقيق الأمن والاستقرار وإعادة بناء دولتهم من جديد. ومن حق هذا الشعب العظيم علينا جميعًا أن نجيبه عن كل التساؤلات التى تدور فى خاطره بشأن مستقبل بلده وأولاده.
وبعيدًا عن التهويل أو التهوين نؤكد أن الفترة الماضية شهدت قرارات قاسية لإعادة البلاد إلى مسارها الطبيعي، كان نتيجتها أن تحمّل الشعب بكل طوائفه وفئاته الكثير والكثير. وفى المقابل تحققت إنجازات لا ينكرها إلا جاحد. البعض يرى ـ حتى الآن ـ أن السياسة الاقتصادية التى اتبعتها حكومات ما بعد ثورة 30 يونيو، زادت كثيرًا من معاناة المهمشين والبسطاء، وأنها فشلت فى تحقيق العدالة الاجتماعية، إلا أن السؤال الذى يطرح نفسه:"هل كان من الأفضل أن يحافظ السيسى على شعبيته التى حظى بها فى أعقاب ثورة "30 يونيو"، ويترك الاقتصاد المصرى فى الحالة المتردية التى كان عليها، أم أنه من الأفضل اقتحام الملفات التى تغاضى عنها سابقوه فى سبيل الحفاظ على مقاعدهم فى الحكم؟!.
لقد سلك "السيسي" الطريق الأصعب، وقرر منذ اليوم الأول فى الحكم التعامل بمشرط الجراح مع الكثير من الملفات الاقتصادية المستعصية.. ولم يعبأ بحجم الانتقادات الموجهة إليه وآثر السير قدمًا فى تنفيذ خطة الإصلاح. ومن المعروف أن الإصلاح له ضريبة لابد من سدادها، ورغم أن الرجل أكد مرارًا أن التركة ثقيلة، وطالب الجميع بالوقوف إلى جوار مصر، إلا أن الكثيرين لم يدركوا ما يقصده.. وظنوا أنه يملك عصا سحرية لحل جميع المشاكل العالقة منذ عدة عقود.
تساؤلات يجب الإجابة عنها
"أين كنا.. وكيف أصبحنا.. وإلى أين نتجه؟".. ثلاثة تساؤلات يجب الإجابة عنها قبل إصدار الحكم بالنجاح أو الفشل على أى نظام سياسى أو اقتصادي. ولمناسبة بدء الولاية الجديدة للرئيس "السيسي" وجدنا لزامًا علينا؛ عقد مقارنة بين الأوضاع التى كانت عليها الدولة المصرية قبل 10 سنوات وبين ما وصلنا إليه الآن.
ـ فى مجال إنتاج الطاقة.. كانت شبكة الكهرباء المصرية تعانى عجزًا خلال العامين الأخيرين من حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك، وزادت الأوضاع تفاقمًا بوصول جماعة "الإخوان" إلى سدة الحكم، وليس بخاف على أحد كم كان يعانى الشعب المصرى من الانقطاع المستمر للتيار خلال فترة حكم الجماعة، ناهيك عن توقف آلاف المصانع عن العمل نتيجة عدم توافر الكهرباء اللازمة للتشغيل.
أما السبب فى ذلك فيرجع إلى خروج بعض محطات توليد الكهرباء من الخدمة بسبب تقادم المعدات، وتوقف البعض الآخر عن العمل بكامل طاقته نتيجة نقص إمدادات الغاز الطبيعى اللازمة للتشغيل، وكانت النتيجة ارتفاع العجز بين إنتاج الكهرباء والاستهلاك إلى ما يزيد عن 4 آلاف ميجاوات، حيث بلغت القدرة الإنتاجية لمحطات الكهرباء آنذاك 24 ألف ميجاوات فى حين تخطى الاستهلاك حاجز الـ28 ألف ميجاوات.
ولمواجهة هذا العجز الضخم فى مجال إنتاج الكهرباء، وضع المجلس الأعلى للطاقة برئاسة "السيسي" خطة زمنية تقوم فى مراحلها الأولى على تقليل الفاقد إلى أقل حد ممكن، وذلك من خلال حث المواطنين على تغيير نمط الاستهلاك، مع تكثيف الحملات على سرقة التيار الكهربائي. وتمثلت الخطوة التالية فى فك الاشتباك بين وزارتى الكهرباء والبترول، وإلزام الأخيرة بتوفير الوقود اللازم لتشغيل المحطات المتوقفة عن العمل.
لقد نجحت هذه الإجراءات فى تخفيف حدة أزمة انقطاع التيار بشكل طفيف، أما الخطوة الأهم فتمثلت فى إحلال وتجديد عدد من المحطات التى خرجت من الخدمة، من خلال توفير المعدات اللازمة.. وقد ساهم ذلك فى توفير نحو 1000 ميجاوات.
آليات مواجهة الأزمة المستعصية
أما الخطوة الأهم فى القضاء على أزمة نقص الكهرباء نهائيًا، وتحقيق فائض لأول مرة منذ 20 عامًا، فتمثلت فى إقامة نحو 10 محطات جديدة دفعة واحدة، بتكلفة تجاوزت 10 مليارات دولار، إلى جانب إقامة العديد من محطات توليد الكهرباء عن طريق الرياح والطاقة الشمسية.
وبغض النظر عن مواجهة أزمة انقطاع الكهرباء فى المنازل، إلا أنه كان من المهم أيضًا توفير الكهرباء اللازمة لتشغيل المصانع المتوقفة منذ أحداث ثورة 25 يناير وحتى اندلاع ثورة "30 يونيو"، وكذا الشركات والمصانع المخطط إنشاؤها على محور قناة السويس وفى المناطق الصناعية على مستوى محافظات الجمهورية.. ويجب التأكيد هنا أن الاستثمار الأجنبى لن يأتى إلى دولة تعانى نقصًا فى الكهرباء والطاقة عمومًا.. ومن هنا كانت الضرورة القصوى بالقضاء نهائيًا على أزمة الكهرباء بالتعاون مع كبريات الشركات العالمية مثل "سيمنز" الألمانية و"جنرال الكتريك" الأمريكية.
قد يتساءل البعض بشأن عودة أزمة انقطاع الكهرباء، خلال الشهور القليلة الماضية، ونقول إن الفارق شاسع بين الأزمة التى كنا نعانيها قبل عقدين وما نحن عليه الآن، ففى الحالة الأولى كانت الأسباب مستعصية على الحلول، خاصة أن معظم محطات توليد الكهرباء كانت خارج الخدمة بسبب تهالك معداتها وعدم القدرة على صيانة البعض الآخر، أما ما عانيناه خلال الشهور الأخيرة فكان السبب فيه يرجع إلى عدم توافر العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد وقود التشغيل من الخارج. وبعد أن نجحت الحكومة فى حل أزمة الدولار وضخ المليارات لدى الجهاز المصرفى فمن المنتظر أن يتم التراجع عن سياسة تخفيف الأحمال التى لجأت إليها الحكومة المصرية على مدار الفترة الماضية.
الطفرة فى شبكات الطرق والنقل والمواصلات
ـ فى مجال الطرق والبنية الأساسية.. ظل المواطن المصرى يعانى حتى وقت قريب ـ من تهالك شبكة الطرق والمواصلات على مستوى الجمهورية، وفى ظل حرصه على تخفيف الأعباء عن المواطنين، والعمل بكل جدية على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، نجحت الدولة المصرية خلال السنوات العشر الماضية فى تنفيذ مشروعات بأطوال (5000) كم طرق، بتكلفة (127) مليار جنيه، كما تم تنفيذ (857) كوبرى ونفقا بإجمالى تكلفة (120) مليار جنيه.
وبهدف رفع مستويات الأمان على شبكة الطرق والحد من الحوادث، أوشكت الدولة المصرية على الانتهاء من المراحل الأولى من منظومة النقل الذكي، الذى يقوم على استخدام أحدث أساليب تكنولوجيا المعلومات فى إدارة منظومة النقل، واستخدام أحدث أجهزة البوابات الإلكترونية والحساسات والموازين والكاميرات والرادارات.
على مستوى تطوير السكك الحديدية، رصدت الحكومة المصرية 224 مليار جنيه لخطة تطوير هذا المرفق، وجرى توجيه هذه المبالغ إلى إنشاء خطوط جديدة، وازدواج للخطوط القديمة بنحو 73 مليار جنيه، بجانب استيراد جرارات وعربات جديدة بـ 48 مليار جنيه، مع تطوير محطات القطارات والمزلقانات على كافة الخطوط بـ 23 مليار جنيه، إلى جانب تحديث نظم الإشارات الكهربائية بـ 46 مليار جنيه.
وجار حاليًا العمل على إحلال وتجديد نحو 10 آلاف كيلومتر من خطوط السكك الحديدية، بجانب إضافة ألف كيلومتر للخطوط التقليدية، لأن مصر لم تشهد منذ فترة طويلة إضافة خطوط بشبكتها القومية. وفى ذات السياق نفذت وزارة النقل 660 كوبرى فوق تقاطعات السكة الحديد، وأغلقت قرابة 1100 مزلقان عشوائى على مستوى الجمهورية، وهذه المزلقانات كانت سببًا فى الكثير من الحوادث على مدار السنوات الماضية، إذ كان الأهالى يستغلونها فى العبور دون الاهتمام بأمنهم وسلامتهم.
هل نجحت الدولة فى حل أزمة الإسكان؟
ـ فى مجال قطاع الإسكان والتطوير العقاري.. يظل السكن المناسب هو الشغل الشاغل لجموع الشعب بكل فئاته وطوائفه، وفى ظل الزيادة السكانية الهائلة التى يشهدها المجتمع المصرى كان الحصول على وحدة سكنية بمثابة حلم بعيد المنال للكثير من الشباب المقبلين على الزواج، إلا أنه وللمرة الأولى فى التاريخ الحديث تتحقق المعجزة وتحدث وفرة فى سوق العقارات بأسعار تناسب جميع الفئات.
وبفضل توجيهات القيادة السياسية، أولت حكومات ما بعد "ثورة 30 يونيو" اهتمامًا كبيرًا لتوفير حياة كريمة تليق بالمصريين، حيث وجّه الرئيس السيسى بتنفيذ أكثر من مليون وحدة سكنية ما بين إسكان (اجتماعى ومتوسط)، كما تم تنفيذ الآلاف من مشروعات الشرب والصرف الصحى لتحسين البنية التحتية بمختلف محافظات الجمهورية. ولهذا الغرض؛ خصصت الدولة 1.5 تريليون جنيه لإنجاز مشروعات تم وجار تنفيذها.
أما بالنسبة لمشروعات مياه الشرب والصرف الصحى فتم تنفيذ 1143 مشروعًا، بتكلفة قدرت بـ128.5 مليار جنيه، وجار تنفيذ 571 مشروعا أخرى بتكلفة 63.4 مليار جنيه، بالإضافة إلى تنفيذ 7400 مشروع إحلال وتجديد للشبكات والمحطات بتكلفة 13.3 مليار جنيه.
كما لم تغفل القيادة السياسية أهمية تنفيذ المدن العمرانية الجديدة، من الجيل الرابع، بالإضافة إلى تطوير وتحسين البنية التحتية لمدن الجيل الأول والثانى والثالث لتحسين جودة الحياة للمواطنين، فتم تنفيذ 21 مدينة بتكلفة 160 مليار جنيه، بالإضافة إلى 22 مدينة تم وجار تنفيذها بتكلفة 690 مليار جنيه، كما تم تنفيذ العاصمة الإدارية الجديدة لكى تكون نقطة انطلاق قوية للجمهورية الجديدة.
كيف يتحقق الأمن الغذائى لملايين المصريين؟
يؤمن الرئيس "السيسي" بقاعدة ذهبية تقول "من لا يملك قوت يومه لا يملك قراره"، ومنذ توليه المسئولية وهو يعمل على تحقيق الأمن الغذائى للمواطن المصرى أيًا كانت التكلفة التى تتحملها موازنة الدولة.
وفى إطار حرصه على سد الفجوة الغذائية بين الإنتاج والاستهلاك، افتتح الرئيس "السيسي" مؤخرًا مشروع "مجمع الإنتاج الحيوانى والألبان" بمدينة السادات فى محافظة المنوفية، والذى يستهدف تحقيق الاستقرار فى أسعار اللحوم ومنتجاتها، حيث يتكون المشروع من مزارع لتربية الماشية بمختلف أنواعها ومجازر آلية حديثة متكاملة، إضافة إلى مصانع لمختلف منتجات الألبان.
أما استراتيجية المشروع فتقوم على توفير اللحوم الحمراء ومنتجاتها بالكميات والجودة والأسعار المناسبة؛ لتكون فى متناول المواطن المصري، وتحقيق القيمة المضافة بالاستفادة المثلى من الإمكانيات المتاحة عن طريق التكامل المتبادل بين مشروعات الإنتاج الحيوانى ومشروعات الإنتاج الزراعى وإنتاج الأعلاف.
"المجمع المتكامل للإنتاج الحيوانى والألبان" بمدينة السادات يقام على مساحة 1000 فدان، بإجمالى 5000 رأس حلاب تنتج 150 طن لبن فى اليوم، إلى جانب3000 رأس تسمين بطاقة 1.5 طن لحم حى بالدورة الواحدة.
ما قصة مشروع "الدلتا الجديدة"؟
فى ذات الإطار، افتتح الرئيس "السيسي" منذ شهور، واحدًا من ضمن آلاف المشروعات الكبرى التى نفذتها سواعد المصريين، ولولاها ما كان للدولة أن تصمد فى مواجهة الأنواء العاتية التى فرضتها علينا الظروف العالمية، ومازلنا نعانى تبعاتها حتى اللحظة.
وبصحبة رئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولى وعدد من الوزراء والمسئولين المعنيين، افتتح الرئيس "السيسي"، مشروع "مستقبل مصر للإنتاج الزراعي"، الواقع على طريق (القاهرة - الضبعة).
ويهدف المشروع إلى تعظيم فرص الإنتاج وتوفير منتجات زراعية بجودة عالية وأسعار مناسبة للمواطنين، وسد الفجوة بين الإنتاج والاستيراد وتحقيق الأمن الغذائى والاكتفاء الذاتى من السلع الاستراتيجية.
وبافتتاح مشروع "مستقبل مصر للإنتاج الزراعي" يرتفع سقف الطموحات نحو إتمام مشروع "الدلتا الجديدة"، والذى سيكون نقلة حضارية ونوعية لمصر ليس فى مجال الزراعة والتصنيع فحسب بل فى كل المجالات، حيث إن إجمالى المساحة المخصصة للمشروع يبلغ مليونا و50 ألف فدان، وهى تمثل 50% من مشروع "الدلتا الجديدة".
ويتكون المشروع من أربع مراحل، الأولى تم تنفيذها بالكامل بطاقة 34 ألف فدان، وسوف يتم تسليم المرحلة الثانية فى أكتوبر القادم، ومن المخطط أن يتم تسليم المرحلة الثالثة فى يوليو 2023، والرابعة فى 2024.
وفى ظل محدودية الموارد المائية، وما تستهلكه الأراضى الصحراوية من كميات كبيرة للمياه، فقد اعتمد المشروع على استخدام أنظمة الزراعة الحديثة، منها أنظمة الرى المحوري، لما تتمتع به من مرونة مع طبيعة الأرض المختلفة، كما يتم استخدام نظام الرى تحت السطحى والرى بالتنقيط.
ما الجدوى الاقتصادية لمشروعات الطرق؟
فى ظل شبكة الطرق الضخمة التى تنفذها الدولة المصرية منذ العام 2015، ومن بينها محور روض الفرج ـ الضبعة، يُعتبر مشروع "مستقبل مصر" إضافة كبيرة للاقتصاد الزراعى المصري، كما يتميز المشروع أيضًا بالإدارة الرقمية وتحليل البيانات، والتى تمكّن القائمين عليه من تقييم أداء الموظفين وتلاشى السلبيات، فضلا عن وجود "قسم التنبؤ" الذى يعطى صورة توضيحية بالأزمات التى قد تواجه البلاد مثل ما حدث جراء الأزمة الروسية - الأوكرانية.
وحتى تتضح أهمية هذه النوعية من المشروعات، علينا أن نتأمل دلالات الأرقام التالية علها تكون كاشفة لطبيعة الأوضاع الراهنة، حيث تستورد مصر واردات زراعية بقيمة 8 مليارات دولار سنويًا، فيما تسعى الدولة جاهدة لتقليل قيمة هذه الفاتورة لأدنى حد ممكن. وقد تعاقدت إدارة مشروع "مستقبل مصر"مع وزارة الزراعة على إنتاج 18 ألف فدان لأغراض الإكثار والتقاوي، وذلك لزراعة 600 ألف فدان قمح هذا العام، بما يضيف نحو مليون طن قمح إلى المخزون الاستراتيجى خلال العام المقبل، والاقتراب من تحقيق الاكتفاء الذاتي..
لماذا يعانى المصريون فى ظل هذه المشروعات؟
الحديث عن حجم المشروعات العملاقة التى نفذتها الدولة المصرية على مدار السنوات العشر الماضية يحتاج إلى مجلدات لاستعراض تفاصيلها وجدواها الاقتصادية، ولكن يتبقى السؤال: "كيف تحقق كل هذا والمواطن ما زال يعانى شظف العيش ويكتوى بلهيب الأسعار؟".
الإجابة ببساطة تكمن فى تكلفة برنامج الإصلاح الذى انتهجته الدولة المصرية للخروج من أزمات ظلت تعانى آثارها على امتداد عقود مضت.. نعم، الأسعار بلغت أقصى مدى لها، ولكن بدون المشروعات الكبرى التى أطلقتها الدولة المصرية خلال السنوات القليلة الماضية، ما كانت توافرت السلع على النحو الذى نراه الآن، وما أصبحت فى متناول الجميع.
نعم.. قيمة العملة الوطنية تراجعت، وانخفضت قوتها الشرائية( التضخم)، ولكنه حال كل دول العالم بلا استثناء، وتكفى الإشارة إلى أن دولة فى حجم الولايات المتحدة الأمريكية تجاوز معدل التضخم بها أكثر من 19 %.
نعم.. تسببت الحرب "الروسية ـ الأوكرانية"، فى تراجع إمدادات السلع الغذائية على مستوى العالم، إلا أن السوق المحلية لم تلحظ نقصًا فى توريد الدقيق إلى المخابز، رغم أن الدولة المصرية تعتبر أكبر مستورد للقمح فى السوق الدولية.
نعم.. ارتفعت أسعار البترول بنسبة جاوزت 100% فى بداية الحرب "الروسية ـ الأوكرانية"، إلا أننا لم نشهد نقصًا فى إمدادات محطات الوقود.
نعم.. تراجعت معدلات الاستثمار عالميًا، وانكمشت حركة المشروعات حول الكرة الأرضية، إلا أن مصر تكاد تكون الدولة الوحيدة التى تنفذ مشروعات عملاقة بحجم "مستقبل مصر" الذى افتتحه الرئيس "السيسي" مؤخرًا.
السيسى.. يبحث عن المصلحة الوطنية فقط
إن بناء الأمم يحتاج جهدًا وعرقًا ودمًا، وقدرة فائقة على التحمل، كما أن بناء الدول يحتاج لوطنيين مخلصين وليس متخاذلين متباكين على مكاسب محدودة.. ما أسهل أن يخرج المسئول على الشعب مبتهجًا مسرورًا بإنجاز مشروع أو ملف فى قطاع ما، ولكن الرئيس "السيسي" ليس من هذه النوعية، فعلى الرغم من الحجم الضخم للمشروعات التى يفتتحها فى كل مرة، والتى لم نستطع كمتابعين حصرها على مدى السنوات العشر الماضية لتشعبها وكثرتها، إلا أن هذا الرجل يتمتع بشهية واسعة للإنجازات المتواصلة، ويسعى دائمًا للمزيد.
هذا الرجل لو كان يبحث عن مجد شخصى أو شعبية جارفة؛ على حساب حلم بناء الدولة المصرية الحديثة؛ لكان تحقق له ما يريد بسهولة، ولكنه يؤثر أن يصارح الشعب بحقيقة الأوضاع التى تمر بها البلاد؛ غير عابئ بما يمكن أن تمثله تلك المصارحة من خصم لرصيده لدى جماهير الشعب.
السيسي، وخلال افتتاحه مجموعة من المشروعات التنموية الكبرى فى الإسكندرية، اقتحم مجموعة من الملفات الشائكة، وكان أهمها على الإطلاق قضية التعدى على أملاك الدولة والبناء على الأراضى الزراعية.. الرئيس انفعل بشدة على غير عادته، ووصل الأمر به إلى حد إعلانه عن الاستعداد للانسحاب من موقعه كرئيس للجمهورية وترك المسئولية لغيره، ما لم يستطع مواجهة الاعتداء على الأراضى الزراعية.
فى هذا الصدد وجّه الرئيس "السيسي" حديثه إلى وزير الدفاع الفريق محمد زكي، قائلاً: الدولة بجميع مؤسساتها يجب أن تتصدى لتلك التعديات.
وأضاف: إما أن تصبح مصر دولة "مظبوطة" أو أسيب مكانى وأمشى ويتولى مسئولية البلد أى شخص آخر.. هذا الموضوع(التعديات) لن أسمح به، ويجب أن تُتخذ فيه إجراءات مشددة.. وإذا لم يعجب الناس هذا فعليها أن تقوم بالاستفتاء على خروجى من المنصب وأنا على استعداد أن أمشي.
وتابع: أنا أتألم وأعذّب وأنا أرى هذه المخالفات.. الدولة تقطّع بأيدى أبنائها وليس الإرهاب فقط"، فيما خاطب المواطن المصري، قائلاً "إذا كنت تريد البناء اترك الدولة تنظم الأمر".
ما أبعاد الفجوة الغذائية التى تعانيها مصر؟
إذا كان الرئيس تحدث بكل هذه الصراحة عن ملف التعدى على الأراضى الزراعية، ويعتبره أخطر فى تداعياته من أزمتى السد الإثيوبى والإرهاب، فمن المؤكد أن الأمر جد خطير، ويرقى إلى حد تهديد الأمن القومى المصرى بمفهومه الشامل. ولكن لماذا؟
الأرقام تشير إلى أن عدد السكان فى مصر يزيد بسرعة تفوق معدلات النمو التى يحققها الاقتصاد المصري، وهذا يعنى أن التهاون فى شأن الاعتداء على الأراضى الزراعية سوف يفاقم الفجوة الغذائية فى مصر أكثر مما هى عليه، ولن يكون هناك مفر من زيادة الاعتماد على الاستيراد من الخارج لتوفير القوت اليومى لأكثر من 110 ملايين مواطن فى الوقت الراهن.
وفى ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية التى يموج بها العالم من حولنا سوف نصبح أسرى للدول المصدرة للغذاء، وهذا ما لمسناه خلال الشهور القليلة الماضية. وعملاً بقاعدة "من لا يملك قوته لا يملك قراره" يجب أن تتضافر جميع الجهود لمواجهة الاعتداء على الأراضى الزراعية.
وحتى يكون الأمر أكثر وضوحًا، يجب أن نتوقف ونتأمل الأرقام التالية:
تعانى مصر من فجوة إنتاجية فى مجموعة من أهم السلع الغذائية أبرزها على اﻹطلاق القمح والزيوت، وسجلت الفجوة الغذائية فى إنتاج الزيوت 87.5%.
وجاء محصول القمح فى المرتبة الثانية بين المحاصيل الأقل إنتاجًا بالمقارنة مع حجم الاستهلاك، ليبلغ 9.6 مليون طن، وتصل الاحتياجات السنوية 19.5 مليون طن بعجز 51%.
وبلغت نسبة الفجوة فى اللحوم 49% بإنتاجية 357 ألف طن مقابل احتياجات المستهلكين السنوية البالغة 697 ألفً طن، تلتها الذرة بفجوة 44%، حيث تنتج مصر 8.06 مليون طن، وتستهلك 14.3 مليون طن.
وتصل الفجوة فى إنتاج السكر الأبيض والمكرر نحو 23.1% بواقع 2.27 مليون طن؛ فى حين يصل الاستهلاك 2.95 مليون، تلتها الأسماك بنسبة 11% بإنتاجية 1.519 مليون طن مقابل استهلاك 1.707 مليون.
وجاءت فجوة إنتاج الدواجن فى المرتبة السابعة بنسبة 8%، حيث بلغ إجمالى الإنتاج 1.29 مليون طن يوميًا فى حين وصلت الاحتياجات إلى 1.39 مليون طن.
نعم الدولة قامت خلال السنوات الماضية باستصلاح واستزراع نحو 2.5مليون فدان، ولكن المفاجأة هنا تكمن فى أن حجم التعديات على الأراضى الزراعية منذ 2011 حتى الآن يتجاوز هذا الرقم بكثير. أى أننا لم نستطع تعويض ما كنا عليه قبل ثورة 25 يناير.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
د. جمال زحالقة: إسرائيل تخطط لترحيل أهالى الضفة الغربية إلى الأردن.. والموقف المصرى أفشل تهجير سكان غزة ديمترى دليانى: إسرائيل...
أبعاد الصراع بين إثيوبيا والصومال بالبحــر الأحمر فى هذا التوقيت
الأقمار الصناعية رصدت الكارثة
محاكمة المتورطين فى أزمة الدواجن جنائياً.. خطوة على الطريق