​صَحْوَةُ عربية تُوَاجِهُ المنصات الرقمية

​في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل والتطبيقات الرقمية العالمية وما تبثه من محتوى متنوع يصل إلى الأطفال والشباب على مدار الساعة، لم تعد معركة الأسرة العربية مع العالم الرقمي مجرد قضية ترفيه أو اختلاف في الأذواق، بل أصبحت قضية مجتمعية ملحة وتحديًا حقيقيًا يمس حاضر المجتمعات ومستقبلها.


​وما يحدث يدفعنا إلى التساؤل: ماذا يشاهد أبناؤنا؟ ومن يقرر ما يصل إليهم؟ ولماذا يتكرر هذا المحتوى تحديدًا على شاشاتهم؟
​ومن المعروف أن الشركات المالكة لأكبر المنصات العالمية تمتلك تقنيات متقدمة قادرة على تحليل سلوك المستخدمين لمعرفة المحتويات الأكثر جذبًا للانتباه والمدة التي يقضونها في المشاهدة. وهنا تبرز مسؤوليتها، خصوصًا تجاه الأطفال والمراهقين الذين ما زالوا في مرحلة تشكيل الوعي ولا يمتلكون القدرة الكافية للتمييز بين النافع والضار. وتزداد الخطورة حين تتداخل الخوارزميات مع الآلة الإعلانية؛ إذ يتحول المحتوى الأكثر إثارة إلى وسيلة لتحقيق الأرباح، ليصبح السؤال مشروعًا: هل أضحى وقت الطفل هو السلعة الحقيقية التي تتنافس عليها المنصات؟
​وتكشف الأرقام حجم الاقتصاد الهائل وراء هذه المنصات بإيرادات سنوية تتجاوز مئات المليارات من الدولارات. ولا تعكس هذه الأرقام ضخامة الأرباح فحسب، بل تكشف قدرة الموارد التكنولوجية في توجيه سلوك المستخدم، مما يفرض على هذه الشركات مسؤولية أخلاقية لتوظيف إمكاناتها في حماية النشء والحد من المحتوى الضار، بدلاً من ترك اقتصاد "جذب الانتباه" يعمل بمعزل عن اعتبارات القيم والمصلحة المجتمعية.
​ولا تتوقف المشكلة عند إضاعة الوقت، بل تمتد إلى مخاطر صحية ونفسية مباشرة أثبتتها الدراسات؛ من تراجع مستويات التركيز والتحصيل الدراسي، واضطرابات النوم، إلى العزلة الاجتماعية والقلق النفسي. أضف إلى ذلك محتويات تروج للربح السريع دون عمل، والشهرة دون إنجاز، وتُقدم الحياة الافتراضية بديلًا عن الدراسة والأسرة، فضلاً عن تعارض بعضها مع القيم الدينية والأخلاقية للمجتمعات العربية.
​وما يفاقم هذه الأزمة هو العجز الحاد في إنتاج محتوى رقمي عربي آمن وجاذب للطفل؛ إذ تترك الساحة فارغة أمام القادم من الخارج، مما يفرض على المؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى العرب ضرورة استثمار الموارد لتقديم بدائل رقمية تتناسب مع هوية مجتمعاتنا وتنافس في جودتها المنصات العالمية.
​وفي هذا السياق، اتخذت الدولة المصرية -بتوجيهات مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي- خطوات تنظيمية لحماية الأطفال من مخاطر منصات التواصل، عبر إجراءات مشتركة بين المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات. وتتضمن الضوابط حظر إنشاء حسابات مستقلة لمن هم دون 13 عامًا، وإلزام المنصات بتفعيل نمط الاستخدام الآمن ، لمن أعمارهم بين 13 وأقل من 15 عامًا، والتحقق من الأعمار، وحماية البيانات الشخصية. وتؤكد الإجراءات أن حماية النشء من الاستغلال والتنمر والابتزاز مسؤولية مشتركة بين الدولة والمنصات والمجتمع.
​ولا تقف هذه التحركات عند حدود التجربة المصرية؛ إذ تشهد المنطقة العربية صحوة تنظيمية متكاملة لتقنين الفضاء الرقمي، تتلاقى فيها جهود هيئات الاتصالات والإعلام في دول كالسعودية والإمارات وقطر والمغرب والأردن لفرض الضوابط ذاتها، وحظر الإعلانات الموجهة للقاصرين، ومساءلة الشركات العالمية قانونيًا وتقنيًا. ويعكس هذا التوجه الإقليمي الموحد إدراكًا عربيًا جمعيًا بأن حماية العقل العربي والأسرة أصبحت معركة سيادية تتطلب التكاتف لفرض معاييرنا الأخلاقية والثقافية.
​إن القضية ليست مواجهة التكنولوجيا كأداة، بل في إدارة آلياتها؛ فحرية الوصول لا تعني ترك الأطفال وحدهم أمام خوارزميات لا يفهمونها، ولا أمام إعلانات تدفعهم للبقاء لساعات أمام الشاشات.
​كما أن المسؤولية تتوزع على الجميع؛ فالشركات مطالبة بتطوير آليات أشد فاعلية للحد من المحتوى الضار، والأسرة مطالبة بالمتابعة الواعية، والمؤسسات التعليمية مطالبة بإدراج مادة "التربية الإعلامية والرقمية" لتزويد الطلاب بمهارات التفكير النقدي الرقمي، والإعلام مطالب بتقديم البديل الهادف.

ويبقى السؤال المطروح: لماذا لا تُستخدم هذه القدرات التقنية الفائقة
لحماية الأطفال وتعزيز المحتوى التعليمي والإنساني بالفاعلية ذاتها؟ أم أن الأمر يتجاوز منطق الأرباح ليعكس دوراً يستهدف تدمير الشباب؟ وإن كان الأمر كذلك، فلربما تقف وراءه أجهزة معادية تسعى لضرب المكون العربي من الداخل.

​إن مستقبل النشء لم يعد يتشكل اليوم عبر الأسرة والمدرسة فقط، بل عبر الهواتف والشاشات الرقمية. ولذلك فإن حماية هذا المستقبل تتطلب شراكة حقيقية تضمن بقاء التكنولوجيا وسيلة للبناء والمعرفة، لا أداة لاستنزاف الوقت أو إضعاف العلاقات الأسرية أو إنهاك الجسد والعقل، لتفتح أبواب العالم الرقمي أمام أبنائنا بصورة آمنة وواعية تصون عقولهم وتخدم إنسانيتهم.

 	عادل خفاجي

عادل خفاجي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

​صَحْوَةُ عربية تُوَاجِهُ المنصات الرقمية

​في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل والتطبيقات الرقمية العالمية وما تبثه من محتوى متنوع يصل إلى الأطفال والشباب على مدار...

باب الحرية : الذكرى الـ53 لمعركة الكرامة أكتوبر.. كابوس الصهـاينة المستمر

مصر بدأت تحديث جيشها مبكراً وكأنها كانت تقرأ المستقبل تل أبيب تجرعت الهزيمة فى الحرب وفشلت فى كسر وجدان المصريين...

مَن صنعوا التاريخ… ومَن ورثوه

ثمة مسافة غامضة بين اللحظة التي يعيشها الإنسان بيقينها الهش، واللحظة التي يضعه فيها التاريخ على منصة الخلود. ففي الأولى...

 شي.. من شراكة القاهرة إلى هدنة واشنطن..كيف يُبنى التحالف وكيف يُدار التنافس

غالبًا تكون الصورة أبلغ من البيان، لكنها في السياسة الدولية قد تكون أكثر خداعًا. فالمصافحة التي تبدو دافئة على البساط...