انطوى اجتماع القمة العربية الـ32 بمدينة جدة السعودية على مؤشرات إيجابية، عكست إلى حد كبير شراكة العالم العربى
فى النظام العالمى الجديد، وإعادة رص الصفوف إزاء إشكاليات إقليمية ودولية، آن الأوان لاستئناف التعاون الجاد حولها، ووضع حلول جوهرية تنهى سنوات الارتباك والفوضى التى حاولت معسكرات غربية ترسيخها فى المنطقة. ربما كانت رسالة روسيا لحضور القمة دليلًا دامغًا على أهمية الصوت والموقف العربى فى ظل المتغيرات العالمية الجديدة؛ وتعزز الاعتقاد بشكل أكبر بعد ظهور الرئيس الأوكرانى فلوديمير زلينسكى المفاجئ فى القمة؛ فالطرفان اللذان يمثلان فى واقع الأمر شرق العالم وغربه، أصرا على طرح أوراقهما أمام العالم العربي، لاسيما فى ظل إدراكهما لانتهاء تحكم القطب الواحد فى مصير الأمم، وإيمانًا بدور منطقة الشرق الأوسط فى إعادة صياغة النظام العالمى الجديد.
كانت الدول العربية على قدر المسئولية حين حرصت على لم الشمل، وأعادت سوريا إلى حاضنة الجامعة العربية، وانتفضت الدول الغربية وهى ترى على شاشات التلفاز مشهدًا يتعارض ومخططات التقسيم، ومؤامرات ما يُعرف بـ«الربيع العربي»، حين تبادل الرئيس عبد الفتاح السيسى ونظيره السورى بشار الأسد أطراف الحديث على هامش القمة، وتأكيد الأخير على متانة العلاقات بين القاهرة ودمشق حتى فى ظل التوترات والحروب الأهلية الأخيرة.
الثابت أن رجاحة الموقف المصرى إزاء الملف السوري، كانت حاضرة بقوة منذ 2011؛ فمع بداية اندلاع الفوضى فى دمشق ومختلف المدن السورية، حرصت القاهرة على سيادة البلد الشقيق ووحدة أراضيه. ورغم أن الموقف المصرى غاير كثيرا من المواقف الإقليمية والدولية، التى عملت على «شخصنة القضية»، لكن القاهرة بمؤسساتها الواعية لأبعاد الأمن القومى العربي، لم تتردد فى الدفاع عن وجهة نظرها، وتخلت عن حسابات برجماتية لا تتجاوز مجال النظر تحت الأقدام.
لذا، لم تجسِّد عودة سوريا إلى حاضنة الجامعة العربية مجرد صورة هنا أو هناك لإعادة اللحمة العربية، وإنما عكست إلى حد كبير واقعًا مغايرًا لظاهرة الاحتراب الإقليمى والدولى على الأرض السورية خلال السنوات الماضية، وترجمت وحدة الجسد العربى أمام تحديات جسام، وعرجت إلى تعزيز التطلع لمستقبل يشرك الشعوب قبل الحكومات فى تقرير مصيرها، وينأى بالتدخلات الخارجية عن حدود الأوطان، ويفوِّت على «أهل الشر» فرصة العبث بمقدرات الشعوب واستغلالها بعد السطو عليها.
سخاء الدعم
ربما كان الموقف المصرى واضحًا وعلنيًا خلال «مؤتمر القمة العالمية للحكومات» الأخير الذى جرت فعالياته فى إمارة دبى الشقيقة. حينها أعلن الرئيس السيسى – وكان فى طليعة حضور المؤتمر – تضافر الجهود وحشدها لدعم الشعب السورى بسخاء، وحتمية العمل على وحدة وسلامة الأراضى السورية ضد الأطماع الخارجية.
ولا يمكن عزل التدخلات الخارجية فى سوريا عن عمليات إسرائيل العسكرية، وقصفها الدورى للمدن السورية بداعى دحر الإرهاب؛ ولا يمكن عزلها أيضًا عن التواجد العسكرى الأمريكى وغيره فى شرق البلاد، ولا تنعزل كذلك عن إعلان ما يوصف بـ«فرض سيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة»، بفعل «فيتو» إدارة أمريكية أو أخرى. لعل كل هذه الملفات وغيرها كفيل بإعادة القراءة والدراسة العربية خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وربما يؤكد ذلك طرح ورقة مصالحة جديدة بين حكومتى دمشق وأنقرة فى مرحلة ما بعد انتخابات الرئاسة التركية الوشيكة.
لولا وعى وإدراك القيادة المصرية لواقع الأمن القومى العربي، وحرصها على لملمة اهتراء مؤامرات «الربيع العربي» لما انفتحت عواصم عربية وعالمية على التوجه العربى الجديد؛ ولما فطن القريب قبل البعيد إلى ضرورة الاتحاد وتضميد جروح الأشقاء داخل البيت العربى الواحد مهما تباينت الرؤى وتعددت وجهات النظر؛ ولعل هذه الروح لم تغب بشكل أو بآخر عن لقاءات الرئيس السيسى على هامش القمة مع قادة وزعماء العالم العربي؛ وربما حضرت هذه الروح بعد ساعات فى القاهرة خلال زيارة سلطان عمان هيثم بن طارق، التى لا يمكن فصلها عن جهود وحدة العالم العربي، وإعادة رص صفوفه إزاء إشكاليات محورية تنعكس على جدول أعمال بلورة النظام العالمى الجديد.
إشكاليات عصيبة
إذا كان ذلك كذلك، فليس ثمة شك فى اضطراب البيت الأبيض، وارتباك الاستراتيجية الإسرائيلية؛ فواشنطن وتل أبيب اللتان تابعتا عن كثب حراكًا عربيًا غير مسبوق، وجرأة ترتكن إلى قوة اليقين بالجسد العربى الواحد. واتضح من خلال آلتيهما الإعلامية مدى السخط على عودة سوريا الأسد إلى الحاضنة العربية؛ وانبرى موقع «دبكا» المحسوب على دوائر استخباراتية بتل أبيب فى الإعلان صراحة: «قمة جدة أنهت 12 عامًا من القطيعة بين العواصم العربية ونظام الأسد». وأبدى الكاتب الإسرائيلى المخضرم جاكى خورى قلقًا من انفتاح الدول العربية خلال مؤتمر القمة الـ32 على إشكاليات عصيبة «دون الحاجة إلى رعاية خارجية»، وأوضح فى مقاله المنشور بصحيفة «هاآرتس»: «بالإضافة إلى الأزمة فى سوريا، ناقشت الدول الأعضاء فى الجامعة العربية البالغ عددها 22 دولة الصراع فى السودان وعلاقاتها الاقتصادية، فضلًا عن التطورات الإقليمية - بما فى ذلك اتفاق المصالحة السعودية - الإيرانية. وفى البيان الموجز للقمة أشاد أعضاء الجامعة بالاتفاقية وتنفيذها فى المجالين الأمنى والاقتصادي».
ورغم خصوصية القضايا العربية المطروحة على جدول أعمال القمة، لكنها واجهت سخطًا غير مسبوق فى إسرائيل، واعترفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» بانشغال تل أبيب بكافة أجهزتها الأمنية بمتابعة عودة سوريا إلى الجامعة العربية. وكشفت الصحيفة العبرية عن تقدير موقف أجرته إسرائيل، وقال فيه وزير الدفاع يوآف جالنت خلال لقاء مع قادة جيش الاحتلال: «عمل مسيء أقدمت عليه الدول العربية حين أعادت بشار الأسد لحاضنة الجامعة العربية». وفيما وصف بتدخل سافر فى سياسات وعلاقات الدول العربية، أضاف جالنت: «تضاف عملية انضمام سوريا للجامعة العربية إلى تطورات أخرى مقلقة بمنظور إسرائيلي، يأتى فى طليعتها استئناف العلاقات السعودية الإيرانية، والتقارب بين تركيا وسوريا».
فقدان الشرعية
وترى تقديرات الموقف فى تل أبيب أن موقف الدول العربية الجديد من النظام السورى ينعكس سلبًا على إسرائيل فى إطار مداه القصير والمتوسط، لاسيما أن «عودة الأسد إلى حاضنة العالم العربى تخرجه من عزلته، وتجعل أى هجوم إسرائيلى عليه أقل شرعية. إسرائيل تفقد شرعيتها لأن العالم العربى بأسره، إذا جاز التعبير، سيقف فى وجهنا». وفى محاولة لإثارة العواصم العربية، جنحت تقديرات الموقف الإسرائيلى إلى حتمية الاستمرار فى اختراق الأجواء السورية وقصف مواقعها الاستراتيجية والعسكرية، إلا أن دوائر أكثر حكمة فى تل أبيب حذرت من مغبة المضى قدمًا فى سياسات الماضى غير البعيد، والحيلولة دون استعداء دول عربية لها علاقات سلام مع إسرائيل. وشجعت الدوائر الإسرائيلية ذاتها على الاكتفاء بتوجيه رسائل واضحة إلى المجتمع الدولى مفادها أن «عودة شرعية سوريا مرة أخرى فى العالم العربى لن تمنع تل أبيب من مهاجمة أى مكان يوجد فيه إرهاب».
رغم ذلك، أدركت إسرائيل من البداية أن الدول العربية لن تتراجع عن مواقفها الداعمة لعودة سوريا إلى الجامعة العربية من خلال الدورة الـ32، والتى عُقدت تحت عنوان «قمة التجديد والتغيير»، لاسيما فى ضوء تجاهل العواصم العربية لموقف الإدارة الأمريكية، التى أكدت قبل أيام من انعقاد القمة معارضتها لتطبيع العلاقات مع دمشق. وقال نائب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية حينئذ: «لا نعتقد أنه ينبغى منح سوريا دخولًا جديدًا إلى جامعة الدول العربية».
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
نظام المزايدة الإلكترونية يكسر حلقات الاحتكار ويوفر أسعارًا عادلة لجميع السلع
متابعة على مدار الساعة لمنافذ بيع السلع.. ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار «حوكمة» المنظومة التعليمية .. وعقوبات رادعة ضد المتلاعبين بالامتحانات
كشفت أكاذيب العدو عن قدرات المصريين ..
عبقرية التخطيط وروعة التنفيذ.. وثيقة خاصة بتوقيع 3 من أبطال نصر أكتوبر عن أهم جولات الصراع العربى الإسرائيلى نتائج الدراسات...