ربما ظل المشير محمد حسين طنطاوى متدثراً بـ«عباءة الظل»، ولم يرفعها عن كتفيه إلا بعد أحداث يناير 2011. حتى ذلك الحين، لقبته وكالة الاستخبارات المركزية الـ«CIA»
ربما ظل المشير محمد حسين طنطاوى متدثراً بـ«عباءة الظل»، ولم يرفعها عن كتفيه إلا بعد أحداث يناير 2011. حتى ذلك الحين، لقبته وكالة الاستخبارات المركزية الـ«CIA» بـ«الجنرال الصامت»، والتصق به لقب «العسكرى الداهية» داخل أروقة «الموساد»، وخرج اللقبان من رحم مواقفه الجسورة مع واشنطن وتل أبيب قبل وبعد 2011.
بعد هبوب رياح ما يُعرف بـ«الربيع العربى»، عاد طنطاوى إلى ميدان المعارك، لمواجهة التهديدات الخارجية، والذوْد عن الوطن الجريح، لكن خلفيته العسكرية، وأدواره البارزة فى الحروب التى خاضتها مصر، لم تجبره فقط على حمل البندقية، وإنما رفع معها درعاً فولاذياً فى وجه المتربصين .. ووقتها تجاوزت التهديدات الخارجية مداها حين تولى المشير طنطاوى رئاسة المجلس العسكرى فى الفترة ما بين فبراير 2011، حتى 30 يونيو 2012، وعكف «أهل الشر» على استغلال الواقع الأمنى المرتبك، لزيادة حدة توتر الجبهة الداخلية، وخلخلة أركان الدولة المصرية. وإدراكاً منه لهذا الواقع، رفض المشير طنطاوى، ولمرتين على التوالى، إصرار رئيس الوزراء التركى فى حينه رجب طيب أردوغان على زيارة مصر. ولأنه لم يكن للزيارة ما يبررها فى هذا التوقيت الحرج، رد المشير على أنقرة بعبارة واحدة، - وفقاً لوثائق «ويكليكس» - : «القيادة المصرية منشغلة حالياً بشئونها الداخلية».
المشروع التركى
الدور التركى فى المنطقة بعد ما يُعرف بـ«الربيع العربى»، لم يكن بعيداً عن ناظرى المشير طنطاوى؛ فمنذ اليوم الأول لأحداث يناير، كانت أنقرة بقيادة جهازها الاستخباراتى الـMIT، الذى يديره الضابط المخضرم هاكان فيدان، حريصة على تصعيد قيادة مصرية، تنتمى إلى حزبها الحاكم «العدالة والتنمية»، وليس ثمة شك فى أن جماعة الإخوان الإرهابية، وحزبها «الحرية والعدالة»، هما الممثلان الأكثر قرباً لأردوغان، ويمكن من خلالهما، استغلال فراغ السلطة فى مصر، وفقاً للمخطط التركى القديم - الجديد، وإحياء نفوذ الدولة العثمانية، لإعادة بسط نفوذها الاستعمارى.
لعل ذلك هو ما عكسه الواقع لاحقاً، وتحديداً بعد ثورة 30 يونيو، حين أحبطت الأجهزة المصرية، وفى طليعتها الجيش، عمليات تهريب شحنات الأسلحة التركية الهائلة إلى سيناء، لتحفيز تنظيمات الإرهاب الإخوانية على الوقوف فى وجه الدولة المصرية.
معارضة واشنطن
لم يكن تحسُّب واشنطن من «الجنرال المحافظ»، وفقاً لتعريف المشير طنطاوى لدى الخارجية الأمريكية، أقل من نظيره لدى تل أبيب، أو غيرها من العواصم الأخرى، خاصة أن الرجل عارض بقوة تدخل الولايات المتحدة فيما وصفته تسريبات عسكرية واستخباراتية، بـ«إعادة هيكلة الجيش المصرى»، حتى إذا رهنت واشنطن استمرار حصول مصر على المعونة الأمريكية بهذا الطلب.
حينئذ، خرج المشير طنطاوى عن صمته، معلناً: «الجيش المصرى لن يقبل بممارسة أية ضغوط لتنفيذ أجندات خارجية»، وحذر طنطاوى حينئذ «من سقوط براءة الشباب الثائر فى شراك المخططات الخارجية». وفى لقاءاته مع المسئولين الأمريكيين، كان رغم تشدد مواقفه، يعبر عنها بدماثة أخلاق عالية، وروح دعابة، وعزيمة يستحيل هزيمتها، وفقاً لوثائق «ويكيليكس».
المؤسسات الأمريكية وفى طليعتها البنتاجون والـ«CIA»، لم تكن أيضاً بحاجة إلى برقيات سفارتها لدى القاهرة لمعرفة مواقف المشير طنطاوى أو سياساته؛ فخلف الأخير تاريخ عسكرى طويل، بدأ من المشاركة فى الصمود العسكرى أمام العدوان الثلاثى على مصر عام 56، واستمرار نضاله المسلح فى حرب 67، وصولاً إلى حرب أكتوبر 1973، ودوره البارز فى أعنف معارك المدرعات التى عرفها العالم، المعروفة بـ«المزرعة الصينية»، فضلاً عن قيادته لاحقاً للحرس الرئاسى، ثم قيادته لعمليات الجيش. لكن البرقيات التى يدور الحديث عنها، ووفقاً لوثائق «ويكليكس»، عرَّفت المشير الراحل بأنه: «لا يلقى خطباً، ولا يجرى مقابلات صحفية أو إعلامية. وعارض بشدة نية مبارك فى توريث حكمه لابنه جمال مبارك».
طنطاوى وبن أليعازر
إذن اقتصر ملف المشير طنطاوى لدى واشنطن على البرقيات والوثائق، فتاريخ الجنرال الراحل مع إسرائيل أكثر زخماً، إذ تعرف إسرائيل مواقفه الحاسمة جيداً منذ وقت بعيد، بحسب صحيفة «معاريف». ويؤكد ذلك موقف وثَّقه الكاتب الإسرائيلى إيال ليفى، حين عاد بذاكرته إلى لقاء جرى فى شرم الشيخ بين الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ووزير الدفاع الإسرائيلى حينئذ بنيامين بن أليعازر.
وفى حين حضر وزير الدفاع المشير حسين طنطاوى اللقاء، اصطحب بن أليعازر معه عدداً من الجنود الإسرائيليين، الذين سبق وشاركوا فى معارك «المزرعة الصينية»، التى كان يقودها المشير الراحل فى حينه. وخلال اللقاء، بحسب الكاتب الإسرائيلى، مال بن أليعازر على كتف المشير طنطاوى، وهمس فى أذنه: «معى عدد من الجنود المتقاعدين، ويرغبون فى زيارة أطلال مواقع القتال فى «المزرعة الصينية»، فهل يمكننا ذلك؟».
رد المشير طنطاوى على بن أليعازر بنفس طريقته الهامسة، ولكن بشكل قاطع: «ليس مسموحاً بذلك». لم ييأس بن أليعازر من محاولات تلبية طلبه، وفى ثانى أيام الزيارة، اجتمع مع مبارك فى جلسة ثنائية، وكرر الطلب ولكن بطريقة ملتفة: «أرغب فى زيارة مواقع معارك «المزرعة الصينية»، لكن وزير الدفاع طنطاوى رفض التجاوب مع الطلب، ألا يمكننا الحصول على تصريح منك بذلك؟ وبحسب «معاريف»، رد مبارك على الطلب وهو يرسم ابتسامة عريضة على شفتيه: «وزير الدفاع يرفض ذلك لأن المنطقة التى ترغبون فى زيارتها منطقة عسكرية، ولا يجوز زيارتها».
تباين المقارنة
ويشير الكاتب الإسرائيلى إلى أن مبارك حاول امتصاص غضب الإسرائيليين، حين أتبَع مصادقته على موقف المشير طنطاوى بقوله: «أعتقد أن الفندق الذى نلتقى فيه الآن يحظى بإعجابكم، لذلك لا أمانع فى دعوتك والأسرة إلى الإقامة فيه مجدداً، وقضاء إجازة لطيفة». اكتفى بن اليعازر برسم ابتسامة تعكس مدى امتعاضه من الرفض، كما لم يتلقَّ بعد العودة لإسرائيل حتى الدعوة التى عرضها عليه مبارك.
رغم تحفظ الدوائر السياسية والأمنية على مواقف المشير طنطاوى، التى اعتبرتها «متشددة»، لكنها اعترفت لاحقاً، وبعد استتباب الأمور، وتثبيت أركان الدولة المصرية، بأنه لولا حفاظ المشير الراحل على الجيش، ومنع ضلوعه فى إشكاليات سياسية، لكان من الممكن إسقاط الدولة المصرية. ورغم تباين المقارنة بين الحالة المصرية، ونظيرتها لدى إيران بعد ثورة الخومينى على نظام الشاه، قارنت دوائر إسرائيل السياسية والأمنية من أصحاب هذه النظرية بين الحالتين، ورأت أن إبعاد الجيش المصرى عن السياسة بفضل رؤية المشير طنطاوى، حال دون إرباك المشهد، كما حدث فى إيران ما بعد الشاه، التى رسَّخت لضلوع الحرس الثورى، وهو مؤسسة موازية للجيش، وخلقت له دوراً محورياً فى المعترك السياسى.
استفزاز الجيش
لا يخفى على إسرائيل أيضاً مواقف المشير طنطاوى الأكثر حسماً فى المواقف الصعبة، ولن تمحو من ذاكرتها رده الحاسم على وزير الخارجية الإسرائيلى الأسبق أفيجدور ليبرمان، حين تعمَّد استفزاز الجيش المصرى بتصريحات عدائية، نشرتها صحيفة «معاريف» حينئذ، وهدد فيها اليمينى المتطرف خلف أبواب مغلقة بحشد قوات إسرائيل على الحدود المصرية، مخالفاً بذلك اتفاق السلام بين القاهرة وتل أبيب.
وقال ليبرمان، وفقاً لـ«معاريف»، إنه رفع مقترحاً بذلك إلى رئيس الوزراء الإسرائيلى، متضمناً تقديراً يؤكد «أن الجبهة المصرية باتت تشكل خطراً على إسرائيل أكثر من إيران». لم تمر ساعات على التصريحات الإسرائيلية المتهورة، إلا ودعا المشير طنطاوى خلال تدريبات للجيش، القوات المسلحة إلى توخى اليقظة فى الدفاع عن البلاد، وأضاف، بحسب ما نقله عنه فى حينه موقع «والَّا» العبرى: «نحن لا نهاجم أية دولة جوار، لكننا نحمى حدودنا. إذا اقترب أى شخص من حدود مصر، فسوف نكسر ساقيه. ولهذا يجب أن تظل قواتنا فى حالة تأهب قصوى». وفى إشارة واضحة إلى مهمة الجيش الرئيسية، أعلن المشير طنطاوى فى حينه: «الجيش ليس معتركاً للسياسة، ولن نسمح لأحد بتحويلنا إلى سياسيين. الجيش ملك للشعب، والشعب يؤمن بنا، ويقف وراءنا ضد أى تهديد تتعرض لها البلاد».
ساعة الصفر
تقديرات الموقف المصرية حينئذ، كانت على علمٍ كافٍ بطبيعة شخصية ليبرمان المتطرفة، ومواقفه المتهورة، خاصة أنه سبق أن هدَّد فى تصريحات أكثر تهوراً، حين كان يتولى حقيبة البنية التحتية فى الفترة ما بين 1999 حتى عام 2002، بقصف السد العالى فى أسوان بالنووى، كما علَّق ليبرمان نفسه على عدم زيارة الرئيس الأسبق حسنى مبارك لإسرائيل بقوله: «إذا لم يرغب فى زيارة إسرائيل فليذهب إلى الجحيم».
ورغم أن المشير طنطاوى لم يكترث كثيراً بتصريحات ليبرمان المعادية، لكنه آثر فى الوقت نفسه التعامل معها بجدية، واستغلالها فى توجيه رسائل لأكثر من جهة معادية، ولعل ذلك هو ما منع مكتب ليبرمان نفسه من مجرد الرد أو التعليق على تصريحات الوزير بعد تسريبها.
وتزامنت تصريحات ليبرمان المعادية لمصر فى حينه مع تهديدات خارجية أخرى، تفيد باعتزام عناصر أجنبية برعاية أجهزة استخبارات إقليمية ودولية التسلل إلى سيناء فى محاولة لاقتحام شبه الجزيرة وعزلها عن القطر المصرى. الأكثر من ذلك تأكيد تقارير موثقة أن الأجهزة التى وقفت وراء تلك التهديدات، حرضت دوائر راديكالية تنتمى إلى القيادى السلفى حازم صلاح أبوإسماعيل على إرباك الجبهة الداخلية، وخلق بؤر من التوتر فى مواقع استراتيجية، لتشتيت انتباه الجيش وشد أطرافه، وذلك عبر الاعتصام فى مقر مدينة الإنتاج الإعلامى، ووصل الأمر فعلياً إلى اعتصام أتباع أبوإسماعيل فى ميدان العباسية، واعتلاء مآذن مسجد النور، لإطلاق النار عبر أسلحة قنص متطورة باتجاه مقر وزارة الدفاع.
تحت قيادة المشير طنطاوى، أدرك الجيش وأحبط خلال دقائق المخطط، خاصة أنه كان على علم بأن نجاح موقعة العباسية، هو «ساعة صفر» العناصر الخارجية لاقتحام سيناء، وربما دعم هذا التقدير، تقاطع الموقعة نسبياً فى التوقيت مع تصريحات الوزير الإسرائيلى.
ريبة إسرائيل
«كأن المريب يقول خذونى».. قد تنطبق تلك العبارة على إسرائيل، حين أصاب سفارتها فى القاهرة نصيب - مثل سائر المؤسسات - من غليان الشارع الثائر، ورغم تعامل الأجهزة المعنية بخبرة وحرفية - وسط انشغالها ببؤر التوتر - لإنقاذ طاقم السفارة، إلا أن وسائل الإعلام العبرية نشرت عديد التقارير، التى تزعم فيها ما وصفته بتراخى القيادة المصرية فى التعامل مع الواقعة. الأكثر من ذلك ادعاء الكاتب الإسرائيلى آنذاك جرشون أكشتاين رفض المشير طنطاوى التنسيق حول عمليات إخلاء طاقم السفارة، ورفضه الرد على اتصالات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه إيهود باراك.
ريبة الموقف الإسرائيلى فى واقعة السفارة، لم تغاير نظيرتها إزاء تبعات ما يجرى فى مصر، خاصة بعد تولى المشير طنطاوى رئاسة المجلس العسكرى. حينئذ كشف تقرير نشره موقع «دبكا» هوَس الدوائر السياسية والأمنية فى إسرائيل بمآلات الأوضاع فى مصر، وحاولت تلك الدوائر استقراء آليات تعامل المشير طنطاوى مع سائر الملفات، وقالت التقارير العبرىة نصاً «سقوط حسنى مبارك من السلطة ليلة 11 فبراير 2011، يضع إسرائيل وجيشها ليس فقط فى مواجهة وضع اختفى فيه حليف استراتيجى، وإنما فى وضع لا تمتلك فيه إسرائيل جيشاً مؤهلاً للقتال فى صحراء سيناء».
رسالة للمشير
إذا كانت تلك العبارة، ترسِّخ لإبعاد أى اتهام عن إسرائيل، يشى بإمكانية الصدام مع مصر، لا سيما أن هذا المفهوم يتعارض مع تباهيها المفرط وعلى طول الخط بقوتها العسكرية الإقليمية، إلا أن الموقع العبرى الذى تدّعى مصادره بصلتها مع قنوات أمنية واستخباراتية فى تل أبيب، اعترف على غير العادة بـ«الضعف» أمام المصريين، وكأنه حرص آنذاك على توجيه رسالة مباشرة للجيش المصرى بقيادة المشير طنطاوى.
وجاءت مفردات الرسالة كالتالى، بحسب نص تقرير الموقع: «لقد تدرب الجيش الإسرائيلى خلال السنوات الماضية، واستعد للحرب مع إيران، وسوريا، وحزب الله فى جبال لبنان وسوريا، لكنه فى المقابل ليست لديه كتائب ولا فرق مدربة على القتال فى صحراء سيناء. كما تفتقر إسرائيل إلى أية معلومات على مدار الفترة الماضية حول الضباط الذين يديرون مصر منذ تنحى مبارك، ولا عن قادة الوحدات المصرية، التى يمكن أن ترسلها القاهرة إلى سيناء».
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
البرديسى: مصالح أصحاب النفوذ.. وراء التصعيد الحادث فى الأراضى الليبية محمد الزهار: استهداف رئيس جهاز الاستخبارات.. رسالة تحذير للمؤسسة الأمنية...
عمر الغنيمى: خطوة نوعية لتعزيز المشاركة فى العمل العام ودعم جهود الدولة علاء عبد النبى: الأفكار الجادة يجب ألا تتوقف...
تفاصيل التحالف المشبوه بين «تل أبيب» و «أديس أبابا » للإضرار بحصتنا فى مياه النيل فى أزمة السد الإثيوبي.. نمتلك...
ديمترى دليانى: لولا صلابة الموقف المصرى لنجح الكيان فى تنفيذ مخطط التهجير