التاريخ يعلن عن نفسه فى تلك البقعة المضيئة من أرض مصر، والماضى يتجلى عبر صفحاته الخالدة ليروى قصص البطولة والفداء فى قلعة النسور.. اللقب الذى يطلق على متحف القوات الجوية.
هنالك يتم استدعاء عصور مضت، وحقب تاريخية خلت، وبطولات جوية أبت إلا أن تبقى كى تذكرنا بما قدمه حماة السماء من تضحيات بطولية على مدى الحروب المصرية المعاصرة متوجة إياها بالنصر المبين فى حرب أكتوبر 73.
تأخذك جدران المتحف لاستعراض تشكيلى عام يتناول مراحل تطور الطيران من مجرد فكرة رمز إليها المصرى القديم بنموذج يحاكى ما يشبه الآن شكل الطائرة.. إلى محاولة عباس ابن فرناس للطيران، ومن بعدها بقرون نجاح الفرنسيين فى الطيران بالبالون، وصولا لتجربة الأخوين رايت ضمن أول تجربة طيران حقيقى فى العالم.
يقودنا البهو لممر رئيسى يفضى إلى القاعة الكبرى، وبداخلها تصطف مراحل الطيران فى العصر الحديث عبر واجهات العرض المتحفى بدءاً بمرحلة الحرب العالمية الأولى وظهور مكثف للطيران الحربى فى مسرح العمليات.. تحكى وثائق ما بعد الحرب العالمية الأولى قصة ميلاد سلاح الجو الملكى المصرى عام 1932 إلى جانب باقة نادرة من الصور لنسور مصر الأوائل أمام طائراتهم الحربية والمحطات التى توقفوا فيها بطائراتهم خلال رحلاتهم من لندن إلى مطار ألماظة.. وفى الجوار نموذج يحاكى الطائرة «تايجر موث» الانجليزية الصنع والطائرات الحربية المستخدمة فى سلاح الجو المصرى إبان ذلك الزمان.
العام 1948 تندلع الحرب العالمية الثانية ويصبح سلاح الجو المصرى على موعد مع أول تحدياته بتطور سير القتال فى حرب فلسطين، حيث يسطر العديد من الملاحم القتالية ويحقق السيادة الجوية ويصبح طريق القوات البرية مفتوحا إلى القدس لولا عقد الهدنة.
ويعود الطيارون المصريون محملين بعبء النهوض بمصر الجديدة، فتندلع ثورة يوليو 1952، ويتغير اسم سلاح الجو الملكى بحلول أغسطس 52 ليصبح اسمه السلاح الجوى ، ويتغير اسمه مجددا بحلول مايو 53 ليصبح «القوات الجوية».
العام 1956.. مصر دولة فتية تدعم حركات التحرر حول العالم، وتعلن رغبتها فى بناء السد العالي، فيندلع العدوان الثلاثى وتدخل القوات الجوية فى معارك غير متكافئة مع قوى العدوان، وتسطر مزيدا من الروائع رغم فارق الامكانيات، وتنهى الحرب بنصر سياسى وميلاد جديد للقوات المسلحة المصرية وفى القلب منها القوات الجوية، وتواصل مصر تحقيق أهدافها التنموية، وتسعى لمساندة قوى التغيير حول العالم، وتساند الثورة اليمنية، وتخوض القوات الجوية جولات أخرى فى حرب اليمن بين ديسمبر 1963 وحتى نهاية الحرب.
يعلن الزعيم عبد الناصر أن من لا يملك سلاحه لا يملك حريته، ويتخذ خطوات لتحقيق حلمه الرامى لتحقيق السيادة الجوية بتصنيع المقاتلة المصرية الاعتراضية «القاهرة 300» والتى يعود تاريخ تصنيعها لعام 1965 لتبقى شاهدة على ماخلفه الحلم بصناعة طائرة تعبر عن إرادة مصر.
يونيو 1967.. الشعب يرفض الهزيمة، ويبدأ مرحلة إعادة البناء، فتندلع حرب الاستنزاف وتسطر القوات الجوية ملاحمها البطولية لتضرب أروع الأمثلة فى التضحية والفداء وتبدأ مرحلة الإعداد والتجهيز لحرب شاملة تحمل فيها قواتنا الجوية أول مفاتيح النصر.
فى متحف القوات الجوية يبعث التاريخ البعيد من جديد وكأن الزمن قد توقف عند ظهر السادس من أكتوبر 73 حين أقلعت 220 طائرة مصرية لتعبر قناة السويس على طول خط المواجهة لتصب جحيمها النيرانى على قواعد ومطارات ومحطات انذار ومرابض مدفعية العدو ومواقع صواريخه ومراكز قيادته وسيطرته لتصيب قلب العدو فى مقتل.. تلك كانت الضربة المركزة التى شكلت المشهد الافتتاحى لعشرات الملاحم الجوية التالية على مدار أيام الحرب ومن بينها : معركة المنصورة الجوية.. أطول اشتباك جوى استمر لنحو 53 دقيقة وأكد فيه حماة السماء المصرية كفاءتهم القتالية بإسقاط العديد من طائرات العدو من طراز «فانتوم» و»اسكاى هوك» .. ليصبح يوم 14 أكتوبر الذى دارت خلاله تلك الملحمة عيدا تحتفل فيه مصر بقواتها الجوية.
معركة فارقة يزدان المتحف بآثارها الباقية ومن بينها: عدد من المتعلقات الشخصية للطيار المصرى شلبى الشعراوي.. وغير بعيد منها توجد إحدى الطائرات الاعتراضية الروسية الصنع من طراز ميج 21 والتى خاض بها نسور الجو المصرى ملاحمهم القتالية بكفاءة مذهلة فأسقطوا من خلالها أحدث طائرات «الفانتوم» الاسرائيلية.. وفى الجوار حطام طائرة معادية تحولت إلى أشلاء مع المتعلقات الشخصية لطيار اسرائيلى احترق واحترقت معه إلى الأبد أسطورة الجيش الذى لا يقهر.
يشكل متحف القوات الجوية بانوراما حية لتطور الطائرات الحربية المصرية، ففى ساحة المتحف الخارجية وتحت جناحين فضيين كبيرين تتراص نماذج لطائرات التدريب من بينها: «تايجر موث».. «فالتي».. «زيلين».. الجمهورية.. القاهرة.. «ياك» 18 وغيرها.. هذا إلى جانب المقاتلات بأنواعها من طرز طائرات الميج و»الميراج» و»السوخوي».. إضافة إلى القاذفات مثل الطائرة «تى يو 16».. وكذا طائرات النقل مثل «اليوشن» والهيلكوبتر بأنواعه.
هنا لكل خطوة معنى ولكل آلة دلالة يروى المتحف من خلالها ما شهدته القوات الجوية من نقلات نوعية فى مجال تكنولوجيا الطيران، حيث تزدان واجهات العرض المتحفى بعشرات من الكاميرات وأجهزة الرؤية والملاحة، فضلا عن عرض لتطور المدافع والرشاشات والصواريخ والطلقات من مختلف الأعيرة.
كما يحوى المتحف مناطق عرض خاصة بمحركات الطائرات والمواصفات الفنية لكل محرك ومحاكى لكابينة الطائرة «إف 4» و»إف 16»، مع نماذج لمستودعات القنابل ومحطات إيجاد الاتجاه.
يتعانق الزمان والمكان بينما الجدران تزدان ببانوراما تحكى تاريخ القوات الجوية منذ ثلاثينات القرن الماضى عبر نماذج لكافة الطائرات التى خاض بها نسور الجو حروب مصر المعاصرة وصولا لأحداث ثورة الثلاثين من يونيو 2013 وما تلاها من تطور فى مكانة مصر العسكرية.
هنا تقاس الأحداث بقيمتها التاريخية ويقاس التاريخ بما يحويه من وثائق تروى ما شهدته القوات الجوية من محطات فارقة.. ومن قبيل ذلك نوافذ عرض مخصصة لأهم المقالات ومانشيتات الصحف التى غطت حربى الاستنزاف وأكتوبر.
يضاف إلى كل ذلك نوافذ عرض مخططة لتطور ملابس القادة والضباط والصف والجنود إلى جانب قاعة خاصة بأوسمة ونياشين وأنواط القوات الجوية على مدى السنين.
ولا تكتمل الرحلة لمتحف القوات الجوية دون المرور على غرفة الطائرة والتى يتسنى معها تمتع الزوار بالمتعة البصرية عبر القيام بجولة سياحية افتراضية داخل غرفة الطائرة.. وغير بعيد عنها توجد قاعة الزوار تعلوها صور قادة القوات الجوية وتحتوى على شاشة لعرض الأفلام الوثائقية.. وفى الجوار قاعة مستقلة تضم صورا لكافة شهداء القوات الجوية بدءاً من حرب فلسطين مرورا بكافة الملاحم القتالية حتى ملحمة الحرب على الإرهاب.
مشاهد من زمن الفداء لنسور السماء.. وبطولات تأبى إلا أن تبقى كى تذكرنا بمعنى الوفاء داخل متحف استحق أن يلقب بـ قلعة النسور
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
نظام المزايدة الإلكترونية يكسر حلقات الاحتكار ويوفر أسعارًا عادلة لجميع السلع
متابعة على مدار الساعة لمنافذ بيع السلع.. ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار «حوكمة» المنظومة التعليمية .. وعقوبات رادعة ضد المتلاعبين بالامتحانات
كشفت أكاذيب العدو عن قدرات المصريين ..
عبقرية التخطيط وروعة التنفيذ.. وثيقة خاصة بتوقيع 3 من أبطال نصر أكتوبر عن أهم جولات الصراع العربى الإسرائيلى نتائج الدراسات...