يمثل "ماسبيرو" أحد أهم الرموز الوطنية والثقافية والإعلامية في تاريخ الدولة المصرية الحديثة؛ فلم يكن مجرد مبنى يطل على نيل القاهرة، بل كان على مدار أكثر من ستة عقود صوت مصر إلى الداخل والخارج، ومنصة لتشكيل الوعي والثقافة والوجدان العربي. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن عودة ماسبيرو واستعادة دوره الإعلامي والتنويري، باعتباره أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية في مواجهة التحديات الراهنة، وجزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري محلياً وإقليمياً ودولياً.
فمنذ انطلاق البث التلفزيوني المصري في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1960، لعب ماسبيرو دوراً محورياً في دعم الدولة وترسيخ الهوية الوطنية، ونجح عبر قنواته وإذاعاته وبرامجه وأعماله الدرامية والفنية في الوصول إلى كل بيت مصري وعربي، حتى أصبحت الدراما المصرية والبرامج الثقافية والدينية والإخبارية جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة المواطن العربي، كما ساهم في اكتشاف وصناعة أجيال من الإعلاميين والفنانين والمبدعين الذين أثروا الحياة الثقافية والفنية في مصر والمنطقة العربية بأكملها.وعلى مدار عقود، لم يقتصر دور ماسبيرو على الترفيه فحسب، بل كان مؤسسة وطنية تنويرية شاركت في نشر الثقافة والوعي، ودعمت قضايا الدولة والمجتمع، وساهمت في مواجهة التطرف والشائعات ونقل الحقائق للمواطنين في مختلف المراحل التاريخية. واليوم، وفي ظل التحديات الإعلامية الضخمة التي يشهدها العالم، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحاً لعودة ماسبيرو ضمن منظومة إعلام وطني قوي قادر على مخاطبة الداخل والخارج بلغات وأدوات حديثة، خاصة مع تصاعد تأثير المنصات الرقمية وتحول الصراعات الراهنة إلى حروب تعتمد بالأساسالكاتب على المعلومات والإعلام.وفي هذا السياق، تأتي تحركات الحكومة لتؤكد أن الدولة تدرك جيداً أهمية استعادة الدور التاريخي لماسبيرو وتعزيز قدراته الإعلامية والتنموية. ولعل الاجتماع الموسع الذي عقده الدكتور مصطفى مدبولي لمناقشة خطة تطوير الهيئة الوطنية للإعلام وآليات تسوية مديونياتها، بحضور عدد من الوزراء، والكاتب أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، وعددٍ من ممثلي الوزارات والجهات المعنية، يعكس وجود إرادة حقيقية لإعادة بناء المؤسسة الإعلامية الوطنية على أسس اقتصادية وإدارية حديثة؛ إذ أكد رئيس الوزراء خلال الاجتماع أن الحكومة تتحرك بشكل جاد في ملف إعادة هيكلة وتطوير الهيئات الاقتصادية، وفي مقدمتها الهيئة الوطنية للإعلام، لما تمثله من دور إعلامي وتنويري مؤثر في المجتمعين المصري والعربي.كما أن التجارب الإقليمية أثبتت أن امتلاك مؤسسات إعلامية قوية أصبح أحد أهم أدوات النفوذ والتأثير السياسي والثقافي في المنطقة؛ فشبكة مثل "الجزيرة" الإعلامية، بما تمتلكه من قنوات ومنصات متعددة، نجحت في منح دولة صغيرة مثل قطر حضوراً إعلامياً وسياسياً واسعاً يفوق حجمها الجغرافي وعدد سكانها. كذلك استثمرت دولة الإمارات العربية المتحدة في إنشاء شبكات إعلامية ومنصات فضائية عالمية عززت من حضورها الإقليمي والدولي، بينما أولت المملكة العربية السعودية اهتماماً كبيراً بتطوير مؤسساتها الإعلامية وقنواتها الفضائية لتوسيع تأثيرها السياسي والثقافي والإخباري عربياً ودولياً؛ وهو ما يؤكد أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح أداة رئيسية لبناء النفوذ وصناعة الصورة الذهنية للدول.وقد تنبهت مصر منذ سنوات إلى أهمية الإعلام الحديث وتأثيره الإقليمي والدولي، فأطلقت قنوات ومنصات إعلامية متطورة مثل "إكسترا نيوز"، و"القاهرة الإخبارية"، وقنوات "دي إم سي" ضمن شبكة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وفق أحدث التقنيات والمعايير المهنية، وهو ما ساهم في تحقيق حضور مهم للإعلام المصري في الداخل والخارج، واستعادة جانب من الدور المصري المؤثر عربياً وإقليمياً.إن هذه النجاحات الإيجابية التي حققها الإعلام المصري الحديث تتكامل بالضرورة مع عودة قوية لماسبيرو؛ ليشكلا معاً جناحين متناغمين للقوة الإعلامية المصرية الضاربة. فماسبيرو بقنواته المتعددة وإذاعاته الموجهة إلى أفريقيا والعالم، يحتاج اليوم إلى الاعتماد على أحدث تقنيات البث والإنتاج الرقمي ليستعيد مكانته الطبيعية؛ فالساحة المصرية والعربية والدولية في حاجة حقيقية إلى عودة الريادة الإعلامية المصرية، باعتبار مصر دولة صاحبة حضارة تمتد لأكثر من سبعة آلاف عام، وتملك من التاريخ والثقافة والخبرة ما يؤهلها لقيادة المشهد الإعلامي العربي من جديد.ومن هنا، فإن مصر بما تمتلكه من ثقل سياسي وبشري وثقافي، هي الأحق بامتلاك منظومة إعلامية وطنية حديثة وقوية تستعيد ريادتها العربية، خاصة مع وجود أكثر من 110 ملايين مواطن داخل البلاد، إلى جانب ملايين المصريين في الخارج، وهو ما يفرض ضرورة وجود إعلام وطني جامع يحافظ على الهوية الوطنية ويربط المصريين بوطنهم وثقافتهم.لكن عودة ماسبيرو لا تعني النكوص إلى الماضي أو الانغلاق في قوالبه، بل تعني بناء إعلام حديث يعتمد على التكنولوجيا المتطورة، والمنصات الرقمية، والإنتاج الاحترافي، مع استغلال كنز ماسبيرو التراثي والأرشيفي الفريد وإعادة إتاحته رقمياً للأجيال الجديدة بأدوات العصر، وبما يحافظ على الرسالة الوطنية والمهنية. فالدولة المصرية اليوم بحاجة إلى إعلام قوي ومؤثر يعكس مكانتها الإقليمية والتاريخية، ويعيد للقوة الناعمة المصرية تأثيرها وريادتها في المنطقة العربية، وهو ما يجعل من عودة ماسبيرو ضرورة وطنية وثقافية وإعلامية لا غنى عنها في هذه المرحلة الحرجة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يمثل "ماسبيرو" أحد أهم الرموز الوطنية والثقافية والإعلامية في تاريخ الدولة المصرية الحديثة؛ فلم يكن مجرد مبنى يطل على نيل...
تُعد شعيرة الحج رحلة إيمانية تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً، خاصة لكبار السن، مما يستوجب استعدادات طبية خاصة للوقاية من مخاطر...
ذهب بنفسه ليتابع عن قرب خطة تدمير خط بارليف ليسقط شهيداً بين جنوده ونحن نحتفل بسيناء علينا أن نحتفل بهذا...
ثمة بقعةٌ في هذا الكون، تقف شامخة كحارس التاريخ عند بوابة الشمس؛ تتجاوز بقدسيتها حدود الخرائط، وتعجز الأقلام عن وصفها...