ارتجت الأرض من هول الانفجار وانهارت الأساطير بانهيار المواقع الحصينة لخط بارليف المنيع.. ولم تمض
سوى ثلاث ليال حتى قال موشى ديان: "إن هذه أصعب حرب واجهتها اسرائيل.. لقد زحفت علينا دون سابق إنذار".
هدأت فوهات المدافع لكن تصريحات وزير الدفاع الاسرائيلى لم تهدأ، ففى الخامس عشر من نوفمبر 73 وأمام حشد من جنوده وقف "ديان" ليعلن: لم يكن لدى أى شخص فى اسرائيل أية فكرة عن أن الحرب ستندلع يوم 6 أكتوبر، لذلك لم نجر تعبئة القوات الاحتياطية فى إسرائيل قبل ذلك التاريخ" !!
وفى تلك التصريحات وغيرها ما يؤكد عبقرية الإعداد والتجهيز لحرب العاشر من رمضان يوم اندلع البركان وتحققت المفاجأة بموجب أقوى خطة متكاملة للخداع الاستراتيجى.. مع الاحتفاظ بالسرية الكاملة للعملية الهجومية وإخفاء التوقيت المحدد لبدء الحرب.
بعد انتهاء الحرب قال وزير الخارجية الأمريكية هنرى كيسنجر: "لقد رأينا الحشود المصرية لكنا عجزنا عن فهم نواياها الخفية".. هكذا نجح العرب فى تحقيق المبادأة والمفاجأة فى واحدة من أمجد المعارك القومية.. وبين أيدينا الآن صفحات مضيئة من سجلات الشرف ضمن أوراق كشف عنها مؤخراً الموقع الرسمى لوزارة الدفاع ، تزامناً مع احتفال مصر بمرور نصف قرن على حرب أكتوبر.
إحدى تلك الوثائق رصدت بالتحليل ما آلت إليه تحقيقات لجنة أجرانات بشأن تقصير القيادة الاسرائيلية إبان حرب أكتوبر 73، فقد جاء بجريدة هيرالد تربيون يوم 21 مايو سنة 1974 تحت عنوان "الولايات المتحدة تنتقد أخطاء الحرب الاسرائيلية":
1- إن الخطط القتالية المصرية جاءت مختلفة تماماً عن تلك التى تتحدث عنها العقيدة القتالية الاسرائيلية، فلقد وقع اختيار المشير أحمد اسماعيل على استراتيجية "مفرمة اللحم" التى تقوم على أساس الاستخدام المكثف للدبابات والمدفعية والصواريخ التى يمكن أن تهلك القسم الأعظم من الوحدات الاسرائيلية لدى دخولها المعركة – ولفد رفض احمد اسماعيل القيام بهجوم جوى بعيد المدى.
2- اتخذت الحكومة الاسرائيلية قراراً يوم 18/11 ينص على تشكيل لجنة سميت باسم رئيسها (أجرانات) للتحقيق فيما يلي:
أ- المعلومات التى توافرت خلال الأيام التى سبقت الحرب عن شواهد ونوايا العدو بشن الحرب وتقديرات وقرارات الجهات العسكرية والمدنية المعتمدة حيال هذه المعلومات.
ب- مدى استعداد الجيش الاسرائيلى للحرب بصورة عامة والإجراءات التى تمت خلال الأيام التى سبقت الحرب والأعمال التى قام بها حتى صد الهجوم.
3- فوجئ الجيش الاسرائيلى ببدء مصر وسوريا الحرب يوم الغفران 6/10/73 سعت 1400 لأن القيادة العليا السياسية العسكرية لم تقدر حتى ساعات الصباح الباكر من ذلك اليوم أن حرباً شاملة ستبدأ. وفى صباح ذلك اليوم عندما أصبح واضحا للقيادة العليا أن الحرب ستندلع افترضت خطأ أنها ستندلع سعت 1800 (أى فى السادسة مساءاً).
4- كان هناك ثلاثة أسباب لفشل الجهات المسئولة عن تقدير نية الهجوم وهى:
أ- التمسك المتزمت بوجهة النظر التى تقضى بأن مصر لن تشن حرباً على إسرائيل إلا بعد أن تضمن لنفسها بالدرجة الأولى القدرة الجوية لمهاجمة عمق إسرائيل وخاصة قواعدها الجوية الرئيسية لشل سلاح الجو الاسرائيلي.
ب- إن سوريا لن تشن هجوما شاملا إلا فى وقت واحد مع مصر.
ج- الاعتماد المطلق على وعد رئيس المخابرات الاسرائيلى بإعطاء إنذار مسبق حول نية العدو بدء الحرب الشاملة قبلها بـ 48 ساعة، ذلك الإنذار الذى يمكن من تعبئة منتظمة للاحتياط.
5- استطاع العدو تضليل الجيش الاسرائيلى ومفاجأته تحت قناع المناورة المزعومة فى مصر، وفى صباح يوم الجمعة 5 أكتوبر 1973 بدأت ثقة الاستخبارات العسكرية بصحة تقويمها تتقوض، وذلك نتيجة لتلقى تقارير واضحة جدا لا يمكن أن تتوافق مع افتراضات الحشد الدفاعى والمناورة. ولكن حتى ذلك الحين أيضا لم يتم استخلاص الاستنتاج السليم بل بقى مجمل تقويم الاستخبارات قائماً: احتمال ضئيل، وحتى أقل من ضئيل لقيام العدو بشن الحرب. وفى الصباح الباكر فقط من يوم السبت يوم الغفران استنتج رئيس شعبة الاستخبارات بعد تلقى تقرير إضافى قاطع أن الحرب ستندلع فى اليوم ذاته.
6- لم تكن أخطاء الاستخبارات العسكرية الأخطاء الوحيدة التى اربكت الجيش الاسرائيلى فى بداية الحرب، بل أضيفت لها أخطاء تتعلق بتطبيق استنفار الجيش خلال الأيام التى سبقت الحرب.
أ- حدث تأخير لا مبرر له فى تعبئة الاحتياط وعدم توصية رئيس الأركان بتعبئة جزئية للاحتياط منذ بداية الأسبوع الذى سبق الحرب للمحافظة على التوازن بين قوات العدو وقواتنا.
ب- عدم إعداد خطة دفاعية جاهزة كما يجب بكل تفاصيلها وفى حالة اضطرار القوة النظامية إلى أن تصد وحدها الهجوم الشامل (استناداً إلى الاعتماد المطلق على رصد الاستخبارات العسكرية على أنها قادرة على أن تعطى الجيش تحذيراً كافياً لتعبئة الاحتياط بصورة منتظمة).
ج- عدم قيام القوات المدرعة على جبهة القناة بالانتشار الأمثل رغم وجود الإنذار منذ صباح يوم السبت 6/10 وعدم اصدار توجيهات واضحة من قائد الجبهة.. وساد الغموض إصدار الأوامر القتالية وتأكيد تنفيذها.
7- صباح يوم الجمعة 5/10 بعد الحصول على مزيد من الأخبار المقلقة وبعد اجتماع عُقد بين وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان جرت مشاورات أخرى عند رئيسة الحكومة بحضور وزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، وأعلن رئيس هيئة الأركان أن الجيش بأسره سيوضع فى يوم الغفران فى أعلى مستوى من التأهب بما فى ذلك إلغاء الأجازات خصوصاً فى سلاحى الجو والمدرعات، وسيتم تعزيز القوات المدرعة على الجبهتين وبعد انتهاء تلك المشاورات قررت رئيسة الحكومة أن تعقد مساء اليوم ذاته الذى يسبق يوم الغفران جلسة للوزراء الموجودين فى تل أبيب، إلا أن هذه الجلسة عقدت عند الظهر وحضرها الوزراء بارليف، ديان، هيلل، بيرس، غليلي، وكذلك رئيس هيئة الأركان ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية. وكان تقدير رئيس الاستخبارات لا يزال قائماً: إننا لا نواجه حرباً شاملة.. وأيد رئيس الأركان هذا التقرير ولكنه أعرب عن رأيه فى أنه لا يوجد دليل على أن العدو لا يزمع الهجوم وأبلغ المجتمعين فى هذه الجلسة مرة أخرى أنه أعلن حالة التأهب القصوى فى القوات النظامية، ولكن تحتفظ بتعبئة الاحتياط والتدابير الأخرى لمزيد من المؤشرات.
8- أدركت لجنة أجرانات من الأدلة التى أمامها أن هناك قصوراً ونقصاً وسوء تصرف واضحا فى توزيع الصلاحيات والواجبات فى شئون الأمن بين الهيئات التى تتولى هذه الشئون (أى الحكومة) ورئيسة الحكومة ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان الذى يرأس الجيش – كما أن هناك نقصاً فى تحديد العلاقات المتبادلة بين القيادة السياسية والقيادة العليا للجيش باعتبار ذلك أمراً حيوياً عندما تكون المبادرة فى يد العدو – مع وجود ارتباك فى إجراءات الحكومة وقراراتها بشأن قضايا الأمن بسبب كثرة أعضاء اللجنة الوزارية لشئون الأمن – بحيث أصبحت الحكومة بأسرها لجنة وزارية لشئون الأمن – كما أن تسرب معلومات سرية خاصة بالأمن من خلال جلسات الحكومة أدى إلى عدم طرح كل المعلومات المتحصل عليها حول الموضوعات المطروحة للمناقشة الأمر الذى أدى إلى وجود بعض الجوانب السلبية.
9- كان المقدم يونابندمان رئيس فرع مصر بقسم الأبحاث التابع لشعبة الاستخبارات مسئولاً عن أعمال الفرع الذى كان بؤرة الأخطاء المضللة وعدم التحذير من نوايا العدو المصري، ونجد دليلاً بارزاً على ذلك فى مجموعة المعلومات التى صدرت بمشاركة فرعه يوم 5/10 سعت 1315 وقد تضمنت هذه المجموعة قائمة طويلة من الدلائل التى تشير إلى استعدادات المصريين الهجومية. ولكن يظهر فى نهاية الفصل عن مصر فى الفقرة التى صاغها المقدم "بندمان" ما نصه: "على الرغم من أن اتخاذ مواقع التأهب على جبهة القناة ينطوى فى حد ذاته كما يبدو على دلائل تشير إلى مبادرة هجومية فإنه بحسب تقديرنا لم يحدث أى تغيير فى تقدير المصريين لميزان القوى بينهم وبين قوات الجيش الاسرائيلي. وبناء عليه فإن احتمال عزم المصريين على تجديد القتال ضئيل".
10- لم تجد لجنة أجرانات للجيش الاسرائيلى خطة مفصلة معدة فى حالة هجوم شامل مفاجئ للعدو على أساس تقدير واقعى لقواته وتأهبه ونواياه فى مواجهة قوات الجيش الاسرائيلى وخططه. لقد وثق رئيس هيئة الأركان بصورة مبالغ فيها بأنه سيحصل دائما على إنذار لتعبئة الاحتياط خلال وقت كاف حتى لو كان اقصر من المخطط له وأضف إلى هذه الافتراضات ثقة مبالغ فيها بقدرة الجيش الاسرائيلى على أن يصد فى كل الظروف هجوماً شاملا على الجبهتين بواسطة القوات النظامية فقط وبقدرة الجيش الاسرائيلى وهو بكامل تعبئته على التأهب للدفاع والانتقال بسرعة كبيرة إلى الهجوم المضاد الواسع النطاق كشرط لدفاع فعال عن الدولة. بهذه الروح انصرف رئيس هيئة الأركان خلال الساعات التى سبقت اندلاع الحرب إلى تخطيط هجوم مضاد بدلا من أن يركز أولا وقبل كل شيء على كسر حدة مفاجأة الهجوم المتوقع وتوقيف العدو بواسطة ملاءمة الخطط للوضع الذى تولد وتوجيه أركان القيادة بناء على ذلك وكان عليه أن يستوضح معهم تفاصيل انتشار القوات بأفضل وجه وبأسرع وقت.
وكانت النتيجة أنه عندما اندلعت الحرب دهمت القوات المدرعة فى الجنوب وهى غير منتشرة كما يجب لا بموجب خطة دفاعية ولا بموجب أى خطة ارتجالية واضحة وهكذا حصل العدو على ميزة المبادأة.
11- وصلت إلى قيادة المنطقة الجنوبية (بقيادة اللواء شاموئيل غونين) معلومات على الأغلب من أعمال الاستكشاف وراء القناة التى قام بها جنود التحصينات، و الصور الجوية التى تشمل صوراً عن استنفار العدو وتأهبه كانت كافية لإثارة القلق الشديد فى نفس القائد بالنسبة لنوايا العدو، ويوم بدا الحرب ترك القوات المدرعة التى كانت تحت إمرته والتى كان يجب بحسب خطة القيادة الدفاعية أن ينتشر ثلثاها فى المقدمة بالقرب من القناة والثلث الباقى فى المؤخرة قبل ساعتين من ساعتىّ الهجوم المفترضة أى الساعة 1600 إلا أن الوثائق القتالية لذلك اليوم لا تتضمن هذا الأمر، وعند بدء القتال كان جزء منها موجودا على مسافة بعيدة من خط انتشارها عندما بدأت مدرعاتنا تتقدم اصطدمت بكمين من مشاة العدو كان أفراده قد تمكنوا من اتخاذ مواقعهم بين دباباتنا وخط المياه واحتلوا المنحدرات فى الجانب الشرقى من القناة وقد انصبت النيران المضادة للدبابات والمدفعية على مدرعاتنا فتعطل استخدامها وضُرِبت بشدة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...
شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...
السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...
الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...