ترحال - اعتقال لحظة «حياة » تحت الأنقاض!

فى زمن تغضب فيه الطبيعة وتثور انتقاما من البشر، الذين باتوا يتقاتلون ويتحاربون، باتت صور الموت هى أيضا حرب صور..

 ثمة من يثرى بصوره ببعثها لوكالات الأنباء، أو ينشرها على مواقع التواصل الاجتماعى، ليصبح متورطا فى جريمة تغذية عالم نهم للفرجة على الجثث والضحايا.. وفى المقابل ثمة من دفع ثمن هذه الصور بروحه سواء فى الحرب أو تحت الأنقاض، دون أن يعلم هؤلاء أن صور موتهم خُلدت للأبد بعدسه أحدهم، وأن حياتهم سكنت فى موتهم.
منذ هاجم الزلزال اللعين مدنا وقرى فى تركيا وسوريا، وقتل آلاف الأرواح، وأنا أصحو كل يوم على صور الأطفال الضحايا يطفون على فنجان قهوتى..
ثم رأيتها..
طفلة لا تتعدى الثامنة من عمرها، تضع يدها على رأس أخيها تحت الأنقاض خوفا أن تطاله الصخرة التى تغطيهما بالكامل، فيما الآخرون مشغولون برفع الموتى وباقى الأحياء والمصابين من تحت الأنقاض. فى زالزال تركيا وسوريا كان من نجوا مشغولين أيضا بدفن الموتى.. آلاف الجثث لا يمكن لمقبرة قريه أن تتسع لدفنهم.
كانت الصغيرة ممددة تحت الأنقاض، تواصل غيبوبة ذهولها، وفى نظرة عينيها كنت أسمع صوت انفجار البيت، وأعيش مشهد الذين دفنوا تحت الأنقاض.. واختلطت أحاسيسى ما بين فزعى عليهم، وترتيل "الحمد لله" أننى لست بينهم، فيما سال الحزن على أطراف بقية يومى!
إنه الزلزال الذى زلزل حتى مشاعرى، والموت المرتجف خوفا.. الميت خوفا داخل عيون الصغيره وأخيها؛ وفى شوارع المدن المذعورة.. وحين حدقت أكثر فى الصورة سمعت صوت مئات الضحايا تستغيث، ورأيت أمهات حولهن الخوف إلى تماثيل من الملح ساقطة تحت الأنقاض.
ماذا تراها عاشت وأحست تلك الصغيرة وأخوها ليكونا أكثر حزنا وذهولا من أن تسقط من عيونهما البريئة دمعة واحدة؟
لقد أطبق الصمت على شفاههما، فيما عيناهما فارغتان وقد انطفأت قناديلهما، وكأنهما عينا إنسان ميت لا نستطيع أن نرى ما يراه وحده.
الطفلان الآن ممدان تحت صخرة قاسية بحجم بناء كامل تضغط على جسدهما البض، صرخاتهما صامتة.. ترى أين كانا وقت الزلزال؟.. هناك آثار لبطانية يستند الصغيران إليها، هما لا يعرفان شيئا ولا حتى المعجزة التى نجيا بها من فك الموت، والسؤال ما زال يلح داخلى: كيف استطاع من التقط هذه الصورة أن يصورها بتلك البراعة؟.. كيف ضبط عدسته ليلتقط صورة للفزع فى العيون وسط الجثث الممددة تحت الأنقاض؟
وانتابنى حزن ملتاع، وتزاحمت فوق عينى كل تلك الصور التى كانت تحاصرنى ليل نهار فى مسكنى بمدينة نابولى منذ ما يقرب من عشرين عاما، وقت كنت فى بعثتى العلمية بإيطاليا.. صور ضخمة تجسد مأساة أهل مدينة فيزوفيو.. الهلع على الوجوه التى ماتت والجبل العملاق يشتعل غضبا ويقذف بالحمم، تأكل فى طريقها اليابس والبشر.
نعم كل تلك الصور كانت تغلف الجدران من حولى وترافقنى حتى داخل غرفة نومى.. كنت أسمع أصوات الضحايا تأتينى من عالم آخر، تستحلفنى أن أخرجها من هذا البيت، من فراديس أيامها، حتى إننى اصبحت أعانى استفزازا صامتا لقدر لا بد لى من الاستسلام إليه، فلم يعد بإمكانى إلا مواجهته، وكان بركان فيزوفيو هو النداهة التى نادتنى فى ذلك اليوم إلى حافة فوهته، لأقف مشدوهة على بعد حوالى 1300 متر فوق سطح البحر، وفى قلبى كان يعتمل إحساس عجيب وغريب لم أستشعره من قبل، هو مزيج بين نشوة الإحساس بأن يدى تكادان تطولان الشمس، ورعب يتملكنى من مشهد كل ألسنة الدخان من حولى وهى تكاد تطول قامتى.. تتوعدنى كقنبلة موقوتة، فما زال تحت الرماد لهيب.
وكان علىّ أن أتوقف قليلا عن الهذيان، أن أرتاح لأفهم كيف وصلت إلى قمة هذا الجبل الغاضب!
كانت الساعة تشير الى الخامسه مساء، عندما اصطحبنى الدليل فى سيارة صغيرة جدا ومؤهلة لعبور الصخور، والقفز فوق الجبال.. تسلقنا الجبل، ومن فوق حافته كنت ألمح مدينة نابولى جميله وديعة، ترقد فى سلام فوق منحدرات التلال التى بدا لى ـ فى تلك اللحظة ـ كم هى ضئيلة أمام هذا الجبل الشاهق الذى أشعر فى حضرته بأننى طفلة صغيرة أموت رعبا وأنا أمشى فوق حافته، ثم أخذنى التفكير فنسيت كل شىء؛ حتى رعبى، وكدت أجن وأنا أتساءل عن ماهية هؤلاء البشر الذين يقطنون الجبال، ويتوالدون خلف الصخور غير عابئين بكل هذه الخسارات العظيمة التى تنتظر حياتهم، هل هو ارتفاع سقف أحلامهم المتوارثة جيلا بعد جيل، والتى لا تهدأ معها نفوسهم إلا فوق منحدرات الجبال تماما مثل سكان الجزر العالقين وسط البحار تهددهم الأمواج والعواصف وغضب البحر لكنهم عاشقين له، ففى أعماقه ترقد أحلامهم ورزقهم وربما جثثهم؟!
كان الوقت يمر بطيئا فوق فوهة جبل فيزوفيو، حتى إننى ظننت أنه توقف منذ بدأنا صعود الجبل من بوابة يطلقون عليها بوابة اليونان. اخترقنا الممرات الضيقة التى تلف فيزوفيو كحزام يحيط بخصر سيدة نحيلة فتبدو كشرفات مفتوحة تطل على الموت، ومنها كنت أطل على كل تلك البيوت الريفية التى بنيت حديثا، وقد زرعت طرقها ببقايا الحمم الملقاة من براكين سابقة، تحرسها العديد من تلال الرماد البركانية.. هؤلاء القوم لم يرضوا لوطنهم بديلا، فقد ولدوا هنا، وسيعيشون ويموتون هنا.. حكم عليهم أن يكونوا "سيزيف" منذورين للخسارات، انحدروا من جبل الموت إلى رحم الوديان، يطلون كل يوم على شبح الموت واقفا لهم بالمرصاد، وهم دوما يفتخرون بأنهم أبناء فيزوفيو!
عندما وصلت إلى حافة البركان وقفت أشاهد بأم عينى هذه الفوهة التى تغوص فى عمق الجبل تحت قدمى على بعد حوالى كيلومتر من الحافة.. بدت لى الفوهة كرحم أم لا يلد إلا الموت، فمنه ولد الموت كبيرا يعدو إلى منحدرات هذا الجبل، وحصد فى طريقه كل شىء، الأشجار والنباتات والحيوانات، وحتى البشر الذين لاقوا حتفهم فى وادى فيزوفيو، فى 19 مارس 1944، حيث مدينة سانتو ستيفانو.. أربعة أيام وخمس ليالى والبركان لا يتوقف لحظه عن تصدير الموت والخراب من رحم الفوهة، والناس يهرولون بكل ما تستطيع أيديهم حمله خارج مدينه تهلك حتى الموت، تماما مثلما هلكت مدينة بومبى الأثرية.. أقدم ضحايا فيزوفيو، والتى وقفت على أطلالها يتملكنى شعور بهول الفاجعة، فاجعة يقترب عمرها من الألفى سنة، حينما ثار وهاج جبل فيزوفيو ثورته العارمة ليلقى بحممه الملتهبة على المدينة الراقدة تحت حماية هيبته، وقد اتخذت منه درعا لصد هجمات الغزاة، فإذا به يدفنها كاملة تحت الركام والحجارة خلال ساعات معدودات.
وكان علىّ أن أتوقف قليلا عن السير بين ردهات هذه المدينة المنكوبة، التى خلدها غضب البركان حتى كدت أشك فى أن عقدا ما غير موثق تاريخيا كان قد وقعه أهالى المدينة لفيزوفيو، دفعوا به أرواحهم ثمنا لتخليد مدينة بومبى عبر التاريخ.
إذن كيف سأواجه ورشة الموت وكل تلك الجثث المتحجرة من حولى؟.. جثث لعائلات كاملة كانت قد استسلمت للنوم حينما فاجأها البركان، فإذ بالحمم تغطيها وما زالت تحتفظ بملامح الفزع بوجوهها رغم الماسك الحجرى، ففى حديقة الهاربين وهى تمثل مساحة واسعة من مدينه بومبي، ترقد العديد من الجثث المتحجرة لضحايا البركان، يستوقفنى مشهد طفل رضيع تحتضنه أمه بينما الأب يتوسط طفليه.
لقد عشت فى فيزوفيو حقيقة الموت، وفى حضرة تلك الجثث المتحجرة تحجرت هى الأخرى دمعة فوق خدى، دمعة عمرها آلاف السنين، لكنها الآن نزلت فوق جثث ركضت فوق فنجان قهوتى فى هذا الصباح الحزين.
نبضة مسافرة
البراكين كقنوات للدموع والفساد من الأرض
«يوهانس كيبلر »

 	وفاء عوض

وفاء عوض

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - ذكرى العبور .... والفتح

لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...

بروح رياضية - «جمال» متعمد

ما يقدمه فريق الزمالك من مستوى فنى متميز خلال الفترة الأخيرة يدعو للتوقف والتأمل، فقد فشل الأبيض مع عدد كبير...

نحو الحرية - المشروع القومي (کاری اون)

في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...

بروح رياضية - دورى للجميع

عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،