بالسقوط المدوى لنقاط العدو الحصينة، تلاشت حدود العدو الآمنة، فخسرت اسرائيل الحرب من وراء الجدار، ومع الساعات
الأولى لانهيار خط بارليف المنيع تهاوى هيكل النظام الدفاعى الاسرائيلي، فانتهت - إلى الأبد - أسطورة الجيش الذى لا يُقهر..
اليوم نتذكر ما فعله الأبطال فى غمرة الاحتفال بذكرى تحرير سيناء، فنستدعى من الذاكرة الحية مشاهد بطولية لرجال عبروا الحاجز الصعب فاجتازوا المستحيل، وحملوا مشاعل النصر المبين فى حرب أكتوبر 73.
بمداد من نور، تتلألأ السطور فى صحائف البطولة والفداء، ويسجل التاريخ روائع العسكرية المصرية ضمن افتتاحية حربية شكلت أعظم وأمجد أيام حياتنا..
وسط هذا الزخم من الذكريات، لم يتوان جيل أكتوبر عن تناول معطيات ونتائج هذا الانتصار المذهل بالدرس والتحليل، وواحد ممن سجلوا تاريخ المعركة هو البطل الراحل لواء أركان حرب طه المجدوب، صاحب النصيب الأوفر من المؤلفات العسكرية، والذى رأس مجموعة التخطيط بهيئة عمليات القوات المسلحة فى سنوات الإعداد والتجهيز لحرب أكتوبر، ومن بين مؤلفاته العديدة كتاب "سنوات الإعداد وأيام النصر، والذى تناول صعود المارد المصرى إبان حرب الاستنزاف وحتى إحراز الانتصار الكاسح فى حرب رمضان.. ومن أهم ما سجل فى كتابه تلك الإضاءات حول قصة قيام وانهيار خط بارليف.
تحت عنوان "الخط المنيع الذى لا يُخترق" يقول اللواء أركان حرب طه المجدوب: كان الحد الأمامى للدفاع الاسرائيلى فى سيناء، والمسمى بـ "خط بارليف" مقاماً على الحافة الشرقية لقناة السويس لا يفصله عنها سوى عشرات السنتيمترات، ويتكون على امتداده من 22 موقعاً حصيناً، وتضم هذه المواقع 31 نقطة حصينة، حيث يتكون الموقع الحصين من 1 : 3 نقاط قوية منتشرة على امتداد الخط فيما بين جنوب بورفؤاد وجنوب بورتوفيق.
وتبلغ مساحة النقط القوية فى المتوسط 40000 متر مربع أو أكثر، والنقطة عبارة عن منشأة هندسية معقدة ومتكاملة تتكون من عدة طوابق، حيث يبدأ أول هذه الطوابق فى باطن الأرض، ويصل آخرها إلى قمة الساتر الترابى الذى يرتفع فوق سطح الأرض 25 متراً فى كثير من قطاعات الخط. وكمثال من الواقع يتكون الطابق العلوى للنقطة القوية من عدد كبير من مرابض النيران أو دشم الأسلحة المختلفة المبنية من الأسمنت المقوى بقضبان السكك الحديدية وألواح الصلب، وتغطيها من الخارج طبقات ضخمة ومتدرجة من الكتل الحجرية الموضوعة داخل شبكات من الصلب يبلغ وزن المجموعة الواحدة منها عدة أطنان. وقد جلبت اسرائيل هذه الأحجار من جبال سيناء، ونقلتها فى عملية نقل ضخمة استخدمت فيها آلافاً من العربات العسكرية والمدنية التى عبأتها لمصلحة المجهود الحربى طوال فترة تشييد الخط. وقد أطلقت إسرائيل على هذه الكتل الحجرية الكلمة العبرية "جفبونيم". ويفصل كل طابق عن الآخر طبقات كثيفة من قضبان السكك الحديدية والأسمنت المسلح والأتربة والأحجار، وبلغ سمك كل طبقة من الطبقات الفاصلة أكثر من ثلاثة أمتار. كما جلبت اسرائيل الأحجار من جبال سيناء، حصلت كذلك على القضبان من السكك الحديدية التى كانت مقامة فى سيناء شرق القناة من السويس حتى القنطرة شرق لمسافة 110 كيلو مترات، ثم بين القنطرة شرق ورفح لمسافة أكثر من 190 كيلو مترا.. أى أن طول هذه القضبان بلغ 300 كيلومتر، استخدمت جميعها فى بناء تحصينات خط بارليف. ويمكننا تصور كمية القضبان الحديدية التى استخدمت فى بناء هذه المواقع الحصينة.
وقد حسب خبراء اسرائيل قدرات هذه النقط القوية على التحمل، حساباً هندسياً دقيقاً، بحيث توفر وقاية كاملة ضد اختراق جميع أنواع قذائف المدفعية وأثقل قنابل الطائرات التى يزيد وزنها على 1000 رطل. وجهزت الدشم بفتحات تسمح باستخدام جميع أنواع الأسلحة فى الاشتباك من جميع الاتجاهات. وهناك بعض النقط القوية الموجودة خلف الخط الأول مجهزة بمدافع ثقيلة من عيار 155 مللى متر. ومن هذه النقط نقطة عيون موسى الشهيرة.. أولاً لطبيعتها الغريبة وتحصينها، وثانياً لأنها كانت مخصصة أساساً لضرب أهداف مدينة السويس وتدمير منشآتها الصناعية وخاصة منشآت ومعامل البترول. وقد ظلت هذه النقط القوية ومدافعها الثقيلة من عيار 155 مللى متر تصب نيرانها طوال فترة حرب الاستنزاف، كما فتحت نيرانها الكثيفة على المدينة عند اشتعال حرب أكتوبر 1973.. وظلت تطلق نيرانها إلى أن أسكتتها القوات المصرية عند اقتحامها فى ثالث أيام القتال ودمرتها تماماً.
ولزيادة مناعة النقط القوية، أحيطت كل منها بعدد كبير من نطاقات الأسلاك الكثيفة وحقول الألغام التى بلغ عرضها 200 متر حول النقطة.. بالإضافة إلى "الشراك الخداعية" التى كانت تغطى ميول الساتر الترابى وقمته. وقد جهزت 19 نقطة من النقط بخزانات الوقود المملوءة بالمواد الحارقة والمعدة للدفع من خلال أنابيب خاصة تقذفها فوق المياه لتغطية سطح القناة بهذه المواد، وبإشعالها يتحول هذا السطح وعلى امتداده إلى سد هائل من اللهب المشتعل بالنيران الحارقة التى يزيد ارتفاع ألسنتها على مترين. وقد ثبت من التجارب العملية التى أجرتها القوات المصرية فى أماكن بعيدة عن الجبهة لاختبار هذا النظام الجهنمى أن الحرارة الناجمة عن هذا اللهب تبلغ 700 درجة مئوية.
وقد استخدم خبراء إسرائيل خبرتهم السابقة فى اختيار أماكن المستعمرات بفلسطين - خاصة فى مرحلة ما قبل قيام الدولة - فى اختيار أماكن النقط القوية، بحيث يمكن لهذه الأماكن أن تسيطر بالنظر والنيران على المناطق المحيطة بها من كل اتجاه وتغمرها بنيران أسلحتها المختلفة. ولم تُترك المسافات الواقعة على السد الترابى بين النقط القوية وبعضها البعض خالية، بل جُهزت جميعها وعلى قمة الساتر الترابى بمرابض للدبابات بفاصل 100 متر بين كل مربض والآخر. وقد بلغ عددها أكثر من 300 مربض، وشكلت سلسلة النقاط الحصينة ومرابض الدبابات التى ستحتل قمة الساتر الترابى سداً منيعاً من نيران الأسلحة المختلفة المتوسطة والثقيلة، فإذا أضفنا لهذا الساتر النيرانى الساتر الترابى العالى والتحصينات والموانع وحقول الألغام المحيطة بها، ثم حاجز اللهب الحارق الذى سيغطى سطح القناة.. لأمكننا أن نتصور ماذا أعد الاسرائيليون للمقاتل المصرى عندما يحاول عبور القناة، وكيف سيكون حال القناة عندما يبدأ الهجوم.. إنها باختصار شديد ستتحول إلى قطعة من جهنم يستحيل اختراقها أو النفاذ خلالها. كان هذا تقديرهم، وهو تقدير لم يكن جزافياً.. إذ كان يمثل جزءاً كبيراً من الحقيقة. غير أن الإبداع فى الفكر المصرى وارتفاع روح القتال فى الجندى المصرى أبطلا بفدائية كبيرة مفعول العديد من هذه التحضيرات، ثم قضيا عليها جميعاً فى ساعات محدودة من بدء القتال فى 6 أكتوبر 1973.
وتحت عنوان "أحاديث وتعليقات على خط بارليف" يسجل اللواء أركان حرب طه المجدوب: ليس ثمة شك فى أن إنشاء خط بارليف - بكل قدراته التى شرحناها – قد ترك آثاراً نفسية عميقة على قادة اسرائيل، وعلى شعبها، وأصبح يمثل لهم تجسيداً لمدى ثقتهم بالذات. وقد تزايدت هذه الثقة نمواً حتى انقلبت إلى حالة من الغرور الأعمى.. بعد أن اطمأن الجميع إلى قوة دفاعاتهم وقدرتهم على صد أى قوات مصرية تعبر القناة و"سحق عظامهم" حسب تعبير قادتهم. وقد أثرت هذه الثقة الزائدة على تخطيطهم الدفاعي، فوضعوا قواتهم الرئيسية المخصصة للضربات المضادة الرئيسية على مسافة تتراوح بين 100 و 150 كيلومتراً من خط الجبهة.. عن اعتقاد بأنهم قد لا يحتاجون لاستخدامها أصلاً، أو يستخدمونها فى مرحلة متأخرة من المعركة.. وذلك لثقتهم الكبيرة فى كفاءة نظامهم الدفاعى شرق القناة وقدرته العالية على الصمود والتصدى للقوات المصرية المهاجمة.
لذلك كانت الصدمة مذهلة للسقوط المفاجئ لهذا الصرح الهائل من الثقة.. وجاءت تصريحات القادة الاسرائيليين بعد الحرب مناقضة تماماً لتصريحاتهم قبل الحرب. ودار فى إسرائيل جدل واسع بعد حدوث الانهيار.. كثرت فيه الاتهامات المتبادلة بين القادة.. كل يريد أن يبرئ نفسه ويجد المبرر لحدوث هذا الانهيار السريع والمفاجئ للخط الأسطورة. وأنكروا نظرياتهم، وقالوا إنه لم يكن فى نيتهم التمسك بخط بارليف.. ووصفه موشى ديان وزير الدفاع بأنه كان "خطا هشاً كقطعة الجبن "الجويير".. فيها من الهواء أكثر ما فيها من الجبن!! وغير ذلك من التشبيهات المغايرة تماماً للحقيقة.
وفى غمرة التبرير والدفاع عن الذات تناسى قادة اسرائيل السبب الحقيقى والوحيد لتعليل هذا الفشل الاسرائيلى الذريع.. والسرعة المذهلة لسقوط خط بارليف. وهو التخطيط المصرى الذى لم يترك للقيادة الاسرائيلية فرصة لالتقاط الأنفاس.. ثم الاكتساح المباشر لخط الجبهة على امتداده بسرعة فائقة وبقوات على درجة عالية من كفاءة الأداء المتمتع بقوة دفع معنوية هائلة وروح قتالية عالية.. ظلت تنتظر اللحظة الحاسمة لتفجر الطاقات الكامنة للمقاتل المصري، وهو يخترق بعزيمة وإصرار كل هذه المواقع والموانع والمعوقات، ويدمر القسم الأكبر من التحصينات فى ساعات معدودة خسرت خلالها إسرائيل من القوات والأسلحة والمعدات ومئات الملايين من الدولارات، ما شكل صدمة قاسية أطاشت صواب القيادة الاسرائيلية، وأذهلت المجتمع الاسرائيلى فشبهها بـ "الزلزال الذى دمر كل شيء فى لحظة.. أو الإعصار الذى أطاح بكل الآمال فى غمضة عين" فلجأ قادة اسرائيل إلى قلب الحقائق أمام شعبهم للإقلال من التأثير المدمر لهذا الزلزال أو الإعصار خشية حدوث انهيار معنوى للمجتمع الاسرائيلي.. وذلك بمحاولة التهوين من شأن الانجاز العسكرى المصرى الكبير.
تلك هى الحقائق الكاملة عن طبيعة خط بارليف ونظريته الدفاعية، ومنها يتضح أن هذا الخط كان فريداً فى نوعه.. لا وجه لمقارنته بخط "ماجينو" الفرنسى مثلاً، والذى نجحت الجحافل الألمانية المدرعة فى تطويقه بالالتفاف حول جانبه الشمالى المستند على أراض مفتوحة، أما خط بارليف فلم تكن له أجناب مفتوحة.. حيث كان يستند على البحرين المتوسط والأحمر.
لذلك سوف يسجل التاريخ أن خط بارليف كان الخط المحصن الوحيد الذى عرفته الحروب المقام على حافة قناة ملاحية صناعية عرضها أكثر من 200 متر وعمقها أكثر من 16 متراً فى ذلك الوقت. وهو خط تراوح ارتفاعه بين 18 و25 متراً، وكان من المستحيل الالتفاف حوله كما فعل القائد الألمانى العظيم جودريان فى بداية الحرب العالمية الثانية. لقد كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام القوات المصرية للتغلب على خط بارليف هى اختراقه.. أى أن تصدم القوات المهاجمة رؤوسها فى الصخر حتى تشقه.
لذلك أجمعت آراء الخبراء والعلماء العسكريين على أن خط بارليف كان خطاً كاملا من التحصين والمنعة، جعلت منه قناة السويس والبحران المتوسط والأحمر حالة فريدة للخطوط المنيعة التى شهدها التاريخ العسكرى كله. لذلك أصبحت عملية عبور قناة السويس واختراق خط بارليف نموذجاً غير مسبوق لعمليات العبور يدرس فى المعاهد العسكرية بأنحاء العالم كمثال فذ جمع بين عمليتين حربيتين من أعقد العمليات الحربية التى يمكن أن تقابلها الجيوش الميدانية أثناء الحرب وهما: "اقتحام الموانع المائية" و"اختراق الخطوط المحصنة" معاً فى آن واحد.
وختاماً لا يفوتنا أن نتذكر ونسجل ما قاله ديفيد أليعاذر - رئيس الأركان الاسرائيلى فى حرب أكتوبر 1973 - قبل الحرب: " إن خط بارليف سيكون مقبرة الجيش المصري".. أما بعد الحرب فقد علل "أليعاذر" نفسه سبب انهيار الخط وتحوله إلى "مقبرة للجيش الاسرائيلي" بـ "المفاجأة الكبرى التى حققتها مصر فى هذه الحرب.. وهى روح المقاتل المصرى وكفاءته العالية" ويعلق اللواء أركان حرب طه المجدوب : هذه الروح العالية كان وراءها عقل المخطط المصرى ومهارته فى التخطيط وفى مواجهة المعوقات الصعبة والتغلب عليها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...
شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...
السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...
الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...