من يصنع المفاجأة يحظى بالمبادأة ويمتلك أهم مفاتيح النصر.. هذا ما حدث يوم العاشر من رمضان بموجب الخطة الهجومية "بدر"
حين أمكن لجيش مصر أن يباغت إسرائيل وهى نائمة.
زٌلزلت الأرض تحت أقدام الصائمين المقتحمين خط بارليف فى مشهد عسكرى مهيب ايقظ "تل أبيب" على هول المفاجأة.. انهارت ركائز نظرية الأمن الاسرائيلى وفى القلب منها: وهم الحدود الآمنة.. وامتلاك القدرة المزعومة على الردع.. والاعتماد على سرعة التعبئة العامة لقوات الاحتياط فى أزمنة قياسية.. وفوق ذلك انهار يقين الاسرائيليين بأجهزة استخباراتهم بعد فشلها الذريع فى تحليل النوايا الحقيقية لحشود الصائمين قبيل اندلاع العاصفة..
اليوم نعود لنتذكر ما قاله رئيس الأركان الاسرائيلى ديفيد أليعازر: "إن هذه أصعب حرب واجهتها إسرائيل، لقد زحفت علينا دون إنذار مسبق".
والحق ما شهد به الأعداء ومن بينهم الجنرال "هيرتسوج" المعلق العسكرى للإذاعة الاسرائيلية والذى أكد بعد أربعة أيام من اندلاع الحرب: "إن الهجوم الذى شنه العرب ضد اسرائيل أخذها على حين غِرة، وإن تحريك العرب لقواتهم على طول خطوط المواجهة فى سيناء والجولان لم يفاجئ اسرائيل.. لكن الهجوم نفسه كان هو المفاجأة".
ويذكرنا هذا القول بتصريح شهير لوزير الخارجية الأمريكية كيسنجر حين علق على الحشود المصرية قبيل الحرب، وقال: "لقد رأينا كل شيء لكننا عجزنا عن فهم النوايا".
وما كان لمفاجأة كتلك أن تحدث دون خطة خداع هى الأكثر دهاء فى تاريخ الحروب. وفى هذا الإطار تأتى أهمية دراسة المؤرخ الراحل اللواء أركان حرب جمال حماد والتى نشرت فى الندوة الاستراتيجية لحرب أكتوبر تحت عنوان "من المسئول عن المفاجآت التى حاقت بإسرائيل فى حرب أكتوبر 73"، وتأتى تلك الدراسة امتداداً لما نشره اللواء "حماد" عن حرب العاشرمن رمضان عبر عدة مؤلفات أولها كتابه الشهير "المعارك الحربية على الجبهة المصرية".
فى البداية يقول اللواء جمال حماد: جاءت حرب أكتوبر لتكون نقطة تحول فى مسار الصراع العربى - الاسرائيلى فقد تعرضت اسرائيل كدولة لمفاجأة استراتيجية كاملة أفقدت الاسرائيليين ثقتهم فى جيشهم الذى لا يقهر، وفى جهاز مخابراتهم الذى كان يدعى أنه أقدر جهاز مخابرات فى العالم خبرة بشئون الشرق الاوسط، كما تعرضت القوات الاسرائيلية على جبهتى سيناء والجولان لمفاجأة تكتيكية أفقدت أفرادها توازنهم وأجبرتهم على الانسحاب من مواقعهم الأمامية، وكان الأمر الذى أدهش العالم هو نجاح مصر وسوريا فى تحقيق المفاجأة على المستويين الاستراتيجى والتكتيكى برغم التطور الهائل فى وسائل الاستطلاع الحديثة، وقدرتهما على خداع جهازى المخابرات الاسرائيلية والأمريكية فى وقت واحد.
وقبل أن يمر 25 يوماً على وقف إطلاق النار بين الجيوش المتحاربة، تنفيذا لقرارى مجلس الأمن رقم 338 الصادر فى أكتوبر 73 ورقم 339 فى 23 أكتوبر 73، اضطرت الحكومة الاسرائيلية تحت ضغط الرأى العام الاسرائيلى إلى إصدار قرار يوم 18 نوفمبر 73 بتشكيل لجنة لتقصى الحقائق على مستوى عال للتحقيق فى أسباب التقصير الجسيم الذى ظهر خلال الحرب ونص القرار – بعد التشاور مع رئيس المحكمة العليا – على أن تتكون من خمسة أعضاء وأن تكون القضايا موضع التحقيق ومناقشات اللجنة سرية.
وفى 21نوفمبر 73 عُيِنَ رئيس المحكمة العليا بحكم صلاحياته رئيساً للَجنة وبقية أعضائها على النحو التالي: دكتور "شمعون أجرانات" رئيس المحكمة العليا رئيساً .. وعضوية كل من: موشيه لنداو القاضى بالمحكمة العليا.. دكتور "اسحق نفنتسال"مراقب الدولة.. الجنرال "يجائيل يادين" الأستاذ فى الجامعة العبرية.. الجنرال "حاييم ليسكوف" مسئول شكاوى الجنود.
ويلاحظ أن تشكيل اللجنة جاء متوازناً، فقد حوى التخصصات المطلوبة لنجاح مهمتها وضمان حيادها إذ ضم التشكيل اثنين من كبار أساتذة القانون وهما رئيس المحكمة العليا وأحد قضاتها، كما ضم مراقب الدولة وهو مسئول عن مراقبة الجهاز الوظيفى فى اسرائيل، وضم كذلك اثنين من كبار القادة العسكريين المتقاعدين وهما الجنرال يادين رئيس الأركان فى بداية الخمسينات والجنرال ليسكوف رئيس الأركان فى بداية الستينات.
وفى أوائل إبريل 1974 أى بعد حوالى أربعة شهور على تشكيلها وبداية عملها، قامت اللجنة التى أطلق عليها اسم رئيسها فأصبحت تُدعى "لجنة أجرانات" - قامت بإصدار تقريرها الجزئى الذى أدانت فيه أربعة من كبار القادة العسكريين بتهمة التقصير، وأوصت بإبعادهم عن مناصبهم، ولم يلبث هؤلاء القادة طويلا حتى تمت إحالتهم إلى التقاعد وهم: الجنرال "دافيد أليعازر" رئيس هيئة الأركان العامة، والجنرال "شموئيل جونين" قائد القيادة الجنوبية (التى تواجه الجبهة المصرية) والجنرال "إيلى زعيرا" رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، والبريجادير (العميد)"آرييه شاليف" مساعد رئيس الاستخبارات العسكرية للأبحاث.
وفى الوقت الذى أدانت فيه لجنة أجرانات تلك المجموعة المهمة من ضباط القيادة العسكرية، اتضح أنها قامت بتبرئة القيادة السياسية التى كانت متمثلة فى رئيسة الوزراء "جولدا مائير" ووزير الدفاع "موشى ديان" من كل تهمة ومن كل مسئولية.
وقد ورد فى البند 10 من تقارير لجنة أجرانات بشأن المعلومات وتقديرها واستعداد الجيش الاسرائيلى ما يلى بالنص: "إن بدء مصر وسوريا الحرب فى عيد الغفران يوم 6/10/1973 فى الساعة 14 (الثانية بعد الظهر) فاجأ جيش الدفاع الاسرائيلي، لأنه حتى ساعات الصباح الباكر فى اليوم نفسه لم تقدر القيادة العليا لجيش الدفاع الاسرائيلى والزعامة السياسية أن حرباً شاملة على وشك النشوب.
وفى صباح اليوم نفسه عندما اتضح لهم أن الحرب ستنشب، افترضت القيادة العليا خطئاً أنها ستنشب فقط فى الساعة السادسة مساء، ومسئولية هذه الأخطاء فى التقدير يمكن أن تٌلقى أولا وقبل كل شيء على عاتق رئيس فرع الاستخبارات ومساعده الأول عن قسم الأبحاث فى فرع الاستخبارات وهو الجهة الوحيدة فى الدولة المهتمة بأبحاث الاستخبارات، وقد فشل هؤلاء فى تقدير الإنذار الكافى تماماً لجيش الدفاع الاسرائيلي، ففى الساعة الرابعة والنصف صباحاً تقريباً فى يوم عيد الغفران بلَّغ رئيس فرع الاستخبارات - استناداً إلى معلومات جديدة حصل عليها - عن نية العدو ببدء القتال فى الساعة السادسة مساء على الجبهتين المصرية والسورية.. وهذا الإنذار القصير لم يُمَكِن من تعبئة الاحتياط بصورة منتظمة، وأدى إلى تعبئة متعجلة لاحتياطيات القوات البرية، وليس طبقاً لجداول زمنية وإجراءات التعبئة السليمة.
وكان رئيس الاستخبارات العسكرية المقصود فى التقرير والذى أوصت لجنة أجرانات بإبعاده عن منصبه هو الجنرال "إيلى زعيرا" وكان مساعده الأول الذى أوصت اللجنة أيضاً بإبعاده هو البريجادير (العميد)"آرييه شاليف" المسئول عن قسم الأبحاث بجهاز المخابرات العسكرية.
وقد أدى تحيز لجنة أجرانات للقيادة السياسية بتبرئة ساحتها بينما انصبت اتهاماتها على هذه المجموعة من الضباط إلى إثارة الغضب فى نفوس الكثيرين من الضباط، وكان أشدهم غضباً بالطبع هو الجنرال "إيلى زعيرا" نظراً لأن لجنة أجرانات اعتبرته المسئول الأول عن التقصير الذى جرى فى الحرب وهو الأمر الذى أدى - بالإضافة إلى فقده منصبه المرموق - إلى إحاطته هو وأسرته بجو من العداء الشعبى العام .. وأدرك الجنرال زعيرا -كما روى- أن المشكلة التى باتت تواجهه هى كيف يمكنه البقاء فى المجتمع الاسرائيلي.
ونتيجة لذلك الجو العدائى الذى أحاط به هو وأسرته، قرر الجنرال "زعيرا اعتزال العمل العام فى إسرائيل على الرغم من العروض الكثيرة التى عرضت عليه ابتداء من عرض البقاء فى الجيش لتولى قيادة المنطقة الوسطى وانتهاء بعرض منصب رئيس مجلس إدارة أحد البنوك الكبيرة فى اسرائيل عليه، فقد رفض كل هذه العروض بشدة وصمم - كما روى- على أن يحطم تلك الأكذوبة التى اختلقتها لجنة أجرانات والتى ذهبت إلى القول بأن التقصير والفشل فى الأيام الأولى للحرب سببه فقط التقدير الخاطئ لاحتمالات الحرب الذى هو مسئولية جهاز المخابرات العسكرية الذى يتولى رئاسته الجنرال "زعيرا".
وكان الأمل فى تحطيم الأكذوبة - كما روى زعيرا - ضعيفا، ولذا ظل عشرين عاما يمتنع عن التطرق علنا لأحداث حرب يوم الغفران، وكان لموقفه هذا أسباب مختلفة، لكن أهم هذه الأسباب هو صدق الدليل فإنه بدون تقديم الوثائق الرسمية التى تثبت أقواله لن يصدقه أحد.
وقد وجد أنه من ناحية المسئولية الوطنية لن يتسنى له نشر أية وثائق خاصة بالدولة إلا بعد مضى عشرين عاما وفقاً للقانون الاسرائيلي، مع مراعاة شطب الموضوعات التى تنطوى على كشف أسرار الدولة وتتعلق بأمنها. وبعد أن مضى على انتهاء الحرب واتفاقيات فض الاشتباك بين الجيوش المتحاربة 20 عاما، قام الجنرال زعيرا بتأليف كتابه الخطير الذى سماه "حرب يوم الغفران.. أكذوبة فى مواجهة الواقع" ويضم 21 فصلاً وخمسة ملاحق، وهو يحوى العديد من المعلومات والقضايا المثيرة، ويكشف الكثير من أخطر أسرار حرب يوم الغفران التى لم تكن معروفة من قبل.
وقد أكد زعيرا أن الانتقادات الحادة التى وجهها فى كتابه إلى وزراء وقادة عسكريين إنما تقوم على وثائق وأدلة مكتوبة، أما تقديرات الموقف الخاصة بأصحاب المناصب الرئيسية فى جهاز الدفاع عام 1973 واعتباراتهم وقراراتهم فيما يتعلق بأمن دولة اسرائيل فإن وصفها يرد فى كتابه استناداً إلى "وثائق رسمية" كما أوضح "زعيرا" فى كتابه مدى أهمية عرض الأحداث كما وقعت فى الحقيقة أمام الشعب، لأن كشف القرارات الخاصة بقادة الدولة والجيش هو أساس راسخ فى أى نظام حكم ديموقراطي، ولا يعقل أن يقام العدل وأن تقوم ثقة الشعب فى زعمائه فى نظام تستطيع فيه الزعامة التهرب من المسئولية تحت قناع السرية.
وقد أبدى زعيرا تخوفه من أن نشر كتابه بعد انتهاء الحرب بعشرين سنة قد يثير تساؤلات وانتقادات كثيرة لدى العديد من الناس عن سر صمته طوال تلك المدة، والإجابة عن هذا السؤال كما قال هو أنه لم يجد معنى ولا فائدة فى عرض الأمور على الشعب دون الاستناد إلى الأدلة والوثائق الدامغة كما أوضح أنه لم يسكت، فبعد حوالى عشرة أيام من إعلان القرار الجزئى للجنة أجرانات، قام "زعيرا" بتسليم "سكرتير اللجنة" رسالة شاملة موجهة منه إلى اللجنة سجل فيها بالتفصيل كل تحفظاته على استنتاجات اللجنة، وقدم الحقائق والأدلة المؤيدة لهذه التحفظات، ولكنه لم يتلق أى رد على رسالته.
يتطرق المؤرخ اللواء جمال حماد إلى السؤال الأهم وهو: لماذا أغفلت القيادة الاسرائيلية تعبئة قوات الاحتياط؟
يشير اللواء حماد إلى ماورد فى الفصل السادس من مذكرات "زعيرا" والذى جاء تحت عنوان "تناول لجنة أجرانات للإنذار"، حيث شرح الجنرال زعيرا الفرق بين تلقى الدولة للإنذار عن الاستعدادات وبين تلقيها الانذار عن النوايا، من وجهة نظره فأوضح أن تلقى الانذار عن الاستعدادات يتوقف أساساً على مستوى تجميع الاستخبارات للمعلومات، وهو ما نتج عن أعمال المراقبة والتنصت والتجسس والطلعات الجوية للاستطلاع والتصوير الجوي.. ومن الممكن الاعتماد بشكل واقعى على وصول الإنذار عن استعدادات العدو للحرب.. أما مسألة النوايا فهى مسألة مختلفة تماما، فالنوايا الفعلية لشن الحرب يُحتَفظ بها سراً، وتكون معروفة فقط لمجموعة مصغرة للغاية فى القيادتين السياسية والعسكرية، وفى بعض الأحيان، وخاصة فى نظم الحكم الدكتاتورية ربما يكون الرئيس وحده هو الذى يعلم بموعد بدء الحرب، وليس هذا فحسب بل إنه فى بعض الأوقات يكون إعلان أحد الرؤساء عن نيته لشن الحرب هو أداة فى لعبة سياسية عسكرية وليس وعدا ملزما بتنفيذه، وخير مثال على ذلك هو إعلان الرئيس الراحل أنور السادات بأن سنة 1971 ستكون سنة الحسم وقد اتضح بعد ذلك أنه لم تكن لديه أية نية لتنفيذ ذلك الإعلان وشن الحرب على اسرائيل فى السنة التى حددها.
وقد حدد "زعيرا" معنى الإنذار فيما يتعلق بأمن إسرائيل بأنه "إنذار عن استعدادات وحشود قوات وانتشارها فى أوضاع يمكن منها مهاجمة اسرائيل فى أى وقت" وأوضح زعيرا أن القيادة العسكرية الاسرائيلية سبق أن استجابت للإنذار الذى تلقته من الاستخبارات العسكرية عن استعدادات مصر وقامت على الفور بتعبئة قوات الاحتياط وقد فعل ذلك الجنرال "ليسكوف" رئيس الأركان عام 1960 (ولو أن مصر لم تقم بمهاجمة اسرائيل فى تلك المرة) كما فعل ذلك أيضا الجنرال "اسحق رابين" رئيس الأركان عام 1967 (قبل حرب الأيام الستة) بينما لم يفعله رئيس الأركان "ديفيد بن أليعازر" ووزير الدفاع "موشيه ديان" قبل حرب أكتوبر 73 على الرغم من أن صورة استعدادات مصر وسوريا للهجوم كانت أدق صورة تم عرضها بواسطة الاستخبارات على قادة الدولة بل هى أكثر الصور دقة وتفصيلا منذ قيام دولة إسرائيل.
وقد أيد الجنرال "يسرائيل تال" نائب رئيس الأركان فى حرب أكتوبر 73 أقوال الجنرال زعيرا فقد ورد ضمن محاضرة ألقاها على مجموعة من الضباط فى 20 يناير 1982 عن "مفهوم الإنذار فى نظرية الأمن" فقد قال: " إن الفشل فى يوم عيد الغفران لم يكن فشلا للاستخبارات، فلقد قالت لنا الاستخبارات كل شيء، كنا نعرف كل المعلومات عن كل كتيبة وكل فرقة وكل سرب وتفاصيل المعدات الأخرى وعن تعاظم قوة العدو، وما حصلوا عليه من أسراب الطائرات والصواريخ أرض أرض، والدبابات الحديثة ت 62، والجرارات، ودبابات الجسور التى تعبر الخنادق، والمواقع المضادة للدبابات وعرفنا كيف يستعدون بتشكيل هجومى كامل مع آلة حرب مستعدة للوثوب،وبعد كل هذا نجد لدينا الوقاحة والبجاحة كى نقول أنه لم يكن لدينا إنذار !!
وقد رد الجنرال زعيرا فى الفصل الواحد والعشرين الذى عنوانه "الخلاصة" على الاتهامات التى وجهتها إليه لجنة أجرانات بأن أوضح أن دور ومسئولية الاستخبارات العسكرية فى موضوع الإنذار يتحدد على مدى نجاحها أو فشلها فى أن توفر للقيادة العسكرية المعلومات فى الوقت الحقيقى حول التوقيت الذى يقوم فيه العدو بتعزيز قواته وحول نسب ذلك التعزيز.. وعلى أساس هذه المعلومات يتخذ وزير الدفاع ورئيس الأركان الاجراءات اللازمة للحفاظ على نسبة التوازن المطلوبة بين قواتنا وقوات العدو. ويعتبر الخروج عن هذه المبادئ وربط استدعاء الاحتياط بتقديرات نوايا العدو خطأ خطيرا كما حدث قبل يوم الغفران.
لقد قدمت الاستخبارات العسكرية - كما أكد زعيرا – للحكومة ولرئيس الأركان صورة انتشار جيشى مصر وسوريا بأدق صورة وفى الوقت الصحيح قبل ثلاثة أيام من نشوب المعارك،وعرض التشكيل العسكرى المصرى والسورى وهو جاهز – وفقاً للنظرية السوفيتية – للدفاع والهجوم معاً.
وعلى عكس نظرية الأمن، فإن صورة الموقف الخطير على الجبهتين المصرية والسورية والحشود الضخمة التى لم يسبق لها مثيل على الجبهتين لم تؤدِ إلى تعبئة الاحتياط ولو حتى تعبئة جزئية. وبدلا من ذلك انشغلت الحكومة ورئيس الأركان والاستخبارات العسكرية فى الأسبوع الذى سبق الحرب بتقديرات مختلفة حول نوايا الرئيسين السادات وحافظ الأسد، وكان ربط تعبئة وحدات الاحتياط بنتائج هذه التقديرات أمرا خطيرا ويتعارض تماماً مع نظرية الأمن.
وفى يوم الجمعة 5 أكتوبر 73 وفى الساعة التاسعة صباحا (أى 29 ساعة قبل نشوب الحرب) عرضت الاستخبارات العسكرية على وزير الدفاع فى الاجتماع الذى عقد فى مكتبه والذى حضره مساعده "تسفى تسور" ورئيس الأركان العامة الجنرال "اليعازر" ونائبه الجنرال "يسرائيل تال" ورئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الجنرال "زعيرا" ومدير عام وزارة الدفاع "اسحق عيروني" - عرضت الظواهر الخطيرة التى سببت القلق والتوتر لجميع الحاضرين، وهى وصول 11 طائرة نقل أفراد إلى مصر وسوريا لإخلاء أسر المستشارين السوفيت من القاهرة ودمشق وإعادتهم إلى موسكو، وفضلا عن ذلك غادرت ميناء الاسكندرية جميع القطع البحرية السوفيتية التى كانت راسية فى الميناء، وانطلقت إلى عرض البحر، بالإضافة إلى التعزيزات الإضافية الكبيرة لجيشى مصر وسوريا على طول الجبهتين.
وعلى الرغم من تلك الظواهر التى كانت تؤكد قرب نشوب الحرب، فإن تقدير الجنرال زعيرا صاحب تلك المعلومات الخطيرة والمقلقة "إن نشوب الحرب هو احتمال منخفض للغاية" ومن العجيب أن موقف زعيرا فى ذلك الاجتماع يتناقض تماما مع ما سبق شرحه من قبل فى كتابه عن ضرورة التفرقة بين الاستعدادات التى يجريها العدو والتى تستلزم وجوب تعبئة الاحتياط وبين النوايا الفعلية لشن الحرب التى تعد من الأسرار التى لا يعرفها سوى نفر قليل من القيادتين السياسية والعسكرية للعدو والتى من الصعب الوصول إليها، وإن ربط تعبئة الاحتياط بالتقديرات عن النوايا - كما أكد زعيرا - هو أمر خطير ويتنافى مع نظرية الأمن.
ولكن وزير الدفاع ورئيس الأركان رفضا تقديرات رئيس الاستخبارات التى كانت تستبعد نشوب الحرب، فقد قرر رئيس الأركان إعلان حالة الاستعداد "ج" وهى الحالة القصوى فى جميع وحدات القوات الاسرائيلية، وكذا تعزيز الجبهات الثلاث (الشمالية والوسطى والجنوبية) بكل ما يمكن دفعه من القوات النظامية.
أما موشى ديان وزير الدفاع فقد توصل إلى استنتاجات مهمة عن الوضع الحقيقى للموقف، فقد أكد أن مصر وسوريا تنويان شن حرب مفاجئة، وأن المناورة فى مصر والتشكيل الدفاعى فى سوريا هما تغطية للاستعداد للحرب وأنه يتوقع نشوب الحرب صبيحة الغد أى فى يوم عيد الغفران.
وقد أكد زعيرا فى الفصل 17 من كتابه الذى عنوانه "خيال المآتة" أن وزير الدفاع توصل إلى التقدير الصحيح فى الاجتماع الذى عقد بمكتبه فى الساعة التاسعة صباحا يوم 5 أكتوبر 73، فقد حدد أن هجوم مصر وسوريا سوف يبدأ يوم عيد الغفران وأن خطتهما تعتمد على المفاجأة، ولكن لا هو ولا رئيس الأركان اتخذ الاجراءات التى كان من المحتم اتخاذها فى ذلك الوقت وهى التعبئة الفورية الجزئية والسرية لوحدات الاحتياط.
وهناك سببان برر بهما ديان موقفه من تأجيل استدعاء الاحتياط أمام لجنة أجرانات، وكما ورد فى شهادته كان السبب الأول عسكرياً وهو الشعور بالثقة الزائدة فى قوة الجيش النظامي، وفى مقدرته على صد هجوم العدو حتى وصول قوات الاحتياط حتى لو لم تبدأ التعبئة إلا مع بداية الحرب، هذا بالإضافة إلى أن سلاح الطيران سوف يعاون القوات البرية بصورة فعالة منذ الساعات الأولى للحرب.
وكان السبب الثانى سياسيا فقد خشى ديان - كما ورد فى شهادته - من أن يؤدى استدعاء الاحتياط قبل الهجوم المصرى والسورى إلى أن تتهم الولايات المتحدة إسرائيل بمسئوليتها عن بدء هذه الحرب، وكان متخوفا من أن يدعى المصريون والسوريون بأنهم شنوا حربا عاجلة على اسرائيل كرد على تعبئتها لقوات الاحتياط توطئة للقيام بالهجوم عليهما.
وفى تعليقه على شهادة موشى ديان وزير الدفاع أمام لجنة أجرانات قال الجنرال "زعيرا" فى ذلك الفصل من كتابه إن قرار وزير الدفاع بعدم استدعاء الاحتياط يوم الجمعة 5 أكتوبر كان قرارا سياسيا لا يخضع بالمرة لمسئولية الجيش بل هو من مسئولية القيادة السياسية.
ويضيف "زعيرا" إلى ذلك بأن موشى ديان وزير الدفاع لم يقبل خلال ذلك الاجتماع رأى مستشاريه بل إنه لم يسألهم النصيحة، وكان هو وحده الذى فكر فى المشكلة وقام بتحليلها وتوصل إلى استنتاج سياسى قرر بسببه الامتناع عن تعبئة الاحتياط، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا برأته لجنة أجرانات ولماذا لم تعده مسئولا شخصيا عن عدم استدعاء الاحتياط وعن تأخره بالتالى فى الاشتراك فى الحرب ؟!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أصدقاء ترامب جمعوا مليارات الدولارات خلال حرب الـ40 يومًا بتواطؤ الموساد والـCIA أبرز أصدقاء ترامب حوَّل رواتب ضباط وجنود قوات...
د. محمد عثمان: العدوان على لبنان يمثل تهديدًا كبيرًا للتهدئة الإقليمية الأوسع تمارا حداد: الاحتلال يرى أن أى وقف للحرب...
وساطات هادئة وتحركات دبلوماسية مكثفة.. البرديسى: القاهرة لا تبحث عن مكاسب دعائية أو حضور إعلامى فى إدارة الأزمات فرحات: مصر...
بشرى لأصحاب الأمراض النادرة.. بعد التوصل لبصمة قدماء المصريين